حواري مع الدّكتور الأستاذ محمد حامد الأحمري

08 نوفمبر 2016 20:43

هوية بريس – ربيع السملالي

حواري مع الدّكتور لأستاذ محمد حامد الأحمري صاحب الكتاب الرّائع (مذكّراتُ قارئ) وهي محادثة خاصّة، وقد أذِن لي مشكورًا بنشرها:

وسببها أنّني كتبتُ انطباعي حول كتابه (مذكرات قارئ) فرآه في صفحتي على فيسبوك، فراسلني.. لذلك ارتأيت أن أنشر انطباعي كمدخل للحوار:

بعد الانتهاء من قراءة كتاب مذكرات قارئ للدّكتور محمد حامد الأحمري جلستُ في ظلام دامس لا يبدّده إلاّ ضوء خافت ينبعث من هاتفي المحمول، جلست متأمّلا ما قرأت في هذا الكتاب المثخن بالفوائد والدّرر والنّفائس، المثقل بآراء الفلاسفة والمفكّرين والعلماء في عالم القراءة والكتابة ..قرأته في أربعة أيّام فكنت ظالمًا له ولنفسي، فمثله ينبغي الجلوس إليه أيّاما وساعات طوالاً، لاستيعاب ما يضمّ بين دفّتيه من حمولة فكرية وأدبية وفلسفية عميقة، وكنت أمنّي نفسي قبل قراءته بنقل ما لذّ وطاب منه في دفتر معلوماتي بعدما اطّلعت على فهرسه، ولكن عبثًا، فقد تكاثرت عليّ الفوائد والفرائد والنّقولات الرّائقة كما تكاثرت الظّباء على خِراش، فتركتها ترعى في ذهني ويستمتع بها قلبي على أمل الرّجوع إليها بين الفينة والأخرى، كلّما احتجت إلى ذلك، أو لاح في أفق تفكيري قول من تلك الأقوال، أو رأي من تلك الآراء، بعدما قمت بوضع علامة تدلّني على ذلك.

تساءلت وأنا أحملقُ في ظلام غرفتي شاردًا، كيف استطاع هذا الرّجل الخمسيني أن يجمع بين كلّ هذه العلوم في عصرنا هذا الذي يقال له عصر التّخصّص، فقد وجدته كما قيل عن ابن تيمية قديما: إذا تكلّم في الحديث تقول لا يحسن إلاّ هذا، وإذا تكلّم في التّفسير لا يعرف سواه، وإذا تكلّم في الفلسفة وجدته بحرًا لا تكدّره الدّلاء، أمّا الأدب والاطّلاع على عربيه وغربيه فهو نادرة تستحقّ الإشادة والتّنويه، فكثرة مراجعه ومصادره التي بنى عليها هذا الكتاب الرّائع، تنمّ عن جَلَد في المطالعة في مختلف العلوم والفنون، وبلغتين عربية وانجليزية ..كما تنمّ عن استقلال الكاتب وحريّة تفكيره، فهو لا يتردّد في بسط آرائه نحو بعض العلماء والأدباء كابن تيمية وبكر أبي زيد ومحمد الغزالي وطه حسين، وقوله الصّريح في ما انتهى إليه بحثه واستقصاؤه، وإن كنت لا أوافقه في بعض مبالغاته وثقته في نفسه.

هذا الكتاب لكثرة نقولاته وفوائده ولغته الأدبية السّلسة الجميلة جعلته قرب وسادتي مع الكتب المُفضّلة لديّ التي أقرأها مثنى وثلاث ورباع، ورضيت عنه وعن مؤّلفه بوسطية واعتدال، دون أن يمنعني ذلك من قول: إنّه لم يعجبني في بعض آرائه وكلماته ..وأعجبني جدّا في ردّه على أصحاب الفكر المُتحجّر الذين يعتقدون أنّ الحقيقة المطلقة بأيديهم وأيدي مشايخهم ..والذين لا يرون أبعد من أرنبة أنوفهم.

هو كتاب بشري كسائر الكتب تعرفُ منه وتنكر والعصمة كما قلت في غير هذا الموضع قد دُفنت مع سيّد ولد آدم صلّى الله عليه وسلّم ..فشكر الله للكاتب الذي جعلني أنفرد بالسّعادة لبضعة أيّام وسط ركام تعاستي. اهـ

نصّ الحوار:

د . الأحمري: السلام عليكم/أخي العزيز شكرًا للقراءة المتميزة والإنصاف للكتاب، وإن كان هناك من قول دون ما أحببتَ أن أقدّم للقارئ فالكمال لمن تفرد به، وحسبي أني حاولت. وأقدّر لك اهتمامك وجِدّك.

ربيع: أنا من يجب عليّ شكرك لأنّك فعلا أبدعتَ في زمن الغُثاء والإسهال في التأليف.. كنت سأضيف أن شهرة صديقك الشيخ القرني أكبر من علمه وقد قرأت أغلب كتبه، فلم أجد عنده ربع ما عندك.. وربما هذا راجع لتكوينك وثقافتك الغربية.. فهو لا يكاد يجهله أحد تقريبا، أما أنت فلا يعرفك إلا من كان له قلب أو ألقى السمع وهو أديب!..

تقريبا كل ما في الكتاب أوافقك عليه إلا قولك عن العروي أنه أفضل كاتب في المغرب! فهناك يا أستاذنا كيليطو وطه عبد الرحمن وغيرهما كثير لا يخفون على أمثالك من الموسوعيين.. وكذلك قولك عن طه حسين أن شهرته أكبر من أدبه أظنك جانبت فيها الصواب يا أستاذي بغض النظر عن انحرافاته في إبان شبابه.. وقد طالعت أغلب كتبه فوجدته بحرا لاسيما في شرحه للشِّعر العربي القديم وفهمه له، فأما أسلوبه فأنا من المغرمين به وأقدّمه على الرافعي.. وسامحني على جرأتي عليك فأنا تلميذك إن سمحت لي..

د. الأحمري: حياك الله ومساؤك -أو صباحك- خير، سعدت برسالتك أكثر من رسائل قراء أعزاء كثر، ولأنها تَنِمُّ عن علم وأدب. أما صديقي عائض فعنده علم وحفظ وموهبة وهو زميل دراسة -سبقته بعام دراسي- غير أني ذهبت لدراسة الإنسانيات وتخصص هو في أصول الدين، وهو خلوق وذو شهرة، وتجنب من وجوه الخلاف ما لم أستطع تجنبه، ولذا ضاق علي فضاء التواصل العام.

أما قولي في الكتب المغربية فلعلك تعلم أن قلة التواصل وسوء حال النشر يقطع حبال المعرفة الأدبية وغيرها في عالم لغتنا الواحد للأسف، فلا يبلغ المشرقي ما يلزمه من المغرب وكذا العكس، ولعلمك فما سمعت عن كيليطو إلا منذ أشهر بعد توصية صديق وإهدائه لي أحد كتبه، فليس معروفًا إلا النّادر من المثقّفين في المشرق، والعروي والجابري وطه هم نجوم المغرب في المشرق ثم تكاد تغرب النجوم الأخرى.. تابع..

ربيع: ما شاء الله.. أقسم لك يوم قرأت قولك عن العروي كتبت تغريدة قلت فيها: غالب الظّن أنّ الدكتور الأحمري لا يعرف العظيم عبد الفتاح كيليطو ولو عرفه لأحبّه ولغيّر رأيه تجاه العروي!… وبالمناسبة فقد صدرت أعمال كيليطو في خمسة أجزاء عن دار توبقال..

د. الأحمري: أما طه حسين فقد قرأت له الأيام ج1 في طفولتي فأعجبني ثم أكملته حين وجدت باقيه، لكن لسوء حظه قرأت معه في برنامج القراءة مالك بن نبي والمودودي وهؤلاء عمالقة في قوة الفكرة واختصارها، وكان جهدي معه تلك الأيام قراءة نقدياته، وهي أقل من كتبه التي قصد تأليفها ككتب وليس مقالات، فكانت دونهم، ثم قرأت الرافعي فمسح به الأرض مُحِقّا أو مبطلا لكنّه حجبني عنه لزمن، والعروي قرأت جميع المتوفر عندنا له إلا واحدا نَقّبْت عن بعض المقاصد فيه دون إتمام. ووجدته قديرًا جدّا، بقطع النظر عن أمور أخرى.

وطه عبد الرحمن تعبت من لغته وأسلوبه فتركت مواصلة القراءة له، علما أن بعض الشباب يجد متعة في كتبه لم أجدها، وأقدره وقد لقيته في لقاء جميل طويل في الدوحة.

وسوف أكون سعيدا باقتناء كتب كيليطو ولأن لي زيارة -قريبة إن شاء الله للمغرب- أخّرتها ومن أهدافها كتبه، أما الذي قرأت له فمن مطبوعات الطليعة اللبنانية.

ربيع: نعم أتفق معك عن لغة طه عبد الرحمن صعبة جدا تتعبني أيضا.. والغريب أن هذا الفيلسوف صوفي طرقي ينتسب لفرقة من المجاذيب عندنا في المغرب اسمها البودشيشية.

د . الأحمري: جمع بين طرفين في العلم والعرفان، وطرفين في عسر الأسلوب ولطف المعشر.

ربيع: ما شاء الله نعم.. تذكرت كلامك عن السيوطي وأنيس منصور أتفق معك جدا وقد عبّرت عن رأيي فيهما.. لكن عن ابن تيمية هل ترى أنه لم يبدع إلا في الاستقامة!

د . الأحمري: لا لا أقصد لم يبدع، وإن كنت قلت هذا فهو خطأ مني، لكنّي قرأت له كثيرا، ووجدت هذا الكتاب من أنضج كتبه، وقد نفعت الخصومات ابن تيمية وأضرت به بلا شك، وقد طلبت من خبير به وبكتبه أن هناك حاجة لكتابة كتاب يُؤرّخ لكتبه ولظروفها.. فكتاب جاد يؤرخ سيكون مفيدا جدا، كما أنه مؤثر جدا في القرون التالية..

ربيع: جزاك الله خيرا على التوضيح.. شبهتك في بعض كتاباتي بالشيخ أبي غدة وقلت أنك تفوقت عليه بإلمامك بفلسفة الغرب وآدابه.. فهل هذا التشبيه في محله أم ظلمتك؟

د. الأحمري: أمرُ تقييم ما كتبتُ بيدكم أنتم القرّاء وأبو غدة عالم بالحديث وغيره كبير رحمه الله.. وعليك بكتاب شيخه: زاهد الكوثري، مقالات، وهما مكروهان عند السلفيين، لكن سماحة ابن باز سمح له بتدريس الحديث في جامعة الإمام وإلا فهو صوفي حَنفي كان رحمه الله يتعصب لحنفيته، وقد لقيته وله مقال طويل أنصف فيه شيخ الوهابية في زمنه محمد بن إبراهيم آل الشيخ، فربما شفع المقال له أيضا.

ربيع: نعم أعرف هذا الكتاب لزاهد الكوثري وهو الذي أساء فيه لابن تيمية.. وقد ألف بكر أبو زيد رسالة بتقديم ابن باز في الرد على الكوثري وتلميذه عنوانها كما لا يخفاكم: براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة!.. وأعرف عقيدة أبي غدة حق المعرفة فهو أشعري صوفي حنفي.. وكل كتبه عندي بحمد الله..

د. الأحمري: تحقيق أبي غدة لرسالة المسترشدين للمحاسبي من أحسن أعماله، أما خصومته مع بكر فهي جذرية لكليهما ولاتفاق طباعهما.

ربيع: بارك الله في علمك وأدبك.. هل لك مؤلفات أخرى في الأدب أو الفكر أو الفلسفة.. وشكرا لسعة صدرك أستاذنا؟

د. الأحمري: نشرت: ملامح المستقبل، منذ 12 سنة، أيام بين شيكاغو وباريس، كتاب رحلة، والديمقراطية: الجذور وإشكالية التطبيق، ونبت الأرض وابن السماء: الحرية والفن عند علي عزت بيجوفيتش. وفي الطريق كتب أخرى.

ربيع: سأحرص على اقتنائها بإذن الله.. هل تسمح لي بنشر هذا الحوار الماتع ليستفيد منه القرّاء.. أم أحتفظ به لنفسي ولك خالص الشكر..

د. الأحمري: نعم بإمكانك نشره مع إشارة أنها كانت في الأصل محادثة خاصة..

ربيع: سأفعل.. لا عدمناك..

جزاكم الله خيرا ونفع بكم على هذه الإضاءات.. فقد عرفتك من جديد فاعذر جهلي الأكيد.. تحياتي وخالص الودّ.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حديث الصورة

صورة.. معنى المواجهة بالصدور العارية تجده في غزة

كاريكاتير

إدمان فيسبوك