لا لصحبة يفسدها اللعن.. حين يتحول الزواج إلى ساحة دعاء بالسوء

هوية بريس – د.رشيد بن كيران
◆ في الحياة الزوجية، ليست كل كلمة تقال في لحظة غضب تمضي كما جاءت؛ فبعض الكلمات تترك أثرا لا يمحى، وقد تتحول من مجرد ألفاظ لا يلقى لها بال إلى حكم شرعي يفسد العلاقة الزوجية وقد يقوض بنيانها.
وإذا كان النبي ﷺ قد أمر بترك دابة لُعنت، وأخرجها من دائرة الصحبة، فكيف يستهان بكلمات اللعن حين تتسلل إلى أقدس علاقة إنسانية: علاقة الزوج بزوجته؟
◆ إذا تأملنا حديث عمران بن حصين رضي الله عنه في قصة المرأة التي ضجرت من ناقتها فلعنتها، وكيف أن النبي ﷺ أمر بتركها وقال: «خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا؛ #فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ»، ثم أكد المعنى بقوله: «لَا تُصَاحِبْنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ» كما في صحيح مسلم، أدركنا أن اللعن في ميزان الشريعة ليس مجرد لفظ عابر، بل هو وصف له أثر شرعي ثقيل يضعف أو يسقط البركة، ويخرج الملعون ولو كان دابة من دائرة الصحبة والانتفاع.
◆ هذا الأصل النبوي، إذا نُقل من سياق الدابة إلى سياق الحياة الزوجية -وليس المقصود إلحاق حكم الدابة بالإنسان، وإنما التنبيه إلى خطورة اللعن من حيث أثره الشرعي في إفساد الصحبة وإسقاط البركة عنها- قلت إذا نقل من ذلك السياق إلى سياق الحياة الزوجية انكشف لنا خلل خطير يتساهل فيه بعض الأزواج، إذ يتحول مع التكرار من انفعال غير محسوب المآل إلى نمط مستقر يمارس عند كل خلاف؛ فيصبح اللسان في لحظات الغضب أداة لعن ودعاء بالسوء، فيدعو أحدهما على الآخر، حضورا أو غيابا، انفعالا أو اعتيادا. وهنا تتجاوز المسألة من مجرد سوء أدب إلى حكم شرعي له أثر عميق؛ لأن عقد الزواج في حقيقته ميثاق غليظ، مبناه على السكن والمودة والرحمة، فكيف يستقيم هذا البناء مع ألفاظ تنافي أصل الرحمة، وتستدعي الطرد من رحمة الله!!؟
◆ إن اللعن من حيث هو دعاء بالإبعاد عن الرحمة وعموم الدعاء بالسوء يضاد المقصد الكلي لمفهوم الأسرة في الإسلام، الذي يقوم على حفظ النفس والنسل بل والدين ؛ فالزواج نصف الدين، ويقوم كذلك على تحقيق السكينة النفسية والاطمئنان والشعور بالاستقرار. فإذا صار أحد الزوجين يلعن الآخر ويدعو عليه، فقد انقلبت العلاقة الزوجية من جلب الرحمة إلى استدعاء ضدها، ومن بناء الألفة إلى تأسيس النفرة. بل إن في ذلك إفسادا خفيا لمعنى الصحبة التي هي روح الزواج؛ إذ إن النبي ﷺ لم يقبل مصاحبة دابة لعنت، فكيف تقبل مصاحبة إنسان يبيت تحت سقف واحد مع من يلعنه أو يدعو عليه!!؟
◆ ويزداد المعنى وضوحا إذا ضممنا إليه توجيه النبي ﷺ في النهي عن الدعاء على النفس وعلى الأولاد، كما في الحديث الصحيح: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ…»، فهذا النهي إنما هو سد لباب قد تصادف فيه الدعوة ساعة إجابة، فيندم صاحبها حيث لا ينفع الندم. فإذا كان هذا في حق النفس والولد، وهما أقرب ما يكون إلى الإنسان، فإن الزوج أو الزوجة داخلان في هذا المعنى من باب قياس المثيل، لأن العلاقة بينهما ليست علاقة عارضة، بل هي رابطة قريبة ومتشعبة تتداخل فيها الواجبات والحقوق والآثار كما في علاقة الأولاد.
◆ ومن زاوية مقاصدية أدق، فإن كثرة الدعاء بالسوء داخل الحياة الزوجية تفضي إلى التباغض المهدد للأمن الأسري، وهو أحد الشروط الضرورية لاستقرار المجتمع. فالأسرة التي يسودها التلاعن والبغضاء ليست بيئة صالحة للتربية، ولا حاضنة للاستقرار، بل تتحول إلى مجال توتر دائم، ينتج أذى نفسيا متراكما ومتصاعدا، وقد يورث أنماطا سلوكية منحرفة لدى الأبناء.
◆ وإذا استحضرنا الحديث النبوي الشريف الذي رواه مسلم وغيره مرفوعا: «وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ»، أدركنا أن التلاعن علامة على فساد العلاقة في بنيتها، لا مجرد خلل طارئ فيها؛ إذ جعله النبي ﷺ من أوصاف الشرور، لأن العلاقة حين تتحول إلى تباغض متبادل ولعن متقابل، تكون قد فقدت ميزانها الشرعي ومقوماتها الأخلاقية والوظيفية معا. وهذا المعنى وإن ورد في سياق الإمامة العامة فالعبرة بعموم المعنى لا بخصوص المورد، إذ العلة فيه هي فساد العلاقة بين الراعي والرعية حين تقوم على التباغض والتلاعن، وهي علة متحققة في كل علاقة قائمة على الولاية، وفي مقدمتها العلاقة الزوجية؛ فالزوج راع والزوجة راعية في بيت الوزجية.
◆ وعليه، فإن الإصرار على هذا السلوك، مع تحوله إلى طبع أو عادة لا يملك صاحبها نفسه عند الغضب، لا يمكن اعتباره مجرد زلة لسان، بل هو مؤشر على خلل عميق في التزكية والأخلاق والتزام الأحكام الشرعية، ويحتاج إلى معالجة جذرية. فإن أمكن إصلاحه بالتأديب الشرعي، والتذكير، والتدريب على كظم الغيظ، فذاك هو المتعين. أما إذا استحكم الضرر وتعذر الإصلاح، حتى صارت العلاقة مجال أذى دائم تهدر فيه الكرامة وتستباح به حرمة العشرة، فإن الفراق حينئذ يكون مندرجا في رفع الضرر الذي جاءت الشريعة باعتباره، لا خروجا عن مقاصدها.
ومن هنا يفهم أن الفراق عند تعذر الإصلاح ليس فشلا، بل قد يكون هو الخيار الأقرب إلى تحقيق العدل ورفع الضرر؛ لأن الشريعة لا تبقي على رابطة تنتج أذى مستمرا يناقض غايتها. فالحياة الزوجية التي تبنى على اللعن والدعاء بالسوء، هي في حقيقتها نقيض مقصود الشارع ومنافية للحياة الطيبة، التي وعد الله بها عباده، بل هي صورة من صور المعاناة المؤبدة تحت غطاء عقد شرعي.
■ وختاما، إن اللسان في الحياة الزوجية ليس أداة تعبير فقط، بل هو آلة بناء أو هدم. فإذا تحول إلى وسيلة لعن ودعاء بالسوء، فقد بدأ الهدم من حيث يظن الإصلاح. والموفَّق من أدرك أن الكلمة في ميزان الشرع ليست خفيفة، بل قد تخرج شيئا من دائرة رحمة الله وبركته، كما أخرجت تلك الدابة من صحبة صاحبها، فكيف إذا تعلق الأمر بإنسان هو شريك العمر وموضع السكن!!؟



