الخلفي يتحدث عن “التطور الدستوري للمغرب: الجذور التاريخية والتجليات الراهنة والرهانات المستقبلية”



عدد القراءات 449

الخلفي يتحدث عن

هوية بريس – متابعة

هذه كلمة الوزير مصطفى الخلفي في افتتاح الندوة الدولية حول “التطور الدستوري للمغرب: الجذور التاريخية والتجليات الراهنة والرهانات المستقبلية”:

بسم الله الرحمن الرحيم
السيد أمين سر أكاديمية المملكة المغربية
السيد أمين السر المساعد لأكاديمية المملكة المغربية
السادة أعضاء أكاديمية المملكة المغربية
السيد أمين السر الدائم لأكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات
السادة الوزراء والسفراء
الحضور الكرام

سعيد اليوم بالمشاركة في إطلاق الندوة الدولية حول التطور الدستوري للمغرب: الجذور التاريخية والتجليات الراهنة والرهانات المستقبلية” التي تنظمها أكاديمية المملكة المغربية بشركة مع الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني؛ وهي ندوة جاءت على إثر تقديم الوزارة لمشروع الموسوعة الخمسينية لعلاقة الحكومة مع البرلمان، والتي تم التوقف فيها عند حصيلة تسع ولايات تشريعية، ولاسيما ما تحقق خلال الولاية التشريعية السابقة من مجهود معتبر انخرطت فيه مختلف مكونات الأمة المغربية وارتبط بتنزيل أحكام الدستور الجديد عبر اعتماد سلسلة من القوانين التنظيمية وإرساء عدد من المؤسسات الدستورية وبلورة مجموعة من السياسات العمومية الجديدة.
وتهدف هذه الندوة أولا، إلى البحث في الجذور التاريخية للتطور الدستوري في بلادنا، وهو التطور الذي سعت بعض الكتابات والأبحاث إلى ربطه بالدستور المتداول سنة 1908 من بداية القرن الماضي، بل وذهب البعض إلى القول بأن انطلاق الممارسة الدستورية بالمغرب هي مجرد تأثر بفكر برز في الشرق، في حين أن جذور الفكر الدستوري في المغرب تمتد إلى قرون سابقة على ذلك، كما أن أسس البناء الدستوري لبلدنا تطور وحافظ على استقلاله طيلة محطات تاريخية، نتجت عن اجتهادات عدد من العلماء تفاعلوا مع تطور الدولة والمجتمع، ونشير هنا الى المرافعات القوية للمغرب في محكمة العدل الدولية سنة 1975، حول طبيعة الدولة المغربية قبل مجيئ الاستعمار الإسباني الى الصحراء المغربية نهاية القرن التاسع عشر، وكيف كانت قائمة على نظام لامركزي في الدولة الواحدة والموحدة، ولهذا تسعى هذه الندوة لتفكيك هذه المقولة التي تربط بداية الفكر الدستوري ببداية القرن الماضي، وإخضاعها للبحث العلمي والتمحيص النقدي من أجل بناء ذاكرة دستورية متينة. وهو ما حتم طرح السؤال الأول في هذه الندوة، المرتبط بالجذور الدستورية من أجل بحث تطور الممارسة الدستورية المغربية.
وهو نفس الشيء الذي ينطبق على مقولات أخرى سادت طيلة التطور الدستوري الحديث لبلدنا خلال القرن الماضي وأدت إلى بناء صورة غير سليمة على الواقع الدستوري، والتي تحتاج للمناقشة العلمية الهادئة والعميقة لتفكيكها، خاصة وهي تمثل عائقا أمام الفهم السليم للنظام الدستوري لبلدنا، وتبرز في قول البعض بأن:
*التطور الدستوري المغربي تطور شكلاني ومخالف للممارسة الفعلية لصناعة القرار العمومي والسياسات العمومية، في المقابل يمكن الإحالة فقط على قرارات القضاء الدستوري المتعلقة بمدى دستورية العديد من القوانين التنظيمية للوقوف على حاكمية مرجعية الدستور في تأطير القرار العمومي.
*أن التراكم الدستوري إنتاجا وصياغة هو مجرد استنساخ من الاجتهادات الدستورية الأجنبية وليس هناك ابداع مغربي فهو صدى للتطور الدستوري في الخارج وخاصة بعض الدول الأوروبية، وهو حكم قيمة غير مؤسس على المعطيات الملموسة للتطور الدستوري، ولعل في المقاربة التشاركية مع مختلف القوى السياسية والمدنية وجلسات المدارسة والإنصات التي أفرزت دستور 2011 دليل عملي لنقض هذه المقولة؛
* أن التطور الدستوري المغربي تم بمعزل عن حركة الواقع، ولا يجيب عن الأسئلة والإشكالات الواقعية ولا يقدم حلولا لها، في حين أن قضايا كبيرة في بناء الدولة وعلاقتها بالمجتمع لم تجد طريقها للحل، إلا عبر الوثيقة الدستورية، وما أتاحته من دفع مسار الإصلاح السياسي، وهنا يمكن الوقوف عند تجربة التناوب السياسي مع دستور 1996، ثم ما قدمه دستور 2011 من حلول لإشكالات الهوية المغربية، أو الجهوية المتقدمة واللامركزية أو العلاقة بين السلط؛
* أن البناء الدستوري هو بناء فوقي معزول عن المنظومة التشريعية القانونية، وما يدعو له من قوانين تبقى مجرد نوايا لا تصدر وتبقى احكامه معلقة ومعطلة بدون أثر على الواقع، وهو ما يناقض المجهود الجماعي لاعتماد ما يفوق 20 قانونا تنظيميا ومثله من القوانين العادية والبدء في إرساء عدد من المؤسسات الدستورية كالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والمحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي تبعا للقوانين الجديدة.
وهي مقولات سادت في بعض الخطابات حول المسار الدستوري ببلادنا ونعتبر أن تفكيكها ونقضها ودحضها يمثل أحد الاستحقاقات الأساسية لبلدنا في هذه المرحلة ونحن ندرس سبع سنوات من اعتماد الدستور الجديد.
إن دستور 2011 شكل نهاية لمسار ونقطة لبداية مسار جديد؛ مسار أعلن صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله في خطابه التاريخي للتاسع من مارس 2011، انه مسار لإطلاق “إصلاحات جديدة شاملة وفي تجاوب دائم مع كل مكونات الأمة”، وذلك بعد أن أعلن جلالته عن “مراجعة دستورية عميقة”.
لقد شكل دستور 2011 نهاية مسار وبداية مسار سياسي جديد برزت إرهاصاته مع إعلان المفهوم الجديد للسلطة في بداية عهد جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، ثم الاعتراف بالأمازيغية لغة وثقافة وتاريخا، واعتماد مدونة الأسرة، ثم إطلاق مسلسل الإنصاف والمصالحة، وتعزيز التعددية السياسية ببلادنا وانفتاحها على المكونات السياسية للمجتمع، ثم بعد ذلك إطلاق مسار إصلاح قضائي، كما تم تتويج كل ذلك في منظومة الدستور الجديد وما أتاحته من انطلاق مسار لإصلاح عميق للدولة ولعلاقتها مع المجتمع برز في عدد من التجليات الكبرى وأهمها:
– إرساء مبدأ الحكومة المنتخبة؛
-إرساء استقلال فعلي للسلطة القضائية؛
– إقرار البرلمان سلطة تشريعية حصرية؛
– إقرار مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وخاصة في التجليات المرتبطة بالتعيينات في مناصب المسؤولية وإرساء مبدأ الاستحقاق وتكافؤ الفرص والشفافية؛
– إرساء الجهوية المتقدمة وما تفرضه من مبدأ التدبير الحر لشؤون الساكنة؛
– ترسيخ الحقوق والحريات ودسترة هيئات الحكامة الجيدة ومبادئ الديموقراطية التشاركية.
كل ذلك تأسس على رؤية للهوية المغربية، مبنية على إقرار تعددية مكوناتها وروافدها في إطار المكانة السامية للدين الإسلامي.
وتشكل هذه التجليات محورا للبحث في هذا اللقاء الدولي العلمي وذلك بعد محور البحث في الجذور التاريخية، وذلك تمهيدا للمحور الثالث المتعلق باستشراف التحديات المستقبلية وهو محور يشكل أفق التحديث الشامل والمستمر لبلدنا والذي يقوده جلالة الملك حفظه الله، باعتبار الملكية رمزا للوحدة والتلاحم، وضامنة للاستقرار والحريات، وباعتبارها قائدة للإصلاح والتحديث لبلدنا.

نتمنى التوفيق والنجاح لأشغال الندوة كما أجدد الشكر لأكاديمية المملكة المغربية على هذه الشراكة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركته.

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق