عقيدة المرتضى الزبيدي مستلة من كتابه “إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين”



عدد القراءات 436

طارق الحمودي – هوية بريس

مما تميز به كتاب “إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين” للمرتضى الزبيدي صاحب تاج العروس أنه احتوى على مباحث علمية وقطعا أثرية مبثوثة في ثناياه بين المسائل والأبواب والفصول.

وكنت رأيت بعضهم استخرج مبحثا لطيفا له عن حكم قراءة البسملة قبل الفاتحة في الصلاة، فأثار ذلك انتباهي، فصرت أبحث عن مثلها، فوقفت على لطيفة منها، وهي عقيدة مختصرة ختم بها الزبيدي باب العقائد من شرحه على الإحياء، قصد بها الختم والاقتداء بالأوائل في تصنيف العقائد المختصرة فإنه جعلها خاتمة الفصول فقال ‹‹خاتمة الفصول ذكرت فيها عقيدة مختصرة لي أحببت إدراجها هنا اقتداء بالأئمة الأعلام وإشارة برزت لي بإلهام في المنام أسأل الله تعالى أن يتقبلها من بمنة ويحلني بها في أعلى الفردوس مع أمنه وهي هذه››.

ثم ذكرها، وهي على طريقة المتكلمين، لكنه هذبها وقيدها بسياج حديث جبريل، وصرح بأن القصد عنده التنبيه على أسلم عقيدة، وهي عقيدة الفطرة عند العجائز، ولذلك أتى بها مصفاة عن شوائب التكلف الذي شانت كثيرا من كتب العقائد على طريقة المتكلمين، وإن لم يسلم تأليفه من شيء من ذلك، فقد كانت العقيدة في الجملة صالحة ونافعة، وأحسن ما فيها توسله بحديث جبريل، ونأيه عن مقدمات العقائد الكلامية في الطبيعيات، وجعله أول التكليف الإيمان والتصديق المجمل وبعده المفصل، لا الاستدلال المنطقي على طريقة بعض المتكلمين، وقد أصاب المنهج ووفق لخير مهيع.

العلامة المرتضى الزبيدي

هو محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزبيدي، أبو الفيض، الملقب بمرتضى: علامة باللغة والحديث والرجال والأنساب، من كبار المصنفين، أصله من واسط في العراق، ومولده بالهند في بلجرام، ومنشأه في زبيد باليمن، رحل إلى الحجاز، وأقام بمصر، فاشتهر فضله وانهالت عليه الهدايا والتحف، وكاتبه ملوك الحجاز والهند واليمن والشام والعراق والمغرب الأقصى والترك والسودان والجزائر، وزاد اعتقاد الناس فيه حتى كان في أهل المغرب كثيرون يزعمون أن من حج ولم يزر الزبيدي ويصله بشيء لم يكن حجه كاملا! وتوفى بالطاعون في مصر سنة 1205هـ.

من كتبه “تاج العروس في شرح القاموس” و”إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين “الذي استللت منه هذه العقيدة، و”أسانيد الكتب الستة” و”عقود الجواهر المنيفة في أدلة مذهب الإمام أبى حنيفة” و”كشف اللثام عن آداب الايمان والاسلام” وغيرها.

 نص العقيدة المختصرة

‹‹بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الصادق الوعد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الأكرمين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فهذه جملة عقائد الدين، وأركان عموده المتين، ومدارها على ثلاثة، الإيمان والإسلام والإحسان، لحديث جبريل عليه السلام المخرج في الصحيحين، فأول ما يجب على المكلف الإيمان، وهو التصديق الباطني بكل ما جاء به النبي مما علم بالضرورة إجمالا في الإجمالي وتفصيلا في التفصيلي، والإجمالي لابد منه لصحة الإيمان ابتداء كأن يقول: آمنت بالله كما هو بأسمائه وصفاته، والتفصيلي يشترط فيه الدوام، والأعمال مكملات، والمؤمَن به خمسة في الحديث المذكور، الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وزيد في بعض الروايات “والقدر خيره وشره”.

فالإيمان الواجب أولا على كل عبد لله هو التصديق بالله تعالى بأنه واحد أحد، لا شريك له، موجود، ليس كمثله شيء، ولا يشبهه شيء، منفرد بالقدم بصفاته الذاتية والفعلية، فصفة فعله التكوين، وصفات ذاته حياته وعلمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه، حي عليم قدير، والكلام له باق، سميع بصير، ما أراد جرى، أحدث العالم باختياره، منزه عن الحد والضد والصورة، لا يكون إلا ما يشاء، لا يحتاج إلى شيء وهو حليم عفو غفور، والإيمان بالملائكة بأنهم أمناؤه على وحيه، وبالكتب المنزلة بحقيقة ما فيها، وبالرسل بأنهم أفضل عباد الله، وباليوم الآخر بشرائطه وتوابعه، وأوله حين قيام الموتى، وما بين ذلك إلى وقت الموت فهو البرزخ، والإيمان بالقدر بأن كل ما كان ويكون فبقدرة من يقول للشيء كن فيكون.

وأما الإسلام فهو التسليم الظاهر لما جاء من عند الله على لسان حبيبه صلى الله عليه وسلم، وهو الشهادتان للقادر عليهما، وإقام الصلاة بشروطها وأركانها، وابتداء الزكاة بشروطها وأركانها، وصوم رمضان بشروطه وأركانه، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا بشروطه وأركانه.

وأما الإحسان فأن تعبد الله كأنك تراه بغاية المراقبة ونهاية الإخلاص، والتمسك بالتقوى، فإنه السبب الأقوى، فالإيمان مبدأ، والإسلام وسط، والإحسان كمال، والدين الخالص عبارة عن هذه الثلاثة، هنيئا لمن صح إسلامه، ونال من الدين أدنى نصيب، أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام وحج وزار الحبيب.

فهذا جملة ما يجب اعتقاده في أصول الدين، وما عدا ذلك خوض فيما لا يليق، والبحر عميق، والسفر طويل، والزاد قليل، فعليكم إخواني بدين الأعراب والعجائز، هدانا الله وإياكم إلى الطريق الأقوم، والإثابة بأسنى الجوائز.

هذا وقد جف عرق جياد الأفهام، وقطعت صحاري الطروس مطايا الأقلام، واستراح العقل عن نكر الاستنهاض، واعشوشب روض الآمال وارتاض، بعد صلاة الظهر من يوم الأربعاء لخمس بقين منشهر رجب سنة 1197 بمنزلي بسويقة “لالا”›› انتهت.

لا يوجد تعليقات

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق