د. محمد ويلالي يكتب: مقاربة الاستقلال الشامل



عدد القراءات 1787

العنف المدرسي.. محاولة في التوصيف والعلاج

هوية بريس – د. محمد ويلالي

لا شك أن السعي إلى الاستقلال الشامل، أمر مركوز في طباع المسلمين، الذين لا يرضون الدنية في دينهم، ما دام معهم كتاب الله يهديهم إلى الطريق الأمثل، ومعهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدلهم على السبيل الأفضل، وهما الأصلان اللذان بهما استحقت أمتنا الخيرية على سائر الأمم، كما قال – تعالى-: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ). وإنما قال: (أُخْرِجَتْ) ولم يقل: (خَرجت)، لأن الله -تعالى- أرادها أمة رائدة للأمم، قائدة للشعوب، تأمرهم بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر، توجيها لهم وإرشادا، لما معها من الحق، يرفده كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولترتقي – بذلك -، إلى درجة الشهود على الناس في الدنيا والآخرة.

فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى. ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ. فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلاً وَأَقَلَّ عَطَاءً؟ قَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لاَ. قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ” البخاري.

هذا هو الأصل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أن لا ترضى بغير المقدمة، في العقيدة، وفي العبادة، وفي الأخلاق، وفي المعاملات، وفي الاقتصاد، وفي السياسة، وفي التكنولوجيا، وفي الحضارة كلها.. ومتى ما تأخرت عن هذه المرتبة، علمت أن الخلل في ترك التدين القويم، والانحراف عن المنهج المستقيم. قال الإمام الغزالي -رحمه الله-: “لو كان عند غير المسلمين علم أو اختراع ليس عند المسلمين أحسنُ منه وأفضل، فإن المسلمين آثمون محاسبون على تقصيرهم”.

ولم يرض ربنا – عز وجل  – لعباده المؤمنين التبعية لغيرهم، لأنه دليل ضعف واستخذاء، بل حثهم على الاستقلال في كل شؤونهم، ويسر لهم كل السبل الكفيلة بتحقيق تقدمهم.  قال -تعالى-: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ). وقال -تعالى-: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ). وأمرهم بالتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وأن يجيلوا عقولهم في بديع صنع الله، ليكون لهم نبراسا للعلم، ودليلا للاختراع، فقال -تعالى-: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ). وبعث الله -تعالى- نبيه بالحكمة، أي بالعلم، فقال -تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). وأعلى من شأن العلماء فقال: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ). فلم يكن غريبا أن تدور كلمة (علم) بمشتقاتها في كتاب الله أكثر من ثمانمائة مرة، غير أنها كلها محفوفة بتقوى الله، والسير على هديه.

ولقد علم الله أن تخلف المسلمين عن هذا الهدي سبيل للتراجع والنكوص، فتوالت التحذيرات من الارتماء بين أحضان أعداء الدين، إذ ذاك هو عين التخلف عن مشهد الحياة الدنيا، والسقوط في مشهد الحياة الآخرة. قال -تعالى-: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً). وقال -تعالى-: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ). وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسوء عاقبة هذه التبعية فقال: “لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لاَتَّبَعْتُمُوهُمْ”. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: “فَمَنْ؟” متفق عليه. بل أمعن صلى الله عليه وسلم في هذا التحذير، حتى نهانا عن تقليدهم في أيسر الأمور، ولو كانت من العبادة، فقال صلى الله عليه وسلم: “لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ“. قال عائشة -رضي الله عنها-: “يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا” متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: “خالِفوا اليهودَ والنَّصارى، فإنَّهم لا يُصَلُّون في خِفافِهم ولا في نِعالِهم” صحيح ابن حبان.

ولكننا خالفنا أوامر الله ورسوله، فوقعنا في هذه التبعية المزرية، التي أورثتنا ذل الانبهار بالآخر، حتى صار منا من جعل الغرب قبلته، وانتهازَ ما عنده من علم وتقدم وِجهته، لما جفت بلاد المسلمين من الابتكار، وعييت عقولهم عن الاختراع.

تقول إحدى الدراسات الحديثة(1): إن نسبة العلماء والعاملين في البحث والتطوير في الدول النامية الإسلامية لا يزيد عن 12.8% من إجمالي العاملين، في حين أن هذه النسبة في الدول المتقدمة قد بلغت 87.2%. وإن حصة الدول النامية الإسلامية من إجمالي المنفَق على البحث والتطوير العالمي لا تزيد عن 2.9%، أما الدول المتقدمة فتنفق أكثر من 97% من مجموع الإنفاق العالمي. وفي الوقت الذي تنتج فيه الدول المتقدمة قرابة 95% من التكنولوجيا في العالم،  نجد الدول النامية تنتج 5% فقط من هذه التكنولوجيا. أما براءات الاختراع، فقد بلغت نسبتها في الدول المتقدمة 93.3% من مجموع البراءات على مستوى العالم، في حين كانت حصة الدول النامية 6.4%، 85% منها تَصدر لصالح أشخاص تابعين للدول الصناعية الكبرى.

إن مما يدعو إلى العجب، أن نجد البلاد العربية قد حباها الله -تعالى- بأراض واسعة، وخيرات كثيرة، وكنوز باطنية وفيرة، حتى كان نصيبها من احتياطي النفط العالمي يزيد على 55%. ومن بين الدول الـ10 صاحبة أكبر احتياطي، هناك خمس دول عربية تمتلك ما مجموعه 713 مليار برميل نفط. وتملك 27.5% من الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي. وتمثل مساحتها 10% من مساحة العالم، ويسكنها 5% من سكانه، ومع ذلك لا تزيد استثماراتها الزراعية عن 1% بالمقارنة مع الاستثمارات العالمية، بل وجدناها تستورد 45% من الحبوب، و67% من السكر، و51% من الزيوت، و30% من الألبان، ولتبلغ قيمة الغذاء المستورد 13 مليار دولار، في الوقت الذي يعتبر فيه بلد عربي واحد كنزا مفقودا؛ فإذا كان العرب مجتمعين لا تزيد  مساحتهم المزروعة عن 65 مليون هكتار، فإن المساحة القابلة للزراعة في هذا البلد وحده، تبلغ 84 مليون هكتار.

لقد منعتنا اختلافاتنا أن نطور ذواتنا، وصدنا تنافسنا عن أن نتجاوز تأخرنا، وحجزنا تسابقنا نحو التسلح والخوف من بعضنا عن تحقيق رخاء عيشنا، وازدهار اقتصادنا، وتحقيق اكتفائنا. فصرنا – في الغالب – نأكل غير ما نزرع، ونلبس غير ما نصنع، ونتفاخر بما ليس لنا، ونتجمل بما تفضل به علينا غيرنا.. إلا ما رحم الله منا، مما يستوجب مراجعة صارمة، تعيد للمسلمين هيبتهم، وتحقق استقلالهم. ولن يكون ذلك إلا برجوع واع إلى مصادر ديننا، وأصول حضارتنا.

وما فتئ الزمان يدور حتى***مضى بالمجد قوم آخرون

وأصبح لا يرى في الركب***وقـد عاشوا أئمته سنينا

وآلمـني وآلـم كل حــر***سؤال الدهر: أين المسلمونا؟

———————————————-

1-  يرجع إلى كتاب: “الهيمنة الاقتصادية كأحد معوقات العمل الاسلامي” للدكتورة: منى محمد الحسيني عمار.

1 تعليق

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق