هل نحن على مشارف صحوة إسلامية ثانية؟!

هل نحن على مشارف صحوة إسلامية ثانية؟!
هوية بريس – د.أحمد الشقيري الديني
الصحوة الإسلامية الأولى باعتبارها رد فعل على المد الماركسي الإلحادي
في ستينات وسبعينات القرن الماضي انتعش الفكر الماركسي في الوطن العربي بشكل كبير حتى لم تبق طبقة ولا مؤسسة تعليمية إلا اخترقها، حاملا معه التحليل المادي الإلحادي المنكر لوجود الخالق باعتباره الوجه التقدمي العلمي الذي يقدم نقيضا للتفسير الديني الذي يقوم على الغيبيات..!
كانت آنذاك الرسائل والكتب الماركسية الإلحادية تباع بأثمنة جد منخفضة في المكتبات وعلى الأرصفة وفي الأسواق، حتى غزت المجتمعات العربية فلم يبق بيت إلا اقتحمته هذه الداهية، عنوانها على كل لسان “لا إله والحياة مادة”!!
الصوت الإسلامي الوحيد الذي كان يخترق هذه الظلمات، كان رائده الشيخ كشك فارس المنابر رحمه الله، فكانت أشرطة خطبه النارية تغزو البيوت مع الظهور الأول للكاسيط وآلة التسجيل..!
سيعقب هذه المرحلة رياح الصحوة الإسلامية في الثمانينات و التسعينات من القرن الماضي، وهي الظاهرة التي اعتبرها عدد من المراقبين ردة فعل على هزيمة العرب سنة 1967 أمام إسرائيل، وبالتالي فقدان “الفكرة الإشتراكية” بريقها لأنها اندحرت في عقر دارها على يد حامل لوائها في الوطن العربي آنذاك : الرئيس المصري جمال عبد الناصر! فحل محلها “الفكرة الإسلامية” التي تأسست عليها الصحوة الإسلامية فيما بعد!!
لكن الذي نرجحه أن العودة للمرجعية الإسلامية كان وراءها عدة عوامل، منها سقوط “الفكرة الإشتراكية” مع نكبة 67؛ لكن العامل الرئيسي، في تقديرنا، راجع للاعتداء على المرجعية الإسلامية، واستهدافها عقيدة وشريعة وشعائر تعبدية، حتى كان القلة من التلاميذ والطلبة في المؤسسات، يؤدون الصلاة على خوف من الإرهاب الماركسي الإلحادي أن يفتنهم، والذي يستعمل تارة الاستهزاء، وتارة العنف ضد ما يسميه ب “الرجعية” و”الظلامية”!!
والدارس لجذور الحركة الإسلامية وعوامل بروز قادتها، لن يجد صعوبة في الكشف عن العلاقة الجدلية بين الفكرة الإسلامية التي انبعثت من ثنايا الصراع مع المادية الإلحادية باعتبارها تمثل تحديا فكريا وحركيا : فهي على المستوى الفكري، تقدم تفسيرا ماديا للتاريخ وللصراع الطبقي المحرك لتطور المجتمع؛ وعلى المستوى الحركي تقدم نموذجا نضاليا، يدافع عن العمال والطلبة والفلاحين، والطبقات الكادحة عموما وينازل الاستبداد، مقدما من أجل ذلك تضحيات كبيرة تمثلت في اعتقال وتعذيب مناضليه التقدميين..!
كان التحدي إذن أن تقدم “الفكرة الإسلامية” بديلا عن هذا المشروع الإلحادي المستفز للشعور الديني والمستقطب في نفس الآن الشباب المسلم الغاضب من الأوضاع؛ فكان هذا التحدي سببا رئيسيا في الإحياء الديني ممثلا في العودة إلى الأصلين القرآن والسنة النبوية دراسة واستنباطا للأحكام وتجديدا لمواكبة تطور المجتمع المعاصر والدولة الحديثة؛ وهنا ستبرز كتابات القرضاوي والغزالي والترابي والغنوشي وعلال الفاسي وسيد قطب، ثم فيما بعد كتابات عبد السلام ياسين ومحمد يتيم والريسوني وسعد الدين العثماني وغيرهم، باعتبارها أطروحات لترشيد الصحوة الإسلامية وإعطائها بعدا تنظيميا تشكل في نماذج جمعيات وجماعات تمارس النضال على الواجهات الثقافية والفكرية والنقابية والسياسية..!
هذه الحركة بعناوين إسلامية ستبلغ مداها مع الربيع العربي حيث برزت باعتبارها القوة المنظمة الشعبية الأولى التي حملتها رياح الربيع إلى السيادة والحكم في معظم أقطار الوطن العربي قبل أن تنقلب عليها الثورة المضادة بقيادة “الدولة العميقة” ومباركة غربية، لتجهض تجربتها التي لم تتجاوز سنة أو دورة انتخابية واحدة..!
التاريخ يعيد نفسه: صحوة إسلامية ثانية في وجه الموجة الإلحادية الثانية:
لا يخفى على أي مراقب، أننا نعيش اليوم على إيقاع موجة إلحادية تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي عناوينها: إنكار السنة النبوية؛ الطعن في عدالة الصحابة؛ تحريف معاني القرآن بدعوى التدبر والتنوير؛ تبخيس جهود الأئمة الكبار: الشافعي في أصول الفقه، والبخاري في علوم الحديث، وابن تيمية، وغيرهم..!
حركة “التنوير المعاصرة” بلغت أوج اعتداءاتها على المرجعية الدينية بإبطالها لأركان الإسلام الخمسة، وتحريفها لمعاني الصلاة والزكاة والصوم وزمن أداء فريضة الحج بما يخالف الإجماع الذي سارت عليه الأمة الإسلامية على اختلاف مذاهبها ومدارسها الفكرية وفرقها العقدية منذ 14 قرنا..!
ولن يجد المتتبع لهذه “الحركة التزويرية” المسماة “تنويرية” كذبا وزورا؛ لن يجد صعوبة في ربطها بأيادي خفية صهيو/صليبية؛ ذلك أنها تزعم أن جميع الطوائف مندرجة في مسمى الإسلامية ناجية في الآخرة، ولو كفرت بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي حركة تمهد الطريق للديانة الإبراهيمية التي يسوقون لها اليوم في الإدارة الأمريكية، والتي تسوي بين الديانات السماوية الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهودية!!
لقد شكل حدث هجوم السابع من أكتوبر وصمود الحاضنة الشعبية للمقاومة الفلسطينية في غزة لمدة ثلاث سنوات أمام دولة تملك جيشا مدربا على أعلى المستويات ويملك أحدث المعدات العسكريه ومسنودا من أقوى دولة في العالم؛ شكل هذا الحدث هاجسا من الخوف لدى الغرب المشحون ب”الإسلاموفوبيا” باعتبارها ظاهرة تشكلت في العقدين الماضيين على إثر حادث الحادي عشر من سبتمبر، فكان أن اتخذ القرار باستهداف الإسلام في أصوله، كما يشير إلى ذلك تقرير راند للدراسات الأمريكية الصادر سنة 2005 تحت عنوان “الإسلام الديمقراطي المدني”؛ وهو كتاب لـ”شيريل بينارد” الباحثة النمساوية اليهودية المتخصصة في العلوم السياسية، والمهتمة بالشرق الأوسط وأفغانستان، وتعتبر إحدى أهم محللي مؤسسة راند البحثية حتى عام 2009، وهي زوجة زلماي خليل زاد السفير الأمريكي السابق في كل من أفغانستان والعراق، الكتاب عبارة عن تقرير صادر عن المؤسسة في فبراير 2005؛ وذلك في إطار الجهود الأمريكية لإعادة رسم الخريطة السياسية والاقتصادية للعالم الإسلامي بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001. وتعتبر مؤسسة راند أهم مراكز الدارسات الاستراتيجية الأمريكية، ويعدّها البعض “العقل الاستراتيجي الأمريكي”، وهي الذراع البحثي شبه الرسمي للإدارة الأمريكية.
نحن إذن إزاء هجمة فكرية إلحادية صهيو/صليبية تستهدف أصول الإسلام وأركانه، بهدف خلق جيل مشوش فكريا وعقديا، جيل لا يؤمن بقدسية جهاد المحتل، ولا يعرف حدودا بين الديانات والطوائف!
هذه الرغبة الأمريكية في تحريف الإسلام ستجد هوى موافقا من الاستبداد العربي الذي يرى في الإسلاميين منافسا شرسا على الحكم، وهذا ما يفسر فتح مجالها الإعلامي لرموز “التيار التزويري” ليقدم قراءته التحريفية للوحي فيدخل بذلك كل بيت ، تماما كما حصل مع المد الماركسي الإلحادي سابقا..!
هذا الاستفزاز للشعور الديني المهدد للأمن الروحي سيشكل تحديا جديدا على العقل المسلم ، وهو ما ينبئ ببروز صحوة إسلامية ثانية تكون أرسخ قدما من سابقتها..!
وصدق الله تعالى إذ يقول: (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين).



