مفهوم الأخوّة بين حصرها في فئة وسحبها عن الآخرين

01 يونيو 2026 21:37

مفهوم الأخوّة بين حصرها في فئة وسحبها عن الآخرين

هوية بريس – د. صلاح الدين المراكشي

قد يتحوّل مفهوم الأخوّة عند بعض الناس من رابطة واسعة تجمع المسلمين والناس بمختلف دوائرهم، إلى وصف ضيق لا يُمنح إلا لمن وافقهم في الأفكار والانتماءات والمظاهر.

فيصبح لفظ “الأخ” أو “الأخت” عندهم أشبه بوسام خاص بجماعة معينة، لا وصفًا شرعيًا عامًا تثبته النصوص لمن تحقق فيه أصل الانتماء الذي يقتضيه كل نوع من أنواع الأخوّة…ومن هنا نشأت حالة من الخلل في فهم هذا المعنى، حتى صار الخلاف في بعض الاجتهادات أو المظاهر لدى بعضهم سببًا في سحب هذا الوصف عن كثير من إخوانه المسلمين، وكأن الأخوّة لا تثبت إلا لمن تطابق مع تصور مخصوص للدين أو المنهج أو الالتزام. وغالبًا ما يُبنى هذا الفهم الخاطئ على تأويلات ضيقة لبعض المفاهيم الشرعية، مثل: “الولاء والبراء” أو “الحب في الله والبغض في الله”، “والطائفة المنصورة”! و”الجماعة” مع أن هذه المعاني لا تستلزم إلغاء الروابط التي أثبتها الشرع، ولا تبرر تحويل الاختلاف إلى قطيعة دائمة أو تصنيف مستمر للناس.

وبرجوعنا إلى نصوص القرآن والسنة، نجد أن مفهوم الأخوّة أوسع وأكثر توازنًا مما يتصوره البعض؛ فهي ليست نوعًا واحدًا، بل دوائر متعددة، لكل دائرة معناها وآثارها. وتبقى الأخوّة الإيمانية من أعظم هذه الروابط وأوثقها، لأنها تقوم على أصل الإيمان بالله ورسوله، كما قال تعالى: ( إنما المؤمنون إخوة) الحجرات الاية : 10. ولقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم ” المسلم أخو المسلم… “.

فمجرد انعقاد الإسلام تثبت هذه الرابطة بين المسلمين، مهما تفاوتوا في مراتب الصلاح والاستقامة، ومهما وقع بينهم من تقصير أو اختلاف أو معصية. ولذلك؛ لم يجعل الشرع الوقوع في الذنب سببًا لزوال الأخوّة الإيمانية، بل يبقى المسلم أخًا للمسلمين وإن أخطأ أو قصّر، ما لم يخرج من أصل الدين. ولهذا كان منهج السلف — الذي يخطئ بعض الناس في فهمه في باب الأخوّة — قائمًا على التمييز بين إنكار الخطأ وبين إسقاط الشخص نفسه؛ فالمعصية تُنكر وتُبغض، لكن صاحبها لا يُخرج من دائرة الإسلام بسبب ذنب أو تقصير ما لم يصل الأمر إلى استحلالٍ يخرجه من الملة، وهو أمرٌ متعلق بالاعتقاد والقلب لا بمجرد الفعل الظاهر. وكانوا يدركون أن بقاء رابطة الأخوّة أصلٌ شرعي ثابت، وأن الرحمة بالخلق لا تتعارض مع الثبات على الحق. ومن هنا يظهر الخلل من بعضهم في حصر الأخوّة الإيمانية داخل جماعة أو تيار أو فئة بعينها حتى يصبح المخالف في بعض الاجتهادات أو المظاهر خارجًا من دائرة الشعور بالأخوّة والمودة. فهذا الفهم الضيق يفتح باب التكفير والتبديع والتفسيق والاستعلاء، ثم يتحول مع الزمن إلى خصومات وتمزق داخل المجتمعات.

كما أن الأخوّة في الإسلام لا تقف عند حدود الرابطة الإيمانية وحدها، بل تمتد إلى معنى إنساني عام يجمع البشر جميعًا، لأن أصلهم واحد، كما قال تعالى: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) النساء الاية : 1 فهذه أخوّة تقوم على وحدة الأصل الإنساني، وما يترتب عليها من معاني الرحمة والعدل وحفظ الكرامة الإنسانية.

كما أثبت الشرع أنواعًا أخرى من الأخوّة، كأخوّة النسب والدم كما في قصة يوسف مع اخوته، وأخوّة الرضاع كما في قوله تعالى ( وأخواتكم من الرضاعة ) النساء الاية : 23. وهي روابط معتبرة شرعًا، تبقى قائمة مهما وقع بين أصحابها من خلاف أو نزاع. وكذلك تثبت الأخوّة بسبب الانتماء إلى قوم أو وطن أو مجتمع، ولهذا وصف القرآن بعض الأنبياء بأنهم “إخوة” لأقوامهم رغم اختلاف العقيدة بينهم، فقال تعالى (وإلى عاد أخاهم هودًا) الأعراف الاية : 65 وقال تعالى ( وإلى ثمود أخاهم صالحًا ) هود الاية : 61. فهذه أخوّة انتماء اجتماعي وقومي، لا أخوّة دينية، والخلط بين الدوائر المختلفة للأخوّة يؤدي إلى اضطراب في الفهم وسوء في تنزيل النصوص على واقعها.

وقد يأتي لفظ الأخوّة في القرآن أيضًا بمعنى : المماثلة والمشابهة في الطبع، كما في قوله تعالى (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) الإسراء الاية : 27. فمن خلال هذا التصور المتكامل يتبين أن الشرع الحكيم لم يقصُر الأخوّة على فئة معينة، ولم يربطها بالتطابق الكامل في الرأي أو الاجتهاد أو المظهر، بل وسع دوائرها بحسب طبيعة العلاقة التي تجمع بين الناس. ومن الخطأ أن يتحول هذا المفهوم إلى أداة للإقصاء أو الاستعلاء أو الاستئثار بالحق والنجاة، لأن ذلك يناقض المقصد الذي أراده الإسلام من تأليف القلوب وجمع الناس على الرحمة والعدل. كما قد يرد لفظ “الأخوّة” في النصوص الشرعية على وجه التغليب، وهو أسلوب معروف عند الأصوليين، حيث يُذكر الوصف الغالب دون أن يكون مقصودًا به الحصر أو التقييد؛ ومن هنا قرر العلماء أن القيد الأغلبي لا مفهوم له، أي لا يُفهم منه نفي الحكم عما سواه. ومن أمثلة ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، أخرجه البخاري (13)، ومسلم (45).

فليس المقصود حصر هذا الخلق في المسلم فقط، بل هو توجيه عام في حسن التعامل، وقد نبه الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم إلى أن مثل هذا التعبير جارٍ على أسلوب التغليب. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يبع أحدكم على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه»، أخرجه البخاري (5142)، ومسلم (1412) واللَّفظُ له. فليس المراد تخصيص الحكم بالمسلم دون غيره من حيث أصل المعاملة، وإنما جرى الخطاب على الغالب في سياق المجتمع الإسلامي، دون أن يُفهم منه إباحة ذلك مع غير المسلم.

والله الموفق.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
23°
الخميس
23°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد

كاريكاتير

حديث الصورة