غربة الأعلام في زمن الإعلام

غربة الأعلام في زمن الإعلام
هوية بريس – عبد الكريم المحيحش
الغربة غربتان غربة خارج الوطن، وهذه عادة اعتادها الناس في رحلة الكد والسعاية، وفي طلب الكسب والمعاش، وهي في كل الأحوال مطلبا حياتيا أكيدا، وضرورة اقتصادية وتجارية ومعرفية لازمة، وقد تحدث عنها العلماء والحكماء والمصلحون في كل عصر ومصر، فعددوا فوائدها واستحثوا الهمم لنشدانها، وهي غربة يخفف من وطأتها ما يرجوه المرء من تحصيل للمطالب واستجلاب للمنافع، أما الغربة الثانية، فهي الغربة في الوطن، وهي لعمري محنة شديدة لا يتذوق مرارتها، إلا من كابدها وعاش تفاصيلها القاسية. إنها غربة أهل الحق في مجتمعات اختلت فيها موازين الصلاح والفساد، وغربة العلماء والدعاة والمصلحين في بيئات ألفت الرذيلة، وطبّعت مع الانحراف، حتى غدا الإصلاح فيها غريبا، وصار صوت الحقيقة فيها نشازا.
ولقد قص علينا القرآن الكريم نماذج متعددة من أخبار الأمم الغابرة، التي استمرأت الرذيلة حتى ألفتها، وأصبحت في وعيها الجمعي أمرا مألوفا لا يستنكر، ولا يرى فيه ما يستقبح أو يعاب، ولا ما يستوجب ردعا أو تقويما. وفي خضم هذا الانحراف، أضحى الصوت الداعي إلى الإصلاح نشازا في أسماعهم، وصار الناهي عن الفساد غريبا بين أظهرهم، ينبذ ويقصى، بل يوصم بالشذوذ والخروج عن مألوف الجماعة. ومن أبلغ تلك الصور ما حكاه القرآن عن نبي الله لوط عليه السلام، الذي واجه قوما تمادوا في اقتراف الفاحشة، حتى استحكمت فيهم، وصارت سلوكا معلنا لا يستحى منه. فكان من باب واجب النصح والنهوض بالرسالة، أن يدعوهم إلى الرجوع عن هذا السلوك المنحرف، ويذكرهم بالفطرة الإنسانية السوية، غير أن دعوته هذه قوبلت بالرفض والاستهزاء، ولم يكن جوابهم إلا أن قالوا: “أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون”. وهكذا انقلبت الموازين في نظرهم، فصار الطهر تهمة، والاستقامة عيبا، وأضحى الداعي إلى الفضيلة غريبا عن نسيج المجتمع، يقصى بدل أن يحتفى به، ويهان بدل أن يكرم ويرفع من شأنه.
وإذا تأملنا واقعنا المعاصر، بدا لنا وكأن عجلة التاريخ تعيد بعض مشاهدها؛ إذ ما تزال غربة أهل القيم ماثلة، بل لعلها ازدادت حدة، حتى أصبح من يدعو إلى العفاف اليوم ينعت بالتخلف والرجعية، ويصور على أنه كيان غريب خارج عن روح العصر. ومع ذلك، فإن سنن الله ماضية لا تتبدل، وميزان الحق ثابت لا يتغير، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
إن ما تشهده الأمة اليوم من اختلال في ميزان الأخلاق، وانحراف في بوصلة القيم، لم يكن ليبلغ هذا المدى لولا تهميش العلماء وتغييب دورهم الإصلاحي، وهو تهميش ليس بجديد وإنما هو عادة ممتدة في الزمن، إذ بمطالعة بسيطة للتاريخ الإسلامي نجد أن الكثير من العلماء، قد حجبوا بظلال كثيفة من الإهمال والتهميش في مجتمعاتهم التي عاشوا فيها، ولم يعرف قدرهم إلا بعد مرور مدة مديدة من الزمن.
وإذا كان لهذا التهميش أسبابه المتجذرة مثل فشو الجهل والأمية وإعراض الناس عن تلقي المعرفة، وانصرافهم إلى سفاسف الأمور، فإنه ينضاف إليها اليوم ما تمارسه وسائل الإعلام المعاصرة، من إقصاء معتمد لكل النخب الفاعلة والقوى الحية المصلحة، بحيث لا يستدعى العالم والمفكر والمصلح، إلا في لحظات احتفاء شكلي، حين يوشك أن يطوي صفحته الأخيرة، فيقام له حفل تكريم أقرب إلى مراسم الوداع منه إلى الاعتراف الحقيقي بجهوده. ثم إذا مات انطفأ ذكره، إلا ما يكون من تلك الدوائر الضيقة والمنحصرة في خاصته من ذوي القربى وممن ينتمي إليه بصلة، بينما يظل تراثه العلمي عرضة للنسيان، لا يجد من يقوم بإحيائه وإشاعته بين الناس.
هذا هو حال العلماء والمصلحين في مجتمعنا المتخلف، في وقت لم تعد الحاجة إلى شيء أكثر من حاجتنا إلى العلم والعلماء، لاسيما وأن الحضارة المعاصرة هي حضارة قائمة على المعرفة أساسا، وأن مفهوم القوة قد تغير، إذ لم يعد القوي هو الذي يمتلك ثروات طبيعية أو ما شابه، وإنما الذي يمتلك ناصية المعرفة، فكم من الدول اليوم تمتلك ثروات طبيعة هائلة، لكنها بسبب إعراضها عن المعرفة، ظلت مرتهنة لغيرها حتى في أبسط مقومات وجودها.
ومما يوجع القلب ويثقل الخاطر، ذلك التفاوت الصارخ في ميزان الاهتمام الإعلامي، بين العلماء وبين الفنانين وكثير ممن ينسبون إلى الفن وهو منهم براء، حيث تسلط عليهم الأضواء وتفتح لهم المنابر، وتوسع لهم دوائر الحضور، ويصاغ حولهم خطاب احتفائي متخم بالتمجيد في كل لقاء تلفزي أو مقابلة إعلامية، حتى إذا غاب أحدهم عن الدنيا، ضجت المنابر حدادا، وتتابعت البرامج في استعراض سيرته واستحضار مسيرته، في مشهد يفيض مبالغة وتكلفا، وكأن الأمة قد فقدت برحيله ركنا من أركانها.
ختاما أقول: إن أي إصلاح في مجتمعنا لا يمكن أن يتحقق إلا برد الاعتبار للنخبة العالمة، وإعادة تمكينها من أداء رسالتها التوجيهية والتنويرية. فالعلماء ليسوا مجرد أصوات معزولة على هامش الحياة، بل هم حملة الوعي، وقادة الإصلاح في كل أمة تنشد النهوض. والوفاء للعلماء لا يكون بتكريم عابر في لحظات الأفول، بل بإحياء حضورهم في واقع الناس، والإنصات إلى آرائهم، وتمكينهم من توجيه بوصلة المجتمع نحو ما يصلحه ويعلي من شأنه.



