فيضانات الشَّمال وعدمية الشِّمال.. حين تكون الموضوعية واجبًا والعدمية خيانة..

هوية بريس – عبد المولى المروري
في خضمّ الفيضانات التي شهدتها مناطق واسعة من شمال المغرب، وما رافقها من مخاطر حقيقية هددت الأرواح والممتلكات، يفرض الضمير المهني والواجب الأخلاقي التمييز بين النقد المسؤول والعدمية التحاملية، وبين مساءلة الأداء العمومي في وقته المناسب والمعقول، وركوب المأساة لتصفية الحسابات السياسية الضيقة.
لقد أظهرت الوقائع الميدانية، بعيدًا عن المزايدات، أن تدخل الدولة المغربية كان سريعًا، منظمًا، ومتعدد المستويات. فقد نجحت الدولة في إخلاء مدن وقرى كاملة مهددة بالغمر، وفي مقدمتها مدينة القصر الكبير والقرى المجاورة لحوض اللوكوس، في عمليات اتسمت بالانضباط والتنسيق، وبمشاركة مختلف المتدخلين: السلطات المحلية، القوات العمومية، الوقاية المدنية، القوات المسلحة الملكية، المصالح الصحية، والمتطوعين من أبناء المنطقة.
والنتيجة الأهم، التي يجب أن تكون محور أي قراءة نزيهة، هي تفادي وقوع كارثة بشرية، رغم حجم التساقطات، وارتفاع منسوب المياه، وضغط الزمن، وتعقّد الوضع الهيدرولوجي. فحين يكون الخطر داهمًا، وتكون الأرواح مهددة، فإن إنقاذ الإنسان يتقدم على كل اعتبار آخر.
في المقابل، اختارت بعض الأصوات، منذ الساعات الأولى للأزمة، الانشغال حصريًا بتضخيم الهفوات، والتهوين من حجم المجهود المبذول، وكأن الدولة لم تفعل شيئًا، أو كأن آلاف العناصر التي سهرت ليلًا ونهارًا هي مجرد تفصيل عابر، بعدمية أعمت البصر والبصيرة عندما يتم التركيز على تأخر أو تعثر تخفيف الضغط على سد واد المخازن.
إن هذا الموقف لا يمكن وصفه إلا بكونه عدميًا تحامليًا، لا ينطلق من حرص على المصلحة العامة، بل من منطق الإدانة المسبقة. وهو يشبه تمامًا حالة مريض يعاني نزيفًا دمويًا حادًا: فبدل أن ينصبّ الجهد على وقف النزيف وإنقاذ حياته، ينشغل بعضهم بتوبيخه لأنه لم ينتبه في الوقت المناسب، أو لأنه أخطأ في تقدير الخطر.
هذا ليس نقدًا، بل تشويش أخلاقي، وخلطٌ خطير بين ترتيب الأولويات، خاصة عندما يتم الإدلاء بكلام شارد وشاذ وخارج ضرورة اللحظة في قنوات إعلامية خارجية تصطاد في الماء العكر.
نعم، يمكن -بل يجب- فتح نقاش هادئ ومسؤول، ولكن لاحقًا، وبعد الخروج من الأزمة والخطر، نقاش حول تدبير بعض الجوانب التقنية، مثل إدارة السدود أو آليات الاستباق، لكن لكل مقام مقال، ولكل لحظة وظيفتها. أما تحويل لحظة إنقاذ إلى لحظة محاكمة شعبوية للدولة في موضوع سد واد المخازن، فهو إساءة للضحايا، وللمتدخلين، وللعقل الجماعي.
الواجب اليوم هو توجيه تحية صادقة لكل من ساهم في حماية الأرواح:
لرجال الوقاية المدنية الذين خاطروا بحياتهم،
لأفراد القوات العمومية الذين أشرفوا على الإخلاء،
للأطر الطبية التي استقبلت الحالات المستعجلة،
وللسلطات المحلية التي تحمّلت ضغط القرار في لحظات حرجة،
وللدولة التي أجادت في تدبير الكارثة وما يحوم حولها من مخاطر مقارنة مع دول أخرى مجاورة في الشمال والشرق،
وللمواطنين والمتطوعين الذين فتحوا بيوتهم وقلوبهم للمتضررين.
هؤلاء هم الجنود المجهولون الذين لا يظهرون في عناوين الإثارة، لكن لولاهم لكانت الحصيلة مختلفة تمامًا.
وإذا كان من واجب النقد أن يتحول إلى اقتراح، فإن من أنجع المبادرات الممكنة اليوم إحداث صندوق وطني خاص لمساعدة ضحايا الفيضانات والكوارث الطبيعية، يقوم على:
مساهمة الدولة والجهات والجماعات الترابية.
فتح باب التبرعات المنظمة والشفافة للمواطنين والقطاع الخاص.
توجيه الدعم مباشرة للمتضررين (السكن، التعويضات، إعادة الإعمار، دعم الفلاحين الصغار).
اعتماد آليات واضحة للحكامة والمراقبة، لضمان الثقة والنجاعة.
بهذا فقط يتحول التضامن من شعار عاطفي إلى سياسة عمومية مسؤولة، ويصبح النقد أداة بناء لا معول هدم.
إن إنصاف الحقيقة اليوم لا يعني تبرئة مطلقة، ولا تزكية عمياء، بل يعني الاعتراف بأن ما وقع كان ظرفًا استثنائيًا، وأن تدبيره كان -في جوهره- تدبير إنقاذ لا تدبير دعاية، ويجب التأكيد على أنه كان ناجحا إلى حدود اليوم، وأتمنى أن يستمر كذلك.
أما الذين لا يرون في الكوارث إلا فرصة للتشفي والتبخيس، فهم لا يخدمون الضحايا، ولا المستقبل، بل يرسّخون ثقافة العدمية التي لا تبني دولة ولا تحمي مجتمعًا.



