إلى أين تتجه السياسة الدينية بالمغرب؟

08 فبراير 2026 11:40

إلى أين تتجه السياسة الدينية بالمغرب؟

هوية بريس – عبد الصمد ايشن

يمثّل الدين في المغرب مكوّنا مركزيا في الهوية الوطنية وفي نسق العلاقات السياسية والاجتماعية. عبر الدستور، يُقرّ الإسلام دينا رسميا، ويُناط بالملك محمد السادس دور أمير المؤمنين المرجعية الدينية العليا، ما يضع السياسة الدينية في قلب التشابك بين الدولة والمجتمع. لكن السنوات الأخيرة أثارت تساؤلات عميقة حول اتجاه السياسة الدينية: هل تتجه نحو تحرير الخطاب الديني؟ أم نحو تثبيت النموذج التأسيسي للإمارة وتدبير مشهد الخطاب الرسمي؟ وهل هنالك إمكانات مصالحة استراتيجية مع التيارات الإسلامية؟

تاريخيا، مرّت السياسة الدينية في المغرب بمحطات أساسية: من هيمنة المؤسسة الرسمية على المشهد الديني، إلى إصلاحات ما بعد أحداث 2003 التي هدفت إلى إعادة هيكلة الحقل الديني وترسيخ نموذج تدين مغربي معتدل ومتماسك يتجنّب التطرف والعنف. فالمجالس العلمية، وتعليم الأئمة، وتنظيم المساجد كانت أدوات مركزية في هذا النهج، مع تأكيد دائم على مركزية إمارة المؤمنين في توجيه الدين وفي ضبط العلاقة بين الدين والسياسة.

اليوم، يواجه هذا النموذج تحديات جديدة كحجج من داخل المجتمع لتحديث الخطاب وتحفيز أدوار أوسع للخطباء والدعاة في معالجة قضايا راهنة؛ ونقاشات تؤكد على ضرورة إدماج الدين بشكل أكثر فاعلية في مواجهة التحولات الاجتماعية والحقوقية. في المقابل، يوجد توجه واضح لدى الدولة للحفاظ على استقرار المشهد الديني ودرء المخاطر السياسية التي يمكن أن تنشأ من ديناميات غير منضبطة.

أحد أكثر الممارسات الجدلية هو توحيد خطبة الجمعة التي بدأت الوزارة الوصية في تنفيذها كجزء من خطة تسديد التبليغ، بدعوى ترشيد الخطاب الديني وتجنّب الاختلالات التي تطرأ عليها. يرى مؤيدو هذا التوحيد أنه سيساهم في توحيد الخطاب الديني وتجنّب الارتجال غير المسؤول، بينما يجادل منتقدون بأن ذلك يُضعف استقلالية الخطيب ويقوّض دوره المباشر في معالجة مواضيع ومتطلبات الناس وفق خصوصياتهم المحلية.

هذا الجدل يعكس صراعا أعمق بين رغبتين؛ الأولى في التحرر من الخطاب الديني التقليدي، والثانية حاجة الدولة إلى تدبير ديناميات اجتماعية وعالمية معقدة. فلا عودة كاملة إلى الحرية المطلقة في الخطاب كما في بعض الدول، ولا تثبيت جامد لنفس نموذج السيطرة التقليدية.

وفي هذا الصدد برزت تصريحات وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، كمرآة لتوجه الدولة الراهن. أكد الوزير أن الوزارة لا تمنع الخطباء من مناقشة قضايا معاصرة مثل الأوضاع في فلسطين، لكنه حدّد حدودا واضحة حين قال إن دعوات الجهاد ليست من ضمن مهام الخطيب، حفاظا على الاستقرار والأمن.

في سياق آخر، أثارت تصريحات الوزير خلال محادثات مع وزير فرنسي حول أن المغاربة “علمانيون” ردود فعل شديدة في الداخل من قِبل فعاليات سياسية ودعوية، بما يعكس حساسية المجتمع تجاه مفهوم العلمانية. من جهة أخرى، يواصل الوزير تقديم سياسة إعادة تأهيل المساجد، وفق رؤية إدارية محضة.

أما في المجتمع، نجد الفعاليات المدنية والحقوقية والإعلامية والدعوية، تطالب بإعادة توزيع مساحة الخطاب الديني ليكون أكثر استجابة لقضايا وهموم المواطنين، وأقل خضوعا لخطاب موحّد يقيد الخطيب والإمام ولا يستثمر في قدراته المهارية والدعوية.

وهنا تطرح مسألة العلاقة بين الدين والسياسة في الفضاء العمومي، خاصة بعد تجربة الإسلاميين في الحكم والمعارضة على السواء. فالمغرب، عبر تاريخه الحديث، اعتمد دمج التيارات التي تقرّ بشرعية النظام السياسي داخل مؤسساته بدل القطيعة المطلقة. وبالتالي فالسياسة الدينية بالمغرب ليست في مطبات حرية مطلقة ولا في حجر مؤسسي جامد. هي في حالة تحوّل وتوازن دقيق يعكس طبيعة المجتمع المغربي كمجتمع ديناميكي ومتعدد الاتجاهات. المستقبل القريب سيشهد مزيدا من الحوار بين الدولة والمجتمع المدني الديني، ومحاولات إعادة الثقة بين المنظومة الدينية والمواطنين من خلال تنمية خطاب ديني أكثر انفتاحا، وترسيخ تنظيم ديني مؤسساتي.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
22°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد
24°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة