أهداف اليمين “الإسرائيلي” من الحرب على إيران

23 مارس 2026 16:03

هوية بريس- محمد زاوي

لقد انكشفت لليمين الإسرائيلي المتطرف، بعد إضعافه لحركة “حماس” في غزة، وبعد تراجع مساحة سيطرة “حزب لله” في لبنان، وكذا توسعه في سوريا بعد إسقاط نظام بشار الأسد؛ بعد كل ذلك، انكشفت له أضواء خضراء للهجوم على إيران في عقر دارها، بعدما كبح جماحها الجيوسياسية في حدودها الكبرى.. تم هذا الهجوم على مراحل: باغتيال قيادتها خارج حدودها (اغتيال عناصر من “فيلق القدس” في دمشق، وكذلك في الضاحية الجنوبية لبيروت، خلال العدوان الذي تلا السابع من أكتوبر 2023)، واغتيال رئيس “حماس” ومرافقيه على أراضيه وفي إقامة تابعة للحرس الثوري، ثم باستهداف بعض منشآتها وقياداتها العسكرية في حرب الـ 12 يوما، وأخيرا بالضربة الأخيرة التي اغتيل على إثرها المرشد الإيراني الأعلى وعدد من قيادات الصف الأول العسكرية.

ما يريده الكيان من هذه الضربة لا يقف عند حدود اغتيال قيادات النظام الإيراني وتجريده من مشروعه النووي، بل يتجاوز ذلك إلى أغراض أخرى يستهدفها اليمين الإسرائيلي المتطرف في هذه الحرب. وأول هذه الأغراض، القضاء على اليمين النقيض، وليس هذا النقيض غير الطرف الحاكم في إيران حاليا والمسيطر على مؤسساتها الأمنية والعسكرية والمدنية، وكذا على الإيديولوجيا المؤطرة لعموم الشعب الإيراني بما يعنيه ذلك من مِنعة وقدرة على الصمود، وبالتالي الاستهداف المستدام للوجود “الإسرائيلي” في المنطقة.. وما استهداف القيادات والمشروع النووي سوى مرحلة من مراحل استراتيجية “القضاء على اليمين النقيض في إيران”.

ومن جهة ثانية فإن النظام الإيراني الحالي يعرقل التوسع في خريطة “إسرائيل الكبرى”، وهي الخريطة التي تشمل في أدبيات “اليمين الإسرائيلي” لبنان والأردن وفلسطين وسوريا وأجزاء من العراق وأجزاء من السعودية.. التوسع في سوريا مطوَّق بالمصالح التركية والإيرانية (وإن يقدر أقل)، التوسع في لبنان بالمصالح الإيرانية من خلال “حزب الله”. أما توسع “الكيان” في فلسطين فمطوَّق بالفصائل الفلسطينية المتحالفة مع إيران في غزة، وبمصالح الأردن في الضفة الغربية.. التوسع في مصر وفي سوريا مستبعد حاليا، ما دام الخطر الإيراني قائما وما دام البلدان معا يستثمران الصراع الإيراني-“الإسرائيلي” لمصلحتهما.. جانب آخر من معيقات هذا التوسع، وجود “الحوثيين” في اليمن، فرغم الضربات التي تعرضوا لها ما زالوا يستمدون جزءا كبيرا من قوتهم من بقاء النظام الإيراني.

هذا ويتوقع اليمين الإسرائيلي المتطرف أن تراجع الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة على عهد إدارة دونالد ترامب، سياستها في الشرق الأوسط، وهي سياسة ذات بعد استراتيجي لا تكتيكي فحسب.. بما يعنيه ذلك من تأسيس لنوع من التوازن بين القوى الإقليمية في المنطقة، الوطن العربي وإيران وتركيا و”إسرائيل”.. هذا التوازن يعتبره اليمين الإسرائيلي عقبة في وجه توسعه، وربما يفضي إلى اضمحلاله وزواله في ظل الشروط الدولية الجديدة والمتفاقمة عكس مصالحه ومصالح حاميه الرجعي في الولايات المتحدة الأمريكية (المجمع الصناعي العسكري). وإذا كانت إدارة ترامب ترى في تدخلها ضد إيران خطوة ضرورية للردع وتعديل السياسة الإيرانية في أفق التوافق مع الشرق الأوسط الجديد، فإن إدارة نتنياهو ترى في التدخل الأمريكي توريطا يحول دون تبلور الشرق الأوسط الجديد إلا على أنقاض كافة القوى الإقليمية باستثناء “إسرائيل”، وبدون توازن استعداد لحروب جديدة وعمليات جديدة من السيطرة والتوسع.

الهدف الرابع لليمين “الإسرائيلي” المتطرف، من خلال حربه على إيران، توسيع الهوة ومباعدة الشقة بين إيران ودول الوطن العربي، أيضا بينها وبين تركيا.. ومنع تشكل حلف عربي-عربي أو عربي-إسلامي (إيران/ تركيا/ باكستان)، إذ قد تأتي رياح التحولات الجيوسياسية -خاصة مع التراجع الأمريكي المتفاقم- بما لا تشتهيه سفن “كيان” مطوَّق بالوجود العربي الإسلامي.. لم يكن التقارب السعودي-الإيراني صدفة، ولم تكن الوساطة الصينية في المصالحة مجرد خبطة عشواء، ولم تكن الدينامية التركية الأخيرة في علاقتها بمصر ودول الخليج بلا تفسير جيوسياسي، كذلك الاتفاق الاستراتيجي بين السعودية وباكستان، كذلك التفوق الباكستاني في حربها الأخيرة مع الهند، وأيضا التقارب المصري الإيراني مؤخرا.. كل هذا تقرأه “إسرائيل” بعين جيوسياسية لا تستأمنه.. فإذا اصطنت تناقضا عربيا-إيرانيا ستكون قد حققت خطوة مهمة في تفكيك محيطها الجيوسياسي، وبالتالي إضعافه واستبعاد خطره وإمكانات نهوضه وتحرره في الشروط الجيوسياسية الجديدة أو المستقبلية.

هناك مسألة أخرى لا ينتبه إليها كثير من المحللين، وهي رغبة “اليمين” في نسف كل طريق إلى الحوار، بما في ذلك اتفاقيات “التطبيع”، منذ كامب ديفيد إلى اليوم.. إنه لا يريد لهذه الاتفاقيات أن تؤسس لسلام حقيقي، ولا يريد لها أن تنحو منحى سلام المنطقة.. يريد أن يجعل منها واجهة للاختراق والابتزاز والضغط والتغول والسيطرة. يقبل بها كقناع للعنف، لا كسلام حقيقي.. إنه بحربه على إيران يسعى من جهة إلى استمرار الحرب رغم كثرة حديثه عن السلام، ومن جهة أخرى يسعى إلى إضعاف الموقف العربي-الإسلامي لإنتاج شروط سلام غير متوازن تميل كفته لمصلحة “الكيان”.. السلام الوحيد الناجح هو الذي يتأسس على توازن القوى، وهو ما يرفضه “اليمين الإسرائيلي”، لأن ذلك يعني وضع القدم الأولى على طريق زواله.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
23°
22°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد
24°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة