هل يوجد في القرآن إرث بالتعصيب؟

19 يوليو 2018 21:53
هل يوجد في القرآن إرث بالتعصيب؟

هوية بريس – د. عبد الحميد بنعلي

الحمد لله الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

بداية يجب أن نعلم أن إرث الوارث يكون على أحد ثلاثة أوجه: إما بالفرض وحده، وإما بالتعصيب وحده، وإما بالفرض والتعصيب.

والإرث بالفرض يعني إرثاً بنصيب محدد معلوم بالنقل، والفروض المقدرة في كتاب الله تعالى ستة، وهي النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس، وهذه هي الفروض المجمع عليها أيضا بين عامة المسلمين، وثمة فرض زائد بالاجتهاد وهو ثلث ما بقي، ويكون للأم في مسألة زوج أو زوجة مع أم وأب، وللجد في اجتماعه مع الإخوة إذا كان ثلث ما بقي عن ذوي السهام أحظى له.

وأما الإرث بالتعصيب فإنه يعني إرثاً بلا تقدير، وشأن العاصب أن يحوز المال كله إن لم يكن ثمة صاحب فرض، ويأخذ الباقي بعد أصحاب الفروض إن وجدوا، فإن لم يبق شيء لم يكن له شيء.

إذا علم هذا، فإن القرآن الكريم دل على الإرث بالتعصيب كما دل على الإرث بالفرض والتقدير، وكانت دلالته على التعصيب بالنص والدلالة، أما النص ففي ثلاث آيات جليلات:

الآية الأولى: قول الله تعالى: {يوصيكم الله في أولاكم للذكر مثل حظ الأنثيين}،[النساء:11]، أفادت الآية الكريمة أن الأولاد يحوزون المال كله وأنهم يقتسمونه بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا توريث بالتعصيب بإجماع المسلمين، لأن الأولاد (الذكور والإناث) حازوا المال كله، ولا يوجد في الفروض المقدرة حوز المال كله، إنما هذا شأن العصبة، وهم هاهنا عصبة بالغير.

الآية الثانية: قول الله تعالى: {فإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء:176]، وهذه الآية مثل الأولى غير أنها في الإخوة وتلك في الأولاد.

الآية الثالثة: قول الله تعالى في الأخ الذي توفيت أخته: {وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} [النساء:176]، والمعنى أن الأخت إذا لم يكن لها وارث إلا أخوها فإنه يحوز مالها كله، وهذا ليس فرضاً، بل هو تعصيب قطعاً ويقينا؛ لأنه كما قلنا لا يوجد في جميع الفروض الستة فرض المال كله، إنما أقصاه الثلثان، أما حوز المال كله فشأن التعصيب.

وأما الدلالة على التعصيب بفحوى الكلام وسياقه، فوقع منها ذلك في خمس آيات: وهي:

1- قوله تعالى: {ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد} [النساء:12]، أي أن الزوجة ترث ربع التركة، سواء كانت وحدها أو معها ضراتها، ودلت الآية بفحواها على أن الباقي لأقرب عاصب، ونحن نسائل المنكرين للتعصيب في القرآن ونقول لهم: لمن يكون الباقي إن لم يكن للعاصب ؟!

2- قول الله تعالى: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء:11]، نصت الآية على أن من ترك والديه ولا ولد له فلأمه الثلث، وسكتت عن نصيب الأب، فعلم أنه يحوز الباقي كله، وهذا شأن العصبة، ولم يقل أحد إن من فروض الأب أن يرث الثلثين!!

3- قول الله تعالى: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} [النساء:176]، يعني أنه لو مات شخص ولا وارث له بالفرض إلا أخته، فإنها ترث نصف ماله، وسكت عن مصير النصف الباقي فعلم أنه لأقرب عاصب، وإعطاء المال كله للأخت مراغمة بينة للقرآن، ومخالفة صريحة لوصية الله في قسمة الميراث.

4- قول الله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} [النساء:11] نصت الآية الكريمة على أن البنات أو الأخوات إذا تعددن فلهن الثلثان، وسكتت عن الباقي فعلم أنه للعاصب، إذ رده عليهن مخالفة صريحة لنص الآية.

5- {وإن كانت واحدة فلها النصف} [النساء:11]، يعني أن الميت إن كان يرثه من الناس البنات أو الأخوات واحدة منهن فقط فلها نصف ماله، وسكتت عن مصير النصف الباقي، فعلم أنه للعاصب أيضا إن وجد وإلا فبيت المال.

قلت: ومع اتضاح هذه الآدلة من القرآن بجلاء ووضوح لا خفاء فيه ما يفتأ يردد بعض الناقمين على الشرع دعوى أن القرآن خلو من الإرث بالتعصيب، وأن ذلك من شرعة الفقهاء واجتهاداتهم ولا أصل له في الشرع، ولا يخفى على ما في هذا الكلام من جهل على من له أدنى إلمام بالفقه الإسلامي، فإن التعصيب ثابت بالقرآن وبصحيح السنة، وبإجماع جميع مذاهب وطوائف المسلمين، وبالتواتر العملي الذي نقله جيلا بعد جيل، ولكن الجهل لا حدود له، والله المستعان على ما يصفون.

آخر اﻷخبار

التعليق

حديث الصورة

كاريكاتير