حوار.. مولود السريري: لاحرج في إعادة النظر في التراث ولكن بالأصول الفقهية والعقدية



عدد القراءات 1889

مولود السريري: لاحرج في إعادة النظر في التراث ولكن بالأصول الفقهية والعقدية (حوار)

حاوره: مصطفى الحسناوي

ظهرت في الآونة الأخيرة موضة قديمة جديدة هي إعادة النظر في التراث وغربلة التراث إلى غير ذلك. ما المقصود بغربلة التراث؟ وما هي في نظركم أهم المدارس التي تعكس هذه النزعة؟

أولا لا شك أن التجديد في المعرفة الدينية أمر مطلوب، وهذا منصوص عليه في الحديث الشريف الذي ورد فيه تجديد الدين على رأس كل مائة سنة، وهذا من خصائص هذا الدين، لكن المقصود بتجديد الدين هو الإحياء والبعث فقط، الإحياء لما اندثر والبعث لما أخفي واستتر، وما شابه ذلك من الأمور التي تؤدي إلى ما يوجب هذا الإحياء وهذا البعث.

أما ما يقصد الآن في هذا العصر بغربلة التراث أو تنقية التراث أو ما شابه ذلك من الألفاظ، فإن هذا المراد به هو إحداث القطيعة المنهجية أو القطيعة المعرفية، بين الطريقة التي عليها سلف هذه الأمة من علماء ونظار وفقهاء، وبين هذا الذي يطلب هؤلاء أن يوصل إليه، وهذه القطيعة المنهجية والمعرفية على كل حال هي منقولة على النظر الأوروبي، كما ورد ذلك على لسان باشلار و ميشيل فوكو ومن على شاكلتهما ممن يدعون إلى مثل هذا الأمر في الشأن الثقافي وهذا معروف.

ثم التقفه بعض ما يسمى بالمثقفين العرب، وأرادوا أن ينزلوه على الدين الإسلامي مع أنه من المعروف أن الدين الإسلامي من الصعب جدا أن تنزل عليه منهجا ليس مأخوذا منه، هذا ركن أصيل في هذا الباب، وهذا معلوم بأنه يصدم الركن الأعظم في الثقافة الإسلامية.

فمنهج “القطيعة المعرفية والمنهجية” وما شابه ذلك، هذا كله يصدم بنية المعرفة الدينية التي أساسها الأعظم هو الإسناد إلى الشرع، الذي يتوقف عليه تحصيل الشرعية الدينية، وهي شرط  في كل ما ينسب إلى دين الإسلام، والشرعية الدينية لم يكن أحد يحتكرها أو يدعيها، وإنما كانت دائما مسندة إلى النص الشرعي، الذي هو القرآن والسنة الصحيحة، فإلى هذين النصين ينتهي أمر الشرعية على الدوام، وإليهما الاحتكام على مر الأعصار والأزمان، وهذه حقيقة.

وليس هذا المنهج الآن -الغربي- الذي قصد به القطيعة المنهجية والمعرفية، أن المسلمين لا يرون أنه يصدم أصولهم وقواعدهم الدينية فقط، بل ينظرون إليه بأنه يصدم الشرعية العقلية، إذ هؤلاء الذين أتوا بهذه المناهج الغربية الآن وساقوها، يحكمون  أمزجتهم النفسية وأهوائهم فقط، ويريدون أن يصوغوا الدين على وفقها، وبهذا فإن هذا مستهجن جدا لأن مزاج غيرهم وهوى غيرهم يناقد هذا الذين يدعون إليه ويحبونه ويحكموا بهذا المزاج الآخر بأن هذا التصرف باطل.

وبذلك يلتقي هنا دائما مزاج مع مزاج، وهوى مع هوى، فيحصل هذا التصادم وكل يريد أن يحكم هذا الذي يراه، ولكن الحقيقة أن دين الإسلام حقيقة مطلقة موضوعية، سندها إلى النص الديني المنزل “الذي هو الوحي والنص الذي استنبط منه بطرق برهانية صحيحة”، ولا يمكن لأحد أن يستعلي على هذا الأمر على الإطلاق.

أما هذه المدارس التي تسمى في الحقيقة ببعض النحل النظرية، فإنها على أصناف وبينها اختلاف، ليس في القصد وإنما في التكوين والمعرفة، إذ من هؤلاء من مشربه غربي صرف، درس في الغرب وصيغ في الغرب وصنع هناك، وحمل هذه المناهج الغربية التي سلطت على التوراة والإنجيل، فأراد أن ينزلها على القرءان الكريم، وهؤلاء في الحقيقة مصيبة عظمى أنهم لا يعرفون موضوع هذا التنزيل لهذه المناهج، وليس لهم في علم الشرع شيء، لا قليل ولا كثير، ولذلك يخبطون ويتحدثون عن شيء ناء عن مداركهم بعيد عن عقولهم، ومعلوم بطبيعة العوائد أن الشيء الذي هو ناء عن فهمك لا يمكن لك الحكم عليه، وبذلك فإن هذه الطائفة الآن ضربت بكل ما عندها تقريبا، وقذفت بكل ما تملك، ولم يبقى عندها شيء، ويمثلها كثير من كتاب ما يسمى بالحداثيين والعلمانيين وربما أطلق عليهم ما يسمى بالتنويريين، كانت هذه اللفظة في الحقيقة فيها نوع من التمويه ونوع من صناعة الوهم واللعب بالعقول.

الصنف الثاني هو الصنف الذي مزج بين المشرب الغربي وشيء من المعرفة الدينية، وهؤلاء لو أنهم استفادوا من هذه المعارف الغربية في ما يجوز أن يستفاد منه في بناء المعرفة الدينية لكان هذا مطلوبا ومحمودا ولا شك في صوابه، لكن المشكل أنهم أرادوا أن يقاوموا معرفة مبنية على الوحي بأمور بشرية مضطربة لا قرار لها، بشهادة أهلها، لأنهم انتهوا إلى ما يسمى عندهم بالسيرورة المعرفية ليس لها مرجعية قارة وأنها تكون على الدوام سيالة دائمة التغير، هؤلاء أرادوا أن ينزلوا هذه المناهج التي بهذه الطبيعة على الشريعة وعلى الدين وهذا في الحقيقة أدى أيضا إلى نبذ هذا الذي أتوا به واستخف به لأنه فيه نوع من الانبهار بكلام بشري ضعيف في بنائه غير مأمون في نتائجه.

الصنف الثالث هو من لصق بهؤلاء القوم وصار مثل الزعنفة، اللاصقة في السمك يحركها، فهو ليس من أهل النظر في ورد ولا خبر، يدعي بأنه قد أخذ بما يسمى بالعلوم الإنسانية الغربية وأنه أراد أن يستفيد منها في الشأن الديني، ولم يعلم هذا بأن دائما الأداتي مصوغ على وفق الرؤيوي، أن الفيزياء والكيمياء وعلم النفس وعلم الاجتماع إذا صيغ فإنه يصاغ على معتقد صاحبه، وهذا معروف، الدراسات كلها تدل على هذه الحقيقة، ليس في مقولة أهل الدين بالمناسبة وإنما هذا أمر توصل إليه كل من نظر في هذه المسألة بموضوعية.

وهؤلاء الآن يخوضون في شأن الميراث والحجاب وما شابه ذلك طمعا في بعض فضالة أرباب هذه المقالات الغربية وتزلفا لبعض من يرى ثقل هذا الدين على كاهله وأراد أن يتخلص من الشعائر التي تجمع الطاقة الروحية التي بها حلاوة الإيمان، هذا باختصار كبير هو حال هذه الطوائف وما يدعون إليه، وحال نظر المسلمين إليه في واقع الأمر.

بغض النظر عن أهداف أصحاب هذه النزعات، ألا ترون أن بعض الدعاوى أو أن بعض دعاواهم صحيحة، وأن جزء من هذا التراث مسؤول عن مشاكل جمة في واقعنا؟

هو في حقيقة الأمر، أن الأمور إذا أقيمت على الحجة والبرهان فإنها تكون مقبولة عند المسلم وجوبا، وهذا من دين الإسلام، إذا وجد فعلا ما ثبت من ثمرات الأنظار للمتقدمين وغيرهم، أنه فعلا قد وقع إخلال بما يجب أن يعتبر في الأمر الديني، فهذا يجب أن ينظر فيه وأن ينقى وأن يزال، لكن المسألة يجب أن تكون مقامة على البينات والبراهين والحجج ولا مانع من ذلك.

فالمسلمون من أصولهم التي لا ينفكون يرددونها في كتبهم أن كل ما خالف العقل يجب أن يرد، واشتهر من هذا ما هو معروف في المجالس وهو قول ابن الجوزي: “إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع”. وهذا أيضا صرح به ابن حجر كذلك وذكره ابن الصلاح في كتبه، ونظمه السيوطي فقال “قد بين المعقول والمنقول وخالفه أو نقض الأصول” فجعل هذا مما يرد به الأحاديث نفسها فكيف بقول إنسان مجتهد أو فقيه ناظر.

هذا ليس فيه إشكال، لكن يجب أن نحدد ما معنى أنه خالف العقل وما معنى أنه خالف المعقول، ومن هو هذا العقل الذي يكون محكما في هذا الأمر، وما هي ضوابط كون هذا مخالفا أو موافقا.

فالمسألة على كل حال يجب أن تكون علمية، وإذا انصرف الأمر إلى هذه الدرجة ووصلنا إلى هذه الغاية فإنه يجب علينا حينئذ أن نمكن أصولنا التي تقدم ذكرها وهذا لا نزاع فيه.

ختاما، وفي نظركم هل يمكن أن يكون الحل من قبيل أن نتصدى لهذا الأمر، أي “غربلة التراث”، المتخصصون فيه وفق قواعد ومناهج سليمة. ألا يوجد أي حرج في هذا الأمر؟

لا يوجد أي حرج في النظر في الإنتاج البشري كيفما كان نوعه على وفق قواعد علمية دينية صحيحة، وليس في ذلك شيء، بل هذا واجب إذا ثبت بالدليل والبرهان أن هذه الأشياء فيها خلل وفساد أو زغل أو ما شابه ذلك فلا بد من الرجوع إليه، ولكن دائما بمرجعيتنا الدينية الإسلامية وأصولنا الفقهية والعقدية المركبة، فهذه إن وجدت فلا بأس بمناقشة هذه المواضيع ولا بأس بدراستها ولكن ليس بمعنى التعالي والاستعلاء، وأن نظر المتقدمين قد قصر عن الإسلام، وأن هذه الألفاظ لم يفهموها فهذا نوع من الهدم.

المطلوب هو أنهم إذا خلوا بمناط الحكم في موقع أو كانت لديهم معرفة قاصرة في شيء تبين فيما بعد بأنهم لم يكونوا فيها على الدراية الكافية فهذا لا نزاع في أنه يراجع، وقد روجعت كل هذه الكتب التي تجدها في هذا الخلاف وفيها هذا النوع من الرد والرد والمناقشة المستفيدة وكثرة الأقوال إلا من هذا القبيل، فلا حرج في ذلك ولا شك، ولا هذا شيء مما يحذر بل هذا مطلوب، ولكن من الناس الذين لديهم اطلاع على المعرفة الدينية، وليس الذين لديهم إلا جملة أو جملتين ثم يدّعون أن هذه هي المعرفة الدينية.

فالمعرفة الدينية تستوجب أن يكون الإنسان ذا مادة وآلة، المادة الإسلامية الكافية في الموضوع، والآلة العلمية التي تستعمل في هذا الشأن، هذا هو المطلوب، وهذا موضوعي حتى ولو درسنا دين البوذية والهندوسية، فإنه سنكون ملزمين بأن نحترمه وأن نخوض فيه بأدواته، وهذا معروف بأن العوائد والوقائع تقتضيه، وهذا من المعقول ولا نقاش فيه.

 

1 تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق