ارتفاع الضرائب وغلاء الأسعار… فمتى نعود إلى الله؟



عدد القراءات 1236

هوية بريس – د. أحمد اللويزة

لا حديث للناس اليوم إلا على غلاء الأسعار وارتفاع الضرائب، وإلغاء المجانية في بعض المكاسب الحياتية، والناس في ذلك يلقون بكامل اللوم على المسؤولين والحكومة والنظام، دون إشارة إلى مسؤولية الناس أنفسهم في ذلك. إلا ما كان من بعض الأفاضل يكتبون أو يتكلمون هنا وهناك، ولكن من يسمع إليهم؟

 بداية لابد من التأكيد على أن المسؤولية ثابتة على عاتق المسؤولين وكل من له سلطة وولاية على الشعب، وهذا لا نقاش فيه. لكن الذي أرغب في الإشارة إليه والتنبيه عليه بقوة؛ أولا أن هؤلاء المسؤولين هم جزء من الإشكال ولومهم وحدهم يعد مضيعة للوقت ولن يغير من الواقع شيئا، بل ومن زمان وعصا اللوم تنزل على رقابهم ولكن لا يزداد الأمر إلا سوء وشدة وضنكا، والحياة تعاسة، والناس فقرا وحنقا. مما يدل على أن اللوم يتوجه إلى الجهة الخطأ، أو أنه لم يسلك السبل الصحيحة لتغيير الوضع السيئ إلى الوضع الحسن على جميع مستويات الحياة.

ثانيا لابد من الالتفات إلى النفس أولا وقبل كل شيء عند كل مصيبة ومشكلة، فهي أصل كل مصيبة إذ انحرفت، قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير(الشورى:30-31. وقال عز وجل: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) آل عمران:165.

ولقد اعتاد الإنسان أن يعود باللائمة على الغير دائما في كل ما يطرأ له من سيء الأمور، فيقول: (ضربني الفأس، وفاتني القطار، وأغلق علي الباب، وتكسر الصحن…) وهو بريء في كل مرة، وهذه عادة قبيحة تفوت على الإنسان وضع الأمور في نصابها حتى يستطيع أن يعدل من الأخطاء ويقوم المسار ويغير الحال، وهو ما يحتاجه الأمر في هذه القضية.

إن غلاء الأسعار والزيادة في الضرائب أو ضرب القدرة الشرائية للمواطنين أو تعقيد الحياة المدنية والخدماتية، هو أمر طبيعي نتيجة الانحراف والتجاوز والطغيان الذي تمارسه النفس البشرية التي أطلق لها العنان فعاثت في الأرض فسادا وفجورا وانحلالا ومجونا وظلما وعربدة ومجاهرة وتحديا لقوانين الأرض والسماء، وقد ورد عن عمر بن عبد العزيز قوله: “يَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الفُجُورِ، فماذا ينتظر الناس بعد كل هذا؟؟؟ أن يفتح الله عليهم من الخيرات والبركات، وتتيسر لهم شؤون الحياة. أنى لهم ذلك وما أصابنا ليس إلا قرصة أذن للانتباه، وإلا فما نستحقه أكثر وأجل، فاللهم لطفا. وإلا مع هذه المشاكل لا زالت أسواقنا تعج بكل ما لذ وطاب، ولا زالت الخيرات تغزوا الأسواق والمتاجر والمحلات، فضلا من الله الحليم الكريم.

هذه هي الحقيقة المرَّة التي لا يريد أن يسمعها كثير من الناس، لأنهم لا طاقة لهم بمحاسبة النفس ونهيها عن غيها، ويستسهلون لوم الآخرين، والآخرون لن يغيروا شيئا من الواقع ما دام الحاصل هو عقوبة إلهية تحتاج منا توبة صادقة ورجوعا إلى صراط الله المستقيم وهديه نبيه الكريم.

وهذه سنة الله الماضية في الأمم ولن تجد لسنة الله تبديلا حيث قال جل شأنه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ سورة النحل:112. وقال أيضا: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) البقرة/155-157. وقال عليه الصلاة والسلام من حديث طويل (…ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم…) رواه ابن ماجة.

مثل هذا الطرح يثير الاستغراب عند فئام من الناس، فبعضهم يراه تبرئة لذمة الحكام، وبعضهم يحتج عليك بحال غير المسلمين على اختلاف مللهم وما ينعمون فيه من رفاهية وعيش رغيد، وغير هذا، فما بال المسلمين وحدهم من يعيش هذا الكساد والفساد وغلاء المعيشة…؟

والقضية ليست كذلك، فليست بتبرئة للمسؤولين وهم أيضا معنيين بأن يتوبوا مع الشعب إلى الله، أما قضية الكفار فالأمر عاد جدا وتلك عاجل إحسانهم يعجله لهم الله في الدنيا، أما المسلمين فلابد من أن نعلم أن ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة حصل حتى في أفضل الأزمنة وأفضل الناس، حصل هذا في زمن الصحابة الفضلاء الأخيار،  بل وفي زمن الفاروق العادل وقعت مجاعة شديدة، وفي زمن التابعين وتابعيهم الأبرار، في زمن لم يكن فيه مثل فجور أهل هذا الزمان ومجاهرتهم به.

فقد حكى صاحب “النجوم الزاهرة” في أواخر عهد بني العباس عظم الغلاء ببغداد في شعبان، حتى أكلوا الجيف والروث، وماتوا على الطرق، وأكلت الكلاب، وبيع العقار بالرغفان -أرغفة الخبز-، وهرب الناس إلى بلدان أخرى، فماتوا في الطريق. وضرب الغلاء أيضاً في القرن الخامس بعض بلدان المسلمين كمصر، وحصل بذلك هلاك كثير، وأُكلت الدواب التي لا تؤكل، وكانت الأقوات في غاية القلة والغلاء، ومات كثير من الناس حتى مات في شهر صفر وحده مائة وثلاثون ألفاً.

وهذا حال المسلمين عبر التاريخ، يحتاجون بعد كل شرود وغفلة وإعراض عن الله من شدة وابتلاء للتنبيه ولعلهم يرجعون، والأخطر من هذا أنهم إن لم يرجعوا ويتوبوا يخشى أن يفتح عليهم فيأخذوا بعذاب يستأصل شأفتهم ويصدق فيهم قوله عز وجل: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ، فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ. الإنعام:42-44.

إن من إرهاصات بداية الانفراج هو الإقرار بأن ما حصل ويحصل وسيحصل لا قدر الله هو بسبب ذنوبنا ومجاهرتنا بالبوائق، وهذا ما كان عليه السلف في مثل هذه الظروف والأحوال، فقد قيل لأعرابي: لقد أصبح رغيف الخبز بدينار! فأجاب: والله ما همني ذلك ولو أصبحت حبة القمح بدينار، أنا أعبد الله كما أمرني وهو يرزقني كما وعدني.

وذكر الإمام القرطبي عن ابن صبيح قال “شكا رجل إلى الحسن البصري الجدوبة: فقال له: استغفر الله، وشكا آخر إليه الفقر فقال له: استغفر الله، وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولداً فقال له: استغفر الله، وشكا إليه آخر جفاف بستانه، فقال له: استغفر الله، فقال له الربيع بن صبيح أتاك رجال يشكون أنواعاً فأمرتهم كلهم بالاستغفار! فقال: ما قلت من عندي شيئاً! إن الله عز وجل يقول في سورة نوح: “فقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَار” (نوح:10-12).

وقيل لبعض السلف رضوان الله عليهم: ارتفعت الأسعار! فقال: أنزلوها بالاستغفار.

وقيل لأحدهم: إن الأسعار قد ارتفعت! قال: أنزلوها بالتقوى.

هذا هو الحل الأنجع والأبلغ، وإن كانت تمت حلول لا تنكر، والأخذ بها يشكر. كترك الجزع والطمع والتبذير والإسراف، والتحلي بالقناعة والكفاف، والسماحة في البيع والشراء، وترك الاحتكار والاستغلال…

والله الموفق والهادي إلى الصواب.

1 تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق