مقاولو التشهير: سيكولوجية التملق والاغتيال الرمزي

هوية بريس – عبد المولى المروري
كلما تابعت حملات التشهير التي تغرق بها وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية هذه الأيام، ازددت اقتناعًا بأننا لا نعيش مجرد أزمة سياسية أو حقوقية أو إعلامية، بل نعيش أزمة أخلاقية وحضارية عميقة تتجاوز الأشخاص والحوادث والوقائع اليومية. فالمشكلة لم تعد في وجود الكذب، فالكذب قديم قدم الإنسان، ولم تعد في وجود المنافقين، فالنفاق رافق المجتمعات منذ فجر التاريخ، وإنما في كون الكذب أصبح مهنة، والنفاق أصبح وظيفة، والتشهير أصبح صناعة، والتملق تحول إلى سلم اجتماعي يرتقي به بعض الناس نحو المال والنفوذ والامتيازات.
لقد ظهرت بيننا في السنوات العشر الأخيرة فئة غريبة يصعب تصنيفها، لا هي من أهل الفكر فتُناقش أفكارها، ولا هي من أهل العلم فتُراجع اجتهاداتها، ولا هي من أهل الإبداع فتُقوَّم أعمالها.. إنها فئة لا تكاد تنتج شيئًا سوى الضجيج.. تعيش على أعراض الناس كما يعيش الطفيلي على جسد غيره.. لا تزرع فكرة فتأكل من ثمرتها، بل تقطع أشجار الآخرين ثم تبيع الحطب للمتفرجين.
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن كثيرًا من هؤلاء يحملون شواهد جامعية، ويتمسحون بلغة الحداثة والتنوير والعقلانية، لكنك إذا نزعت القشرة الخارجية وجدت أمامك سلوكًا أقرب إلى سلوك قُطّاع الطرق منه إلى سلوك المثقفين، وألفاظ تنهل من اللغة الساقطة للشارع، فبدل أن يناقشوا الأفكار يناقشون النيات، وبدل أن يحاوروا الآراء يفتشون في الأعراض، وبدل أن يردوا على الحجة بالحجة يردون عليها بالشائعة والإشاعة والتلميح واللمز والهمز والتخوين.
وأمام هذا المشهد يحق لنا أن نتساءل: ما الذي وقع لهؤلاء؟ كيف تحول بعض المتعلمين إلى أدوات للتشهير؟ وكيف أصبح بعض من يفترض أنهم مثقفون مجرد أبواق تردد ما يطلب منها دون قيد أو شرط، وبلا ضابط أو اتزان؟ ولماذا ترتفع أسهم هذه الفئة في بورصة وسائل التواصل الاجتماعي كلما اشتد الاستبداد وازدهر الفساد، وكلما ضاقت مساحات الحرية، وكلما احتاجت بعض الجهات إلى تشويه المناضلين والأحرار وأصحاب الرأي المستقل؟
إن أول ما يلفت الانتباه في هذه الظاهرة هو الانهيار الأخلاقي المريع الذي تمثله.. فالمسألة هنا ليست مجرد اختلاف في الرأي، بل سقوط مدوٍّ في القيم والأخلاق نفسها، لأن الإنسان مهما بلغ انحرافه يبقى الحياء آخر حصن يحول بينه وبين السقوط الكامل. فإذا سقط الحياء سقطت معه بقية الحصون تباعًا، ولهذا لم يكن عبثًا أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت»، والرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يرسم لنا بدقة صورة هذه النماذج التي نراها اليوم؛ نماذج لا تخجل من أي شيء إذا خدم مصالحها، ولا تستحي من الكذب والبهتان إذا قربها من أصحاب النفوذ، ولا تتردد في اغتيال الأبرياء معنويًا إذا كان الثمن رضا جهة أقوى منها.. فإذا ذهب الحياء من الإنسان لم يبق له ما يزجره عن القبح والفحش..
وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم حال هؤلاء بدقة متناهية، تعكس شخصيتهم وسلوكهم ومآلهم حيث قال: «إنَّ اللهَ إذا أرادَ بِعبدٍ هلاكًا نزعَ منه الحياءَ، فإذا نزعَ منه الحياءَ لم تَلْقَه إلا مَقِيتًا مُمَقَّتًا، فإذا لم تَلْقَه إلا مَقِيتًا مُمَقَّتًا نُزِعتْ منه الأمانةُ، فإذا نُزِعتْ منه الأمانةُ لم تَلْقَه إلا خائنًا مُخَوَّنًا، فإذا لم تَلْقَه إلا خائنًا مُخَوَّنًا نُزِعتْ منه الرحمةُ، فإذا نُزِعتْ منه الرحمةُ لم تَلْقَه إلا رجيمًا مُلَعَّنًا، فإذا لم تَلْقَه إلا رجيمًا مُلَعَّنًا نُزِعتْ منه رِبْقَةُ الإسلامِ».
ومن زاوية علم النفس الأخلاقي، يمكن القول إن الحياء يمثل ما يسمى اليوم بـ”الضبط الذاتي الأخلاقي”، فإذا ضعف هذا الضابط الداخلي أصبح الإنسان أكثر استعدادًا للكذب، والقذف، والتشهير، والخيانة، وتبرير أفعاله مهما بلغت قسوتها. ولهذا فإن من يعتاد سب الناس، وانتهاك أعراضهم، ونشر الإشاعات عنهم، والتقلب في المواقف طلبًا للرضا أو المنفعة، قد نجد في سلوكه مصداقًا عمليًا لما أشار إليه هذا الحديث، أن أول ما سقط منه هو الحياء، ثم تتداعى بقية القيم تباعًا.. إلى أن يصبح مقيتا خائنا ملعونا وممقوتا ومنبوذا من طرف الناس والمجتمع.. لينتهي به المطاف مثل منديل عفن انتهت صلاحيته عند من استخدمه ليلقي به في القمامة أو في قنوات الصرف الصحي..
ومن هنا فإن الخطأ الكبير الذي يقع فيه كثير من الناس هو الاعتقاد بأن هؤلاء أصحاب قضية أو مشروع فكري، والحقيقة أن أغلبهم لا يملكون من الفكر إلا الشعارات، ولا من الثقافة إلا بعض العبارات المحفوظة، ولا من التحليل إلا إعادة تدوير ما يسمعونه هنا وهناك.. إنهم ظواهر صوتية أكثر منهم شخصيات فكرية، ترتفع أصواتهم بقدر فراغ عقولهم.. ويزداد صخبهم كلما ازداد فقرهم المعرفي، ويزداد انحرافهم الأخلاقي كلما نزعوا عنهم رداء الحياء.. ولذلك لا تكاد تجد لهم كتابًا مؤثرًا، ولا نظرية جديدة، ولا اجتهادًا علميًا محترمًا، ولا إسهامًا فكريًا حقيقيًا يضيف شيئًا إلى المجتمع.. بل يأخذون من الفكر انحرافه، ومن الكلام أفحشه، ومن السلوك أقبحه..
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يشتمون؟ بل ماذا يملكون غير الشتائم؟ وليس لماذا يشهرون بالناس؟ بل ماذا بقي لهم غير التشهير؟ فالإنسان الواثق من فكرته يناقش، والواثق من علمه يحاور، والواثق من حجته يقنع، والذي وطن نفسه بالأخلاق لا ينحرف.. أما العاجز فلا يملك إلا الصراخ والسب والقذف.
ومن الناحية النفسية، فإن كثيرًا من هؤلاء أقرب إلى الباحثين عن الاعتراف منهم إلى أصحاب المواقف الثابتة والآراء المستنيرة.. إنهم يعانون جوعًا مزمنًا إلى الانتباه وتعطشا إلى القبول.. ولأنهم عاجزون عن تحقيق ذلك بالعلم أو الإبداع أو الإنجاز، فإنهم يحاولون تحقيقه عبر الارتباط بالقوة، ومغازلة السلطة والتملق إليها، والتقرب من أصحاب النفوذ والمال الفاسد..
ولهذا تراهم أشداء على الضعفاء، لكنهم في غاية اللين والذل أمام الأقوياء.. يهاجمون المناضل الأعزل، لكنهم يبتلعون ألسنتهم أمام صاحب السلطة.. يطاردون الضحية، لكنهم يبتسمون للجلاد ويصفقون لانتهاكاته.. وهي الظاهرة التي وصفها بعض علماء النفس السياسي بالشخصية السلطوية؛ شخصية تعشق القوة لا الحق، وتنحاز إلى الغالب لا إلى العادل.
وما يثير الانتباه أكثر أن هذه الفئة تجدها غالبًا في الخندق نفسه كلما تعلق الأمر بالقيم الكبرى.. فهي تسخر من التدين وتشكك في المقدسات وتزدري الأخلاق وتدافع عن الانحلال وتبرر الاستبداد وتهاجم المصلحين وتبرر الفساد وتستخف بمعاناة المظلومين.. وتدافع عن التطبيع والتصهين المغربي.. وكأن القاسم المشترك بينها جميعًا هو العداء لكل قيمة مستقلة عن السلطة، ولكل صوت يرفض الخضوع، ولكل ضمير لا يقبل البيع والشراء.
ومن يتأمل أهداف هذه الحملات يكتشف بسرعة أنها لا تستهدف الأشخاص بقدر ما تستهدف المعاني التي يمثلونها والحقوق العادلة التي يناضلون من أجلها، فالغاية ليست إسكات فلان أو تشويه علان فقط، بل نشر رسالة أوسع مفادها أن كل من يرفع رأسه سيدفع الثمن، وكل من يتمسك بمبادئه سيتحول إلى هدف مشروع لألسنة السوء والفحش، وكل من يرفض الانبطاح سيُجرَّد من سمعته أولًا قبل أي شيء آخر.. إنها محاولة منظمة وممنهجة لإنتاج مجتمع خائف، متردد، فاقد للثقة في رموزه، شاك في كل شيء، وغير قادر على التمييز بين الشريف والانتهازي.
ولهذا فإن خطر هذه الظاهرة لا يقتصر على الأفراد الذين يتعرضون للتشهير، بل يهدد كيان المجتمع كله، بل ويهدد أسس الدولة نفسها.. لأن الدولة القوية لا تبنى بالمخبرين الرقميين، ولا بجيوش الشتامين، ولا بمقاولي التشهير، وإنما تبنى بالمواطن الحر والمسؤول، وبالمثقف المستقل، وبالإعلام النزيه، وبالمعارضة الوطنية، وبالنقد الصادق.. أما حين يتحول الكذب إلى رأي، والتملق إلى ذكاء، والتشهير إلى بطولة، فإن المجتمع كله يكون قد بدأ رحلة الانحدار نحو الهاوية تحت أنظار الدولة.
لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لم تعد ترفًا فكريًا ولا معركة شخصية بين أفراد، بل أصبحت ضرورة أخلاقية ووطنية ومجتمعية..
إنها معركة من أجل حماية الحقيقة من الكذب، والكرامة من الابتذال، والحرية من الاغتيال المعنوي، والإنسان من السقوط في مستنقع لا يبقى فيه شريف إلا مستهدفًا، ولا حر إلا متهمًا، ولا صاحب مبدأ إلا مطاردًا بحملات التشويه والتشهير.. إنها معركة حقوقية قانونية تربوية وثقافية.. في مواجهة التفاهة والابتذال والسقوط الأخلاقي.. إنها معركة وجودية.. وهذه هي الحقيقة !!



