متى أصبح القبض في الصلاة مخالفة؟

27 فبراير 2026 15:40

هوية بريس – ذ.شريف السليماني

اطلعتُ على اللائحة التي نُشرت حول مخالفات بعض القيمين الدينيين بجهة الدار البيضاء، وتتبعت ما ورد فيها من تفاصيل وأرقام.

أول ما استوقفني أنني لم أجد -في حدود ما قرأت- أمرًا محرّمًا شرعًا، ولا منكرًا بيّنًا ولا حتى مكروها، ولا خروجًا عن أصل من أصول الدين. أغلب ما ورد يتعلق بجزئيات في الأداء، أو بمدى الالتزام بتوجيهات تنظيمية معتمدة في تدبير الشأن الديني.
وهنا ينبغي التفريق بهدوء بين أمرين:

بين مخالفة الشرع، ومخالفة التوجيه الإداري.

الأولى تمس جوهر الدين، والثانية تمس طريقة تنظيمه.

ولا شك أن القيم الديني، بحكم مكانته ورمزيته، مطالب بأن يكون قدوة في سلوكه وانضباطه. ولو كان التركيز منصبًّا على مخالفات شرعية صريحة -كاستغلال صفة الإمامة في الشعوذة، أو فتح محلات للرقية بطرق تسيء إلى الدين، أو ممارسات تمس كرامة الناس أو عقيدتهم- لكان الأمر مفهومًا ومحمودًا، بل واجبًا.

لكن حين يتحول التركيز إلى جزئيات خلافية سائغة، يبرز سؤال عن الأولويات.

ثم يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية:

هذا التتبع الدقيق، وهذه اللوائح المفصلة بالأرقام، لماذا لا نراها بنفس الصيغة في قطاعات أخرى من الإدارة العمومية؟

لماذا لا تنشر وزارة التعليم مثلًا أرقامًا بعدد الموظفين الذين يلتحقون متأخرين بأعمالهم أو يغادرون قبل الوقت المحدد؟

ولماذا لا نرى من وزارة الداخلية أو وزارة التشغيل أو غيرها لوائح مفصلة بأعداد المتغيبين دون عذر أو المقصرين في أداء واجباتهم؟

لسنا هنا في مقام التشهير بأحد، ولا في الدعوة إلى تعميم النشر، ولكن في طرح سؤال عن الاتساق:

إذا كان من المفيد نشر أعداد المخالفات في مجال ما، فلماذا يُخص المجال الديني وحده بهذا الأسلوب العلني؟

ولماذا لا تنشر وزارة الأوقاف نفسها -إن كان لا بد من النشر- أرقاما تتعلق ببقية الموظفين في نفس القطاع، سواء في المكاتب الإدارية أو في المهام الأخرى، حتى لا يبدو أن التركيز منصبٌّ على القيمين الدينيين دون غيرهم؟

إن كانت المحاسبة قيمة، فهي قيمة عامة، لا ينبغي أن تبدو انتقائية.

غير أن النقطة المفصلية في هذا الملف -في نظري- هي مسألة “القبض” في الصلاة التي اعتبرت من المخالفات.

لنتصور إمامًا اقتنع بعد بحث أن وضع اليد اليمنى على اليسرى سنة، وربما رآها أرجح دليلًا داخل المذهب نفسه، ودرّس ذلك للناس سنوات.

ثم يُطلب منه فجأة أن يلتزم بالسدل.
المسألة هنا ليست حركة يدين، بل مسألة قناعة علمية.
إذا طُلب من القيم الديني أن يترك ما يراه راجحًا في اجتهاده، لا لظهور دليل جديد، بل لاعتبار تنظيمي، فكيف سيشرح للناس هذا التحول؟
وهل سيبقى في نظرهم صاحب رأي وقناعة، أم منفذًا للتعليمات؟ وما الفرق حينها بينه وبين غيره من العوام؟
الأمر لا يتعلق ببدعة ولا بخروج عن المرجعية، بل بخلاف معتبر داخل المذهب المالكي نفسه، بل ذهب بعضهم إلى ترجيحه. فلماذا يُحسم إداريًا ما يسعه الاجتهاد؟
النتيجة المتوقعة لا تخرج عن احتمالين:
إما استجابة شكلية قد تربك صورة الإمام أمام الناس، إذ يصبح الأئمة في أعين الناس يقولون ما لا يفعلون ويلتزمون بما لا يعتقدون.
وإما رفض قد تنتج عنه حالة توتر لا تخدم أحدًا.
وهناك جانبٌ آخر لا يقل أهمية، وأقوله بصدق: لا أملك أرقامًا رسمية، لكن من خلال لقاءاتي المتكررة بعدد من القيمين الدينيين، يتكرر أمامي شعور بالضيق وعدم الرضا عن الطريقة التي يُدار بها هذا الملف.
ليس رفضًا للانضباط، ولا اعتراضًا على المؤسسة،
بل إحساس بأن القرارات تُتخذ في الغالب دون تشاور كافٍ مع أهل الميدان.
كثيرون يتمنون فقط أن يُستمع إليهم في جو آمن، وأن تُفتح قنوات حوار حقيقية قبل إصدار قرارات تمس تفاصيل يرونها جزءًا من قناعاتهم.
فالضغط لا يولد بالضرورة انفجارًا، لكنه قد يولد انسحابًا صامتًا.
وقد يدفع بعض الكفاءات إلى البحث عن مجالات أخرى يمارسون فيها رسالتهم بطمأنينة، فتخسر المساجد طاقات مؤثرة.
لسنا أمام مواجهة، ولا دعوة إلى فوضى، بل أمام سؤال عن التوازن:
كيف نحافظ على وحدة المرجعية،
ونصون في الوقت نفسه كرامة الإمام وقناعته؟
كيف نُعلي من شأن الانضباط، دون أن نُفرغ القيم الديني من شخصيته؟
ربما نحتاج اليوم إلى مزيد من الحوار،
وإلى ترتيب الأولويات،
وإلى التركيز على ما يمس جوهر الرسالة فعلًا، قبل الانشغال بما يسعه الخلاف.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
19°
21°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد
24°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة