هل الماضي يؤثر على المستقبل؟

20 فبراير 2025 19:11

هوية بريس – عبد الحق الريكي

يقول الشاعر والفيلسوف الفرنسي بول فاليري:

“Le plus lourd ma foi c’est le passé
Faut savoir des fois s’en passer
Sinon mine de rien le présent
Restera éternel prison
Ferme ta chambre noire à clé
Et donne la moi je la jetterai.”

(ما أثقل الماضي، يا إيماني،
يجب أحيانًا أن نعرف كيف نتجاوزه،
وإلا، دون أن نشعر،
سيبقى الحاضر سجنًا أبديًا.
أغلق غرفتك المظلمة بالمفتاح،
وأعطني إياها، سأرميها بعيدًا.)

هذه الأبيات تلخص إشكالية تأثير الماضي على المستقبل، فالماضي قد يكون عبئًا يمنع الإنسان من التقدم إذا لم يعرف كيف يتحرر منه. لكن في الوقت نفسه، لا يمكننا إنكار أنه يشكل جزءًا أساسيًا من هويتنا، فهل الماضي قدر محتوم يحدد مسار المستقبل، أم أنه مجرد نقطة انطلاق يمكن تجاوزها؟

ويقول الفقيه البصري، أحد أبرز رموز النضال المغربي: “ربط الحاضر بالماضي.

هذه الفكرة تعكس رؤية عميقة حول ضرورة استيعاب دروس التاريخ لفهم الواقع وصياغة المستقبل. لكن هل كل من عاش تجربة قاسية في الماضي يستخلص منها الدروس الصحيحة؟ أم أن البعض يقع في فخ إعادة إنتاج نفس الأخطاء التي عانى منها؟

الماضي: عبء أم مصدر إلهام؟

من بين القضايا التي تجعل علاقة الماضي بالمستقبل معقدة، نجد تجربة المعتقلين السياسيين في السبعينيات، الذين واجهوا القمع والتعذيب خلال سنوات الجمر والرصاص. هؤلاء المناضلون الذين دفعوا ثمن مواقفهم السياسية، خرج بعضهم لاحقًا ليطالبوا بالسماح “للجلادين” بممارسة أعمالهم (منهم من أصبحوا برلمانيين)، في تناقض صارخ مع المبادئ التي ضحوا من أجلها.

هذا المثال يكشف أن الماضي لا يؤثر على المستقبل بطريقة موحدة، بل يعتمد على الطريقة التي يتم بها تحليله واستيعابه. البعض يرى في تجاربه السابقة مصدرًا للنضال من أجل العدالة والحرية، بينما ينجرف آخرون نحو التماهي مع النظام نفسه الذي قمعهم، ربما نتيجة الخوف، أو الانتهازية، أو رغبة في الاستقرار بأي ثمن.

التاريخ السياسي المغربي: بين الاستمرارية والتحولات

كما حاول الفقيه البصري ربط محمد السادس بجده محمد الخامس، هناك من يرى أن الحكم اليوم ينبغي أن يستلهم تجربة الحسن الأول، الذي وضع أسس الدولة الحديثة، خصوصًا في ظل صعود الحسن الثالث. لكن هذا الربط بين الماضي والحاضر يجب أن يكون نقديًا وليس مجرد استعادة رمزية، حتى لا نقع في إعادة إنتاج نفس الأنماط السلطوية.

إن تجربة المعتقلين السياسيين الذين تحولوا إلى مدافعين عن الجلادين تكشف أن الوعي بالتاريخ لا يكون دائمًا واضحًا، وأن بعض الجراح القديمة يمكن أن تتحول إلى مبررات للانحراف عن المبادئ بدل أن تكون حافزًا للتغيير.

ما الذي يجب فعله؟

  1. الاستفادة من الماضي دون أن نصبح أسرى له: لا يمكن بناء المستقبل إذا كنا نحمل عقدًا قديمة تمنعنا من التفكير بحرية.
  2. تحليل التاريخ بوعي نقدي: لا يكفي أن نستحضر الماضي، بل يجب فهمه بطريقة صحيحة لاستخلاص الدروس الحقيقية منه.
  3. رفض التكرار الأعمى: سواء في السياسة أو الفكر أو العلاقات الاجتماعية، يجب أن يكون هناك وعي بأن التغيير ضروري، وألا يتم استخدام الماضي كذريعة لتبرير الأخطاء في الحاضر.

خاتمة

الماضي يؤثر على المستقبل، لكنه ليس حكمًا مطلقًا. التجربة التاريخية للمغرب، من الحسن الأول إلى الحسن الثالث، ومن محمد الخامس إلى محمد السادس، ومن “بعض” المعتقلين السياسيين في السبعينيات إلى دورهم لاحقًا، تكشف أن  تأثير الماضي يعتمد على كيفية تحليله واستثماره. هناك من يجعل منه رافعة للتحرر والتغيير، وهناك من يستسلم له ليصبح مجرد أداة في يد نفس النظام الذي حاربه. الخيار في النهاية ليس للماضي، بل لنا نحن الذين نصنع الحاضر ونحدد شكل المستقبل.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
17°
19°
الجمعة
22°
السبت
24°
أحد
19°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M