بين مدريد والرباط: فجوة السياسات في مواجهة غلاء المعيشة

بين مدريد والرباط: فجوة السياسات في مواجهة غلاء المعيشة
هوية بريس – متابعات
في وقت تتسارع فيه الأزمات الاقتصادية العالمية، لم تعد الشعارات كافية لطمأنة المواطنين، بل أصبح معيار النجاح الحكومي يقاس بمدى القدرة على حماية القدرة الشرائية، فبينما اختارت الحكومة الإسبانية التدخل بقوة عبر إجراءات مباشرة وجريئة، يبدو أن الحكومة المغربية ما تزال تكتفي بخطاب الاستعداد في مواجهة أزمة تتفاقم يوما بعد يوم.
ففي المغرب، أكدت وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح، أن البلاد مستعدة لمواجهة أي تداعيات اقتصادية محتملة بسبب التوترات في الشرق الأوسط، مشيرة إلى توفر احتياطيات مالية واستقرار اقتصادي نسبي، إلى جانب توجه متزايد نحو الطاقات المتجددة. غير أن هذا الخطاب، رغم أهميته على المستوى الماكرو-اقتصادي، يطرح سؤال أين ينعكس هذا الاستعداد على حياة المواطن اليومية؟
واقع الحال يكشف صورة مغايرة؛ فالمغاربة يواجهون موجة غلاء غير مسبوقة، طالت كل شيء من أسعار المحروقات، إلى المواد الغذائية الأساسية، وصولا إلى الخضر والفواكه التي بلغت مستويات قياسية حتى قبل تصاعد التوترات الدولية وإغلاق معبر هرمز، هذا الغلاء لم يترك مجالا للمناورة أمام الأسر، التي وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع السوق دون حماية كافية.
صحيح أن الحكومة أبقت على دعم بعض المواد الأساسية عبر صندوق المقاصة، مثل غاز البوتان والدقيق والسكر، وأطلقت دعما استثنائيا لقطاع النقل، إلا أن هذه الإجراءات تبقى، في نظر كثيرين، محدودة الأثر وغير كافية أمام الارتفاع المتسارع للأسعار. كما أن هذا الدعم غالبا ما يكون غير مباشر، ولا يصل دائما إلى المواطن بالشكل الذي يخفف عنه العبء الحقيقي.
في المقابل، اختارت إسبانيا نهجا مختلفا تماما. فقد أعلنت حكومة بدرو سانشير عن حزمة اقتصادية عاجلة بقيمة 5 مليارات يورو، تضمنت أكثر من 80 إجراء ملموسا، تستهدف بشكل مباشر جيوب المواطنين والشركات. من بين أبرز هذه التدابير: تخفيض الضريبة على القيمة المضافة على المحروقات والطاقة، إلغاء بعض الضرائب المرتبطة بإنتاج الكهرباء، فرض رقابة على هوامش الربح، تجميد أسعار الإيجارات في المناطق المتضررة، ومنع تسريح العمال في الشركات المستفيدة من الدعم.
هذه الإجراءات لم تكن مجرد وعود، بل قرارات تنفيذية فورية، استفادت منها نحو 20 مليون أسرة وثلاثة ملايين شركة، ما يعكس إرادة سياسية واضحة في نقل عبء الأزمة من المواطن إلى الدولة، ولو بشكل مؤقت.
وبين حكومة تتدخل لتخفيف الصدمة بشكل مباشر، وأخرى تكتفي بضبط التوازنات وانتظار تطورات السوق. وبينما تعمل مدريد على تقليص الضرائب وتوسيع الدعم، يشعر المواطن المغربي أن ظهره مكشوف أمام لهيب الأسعار، دون آليات حماية كافية توازي حجم الأزمة.
إن الرهان اليوم لم يعد فقط على الحفاظ على التوازنات المالية، بل على تحقيق توازن اجتماعي حقيقي. فنجاح السياسات الاقتصادية لا يقاس فقط بجاذبية الاستثمار أو استقرار المؤشرات الكبرى، بل بقدرة المواطن على العيش بكرامة دون أن تلتهم الأسعار أو تشعره بالعجز. وفي ظل هذا الواقع، تتزايد الدعوات داخل المغرب إلى تبني مقاربة أكثر جرأة، تستلهم من تجارب دولية ناجحة، وعلى رأسها التجربة الإسبانية، التي أثبتت أن التدخل القوي للدولة ليس خيارا، بل ضرورة في زمن الأزمات.
وفي خضم هذا الجدل المتصاعد، يتساءل كثير من المواطنين: لماذا يسارع بعض المسؤولين في المغرب إلى استلهام تجارب الغرب في قضايا الحريات الفردية، بينما يترددون في الاقتداء بنفس الحزم حين يتعلق الأمر بالعدالة الاجتماعية وحماية القدرة الشرائية؟
إن المفارقة لم تعد خافية، بل أصبحت عنوانا لمرحلة تتطلب وضوحا في الاختيارات وشجاعة في القرار، حيث لم يعد المواطن ينتظر تبريرات بقدر ما يطالب بإجراءات ملموسة تعيد التوازن بين متطلبات الاقتصاد وحقه المشروع في العيش الكريم.



