العصفور الناصح.. والشيخ الناطح

20 فبراير 2024 17:52
إلى كرة القدم.. عباد الله

هوية بريس – د. وديع بن عمر غوجان

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده اما بعد

فقد أثير في الآونة الأخيرة كلام حول الشيخ مولود السريري هدانا الله وإياه إلى الصراط المستقيم فبدا لي الاكتفاء بما ذكر من لدن كثير من المشايخ الكرام معلقا بقولي: إن الإشكالية فيما يظهر لي ليست حكرا ولا حصرا على الشيخ السريري، فالمنتسبون إلى المجال الدعوي الإصلاحي نظرا لتوالي أزمات على الحركات الإسلامية أدت إلى الانبهار أحيانا و الانصهار من جهة وفي المقابل إلى الاحتقار والإقبار،

فيشق أن نستغني عن رموز في بلدنا لأن لهم تأثيرا من خلال الرد على بعض الجبهات مثل العلمانيين ، فينبهر الكثير منا من جرأتهم لندرة المواقف في هذا الباب من المنتسبين إلى المؤسسة الدينية الرسمية فيؤدي ذلك إلى الانبهار بهذا الموقف في هذا الباب ، لكن للأسف قد يؤدي إلى الانصهار وتعميم التزكيات والإشادات به فيظن المتلقي أنه صحيح المذهب سليم الاعتقاد، إن لم نبالغ باعتقاد العصمة وإن لم نصرح بها ، ولعل هذا من أسباب المعاناة الطويلة من مذهب كوفيي زماننا الذين يمارسون مذهب الوصاية الفرعونية ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.

ولعل دقة المحدثين عامة وأهل الورع من علماء الجرح والتعديل أدق وأبعد نظرا وأصح منهجا فنجد من جرح الواقدي لم يغفل جانب الضبط عنده فقالوا عالم بالسير والأخبار ومن زكى الأعمش قال ضعيف في القراءات ومن وثق عاصما في القراءات قال ضعيف في الحديث ومن استحسن مذهب أبي حنيفة ضعف ضبطه للحديث وليقس ما لم يقل على ما قيل والله أعلم وأعز وأحكم.

هذا وإننا نأسف وربما نستشيط غضبا عند انشغال كثير ممن نصبوا أنفسهم لتوجيه الناس إلى أمور دينية، الناس بأمس الحاجة إليها، لكن الحكمة تقتضي توجيه الناس إلى ما هو أولى منها، تربية للنشء على قاعدة دفع المفاسد أولى من جلب المصالح، وربما غفل الموجه فيوجه الناس نحو أطلال تجلب للنشء اليأس على ما فات، ويحيد بهم عن طريق الجادة، وربما وجه توجيهات هي من قبيل طلب ما لايدرك، فينتج عن ذلك عقلية تعشعش في أذهانها تصديق بما لايكون..وكأنني بالحركات الإسلامية على صدق جل روادها ودعاتها وهذا الظن بهم يشبه حال كثير من منتسبيها حال رجل صاد عصفورا، فلما صار العصفور في يده قال له العصفور: ما تريد مني؟ قال أريد أن أذبحك فآكلك، فقال له العصفور والله ما في ما يشبعك ولكن هل لك في خصلة، أعلمك ثلاث كلمات تنتفع بهن خير لك من أكلي، وتخلي سبيلي، قال له الرجل: نعم، فقال العصفور: لا تأس على ما فاتك، ولا تطلب ما لا تدرك، ولا تصدق بما لايكون، فقال: إن هؤلاء الثلاث كلمات أحب إلي من أكلك وذبحك، فخلى عنه وسرحه، فطار العصفور، فوقع على حائط بحذاه فقال له: أيها الرجل لو أتممت ما أردت من ذبحي لاستخرجت من حوصلتي درة بيضاء كبيضة الإوزة، فأضمر الرجل في نفسه ندامة فقال له: أيها العصفور ارجع إلي حتى أطعمك السمسم المقشور وأسقيك الماء البارد، فقال له العصفور: أيها الجاهل! لا أنت ذبحتني فأكلتني، ولا أنت انتفعت بالكلمات التي علمتك، أليس قلت لك لا تطلب ما لا تدرك، وأنت تطلبني، ولا تأس على ما فاتك وأنت ندمت على فوتي، ولا تصدق بما لا يكون وقد صدقتني أن في حوصلتي درة كبيضة الإوزة وأنا كلي دون بيضة الإوزة، ثم طار وتركه.

تأمل أيها الداعي إلى الله ما أنت فيه من الخيرات فاسلك خير الخيرين، ولا تحمل الناس على القنوط في وقت تنشرح صدور أعدائك برؤيتك مهموم القلب مشغول البال سيء الحال مذبذبا لم تهتد لطريق تسلكه، بله أن تنصب نفسك رأسا، والذيل أبعد من محل العطب لو عقلت.

أيها الداعي! لا تطلب ما لا تدركه، لكن هيء جيلا يلزم الجادة فليست العبرة بالنتيجة لكن العبرة بالنجاة ولزوم الجادة، فسيأتي النبي وليس معه أحد.

أيها الداعي إلى الله لا تكن جعبة أخبار، ومذيع المجالس تنتهي مهمتك ثم يلقى بك في النفايات والمزابل، فمن كان ذاك شانه وديدنه صدق كل خبر وآمن بما لايكون فيتسرب اليأس إلى قلبه فلا الإسلام نصر ولاالأعداء كسر، فهل انت بقصة الرجل والعصفور معتبر.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M