رئيس الأحداث المغربية على خطى أعرابي بئر زمزم



عدد القراءات 6533

عادل خزرون – هوية بريس

روى الإمام ابنُ الجوزيّ -ت 597هـ- في كتابه: (المنتظم)، قال: بينما الحُجّاجُ يطُوفون بالكعبةِ ويغرفُون الماءَ من بئرِ زمزمٍ، إذ قامَ أعرابيٌّ فحسَرَ عن ثوبه، ثمّ بالَ في البئرِ والنّاسُ ينظُرون! فما كانَ منهم إلا أن انهَالُوا عليه بالضّربِ حتى كادَ أن يموت، فخلّصه حُرّاسُ الحَرَمِ منهم وجاؤوا به إلى أمير مكّة فقال له: قبّحَكَ الله، لِمَ فعلتَ هذا؟! فقال: حتى يعرفني النّاسُ فيقولوا: هذا الذي بال في بئر زمزم)..!

ومع شناعة هذا الفعل وغرابته في آن واحد إلا أن هذا الأعرابي قد سطر اسمه في التاريخ رمزاً للسخافة والخَرَق والحمق، فكانت الرغبة في الشهرة هي التي حملته على هذا الأمر المشين الغريب، وهو يعلم يقينا أن الصغار والكبار والعجائز والشيوخ سيلعنونه، وسيكون منبوذا بغيضا ممقوتا، ولو وصل به المطاف إلى أحط الأبواب وأنتنها، فجنون الشهرة في كثير من الأحيان يدفع أصحابه إلى التمرد على المألوف، والإتيان بأمور مستنكرة في عرف الناس وفي دياناتهم؛ لإلفات أنظارهم وجذب اهتمامهم إليهم ولو باللعنات، بيد أن كل ذلك يمكن احتماله والتجشم إليه إذ أن رغبته في الشهرة تتحقق لكن بسلبية متناهية في القبح، وعليه أطلق المثل المشهور: “بل في بئر زمزم تشتهر”.

وفي عصرنا الراهن أصبح فعل الأعرابي في زمزم سُنّة يحتذي بها بعض من استحسن فكرته، بل صارت ظاهرة مرضية لدى جمهور من الصحفيين والكتاّب ممن تعج بهم الساحة الإعلامية من العلمانيين من التطاول على ثوابت الدين والتشكيك في معتقدات الناس مع التبجح بتحرير العقل من كبل القيود والأعراف والديانات لكنهم وللأسف غارقون في وحل التبعية للغرب، ومقلدون حتى النخاع فهذه ازدواجية واضحة لكنها مستساغة لديهم إذ أنها الطريق إلى أهدافهم.

فهؤلاء القوم يؤرقهم هاجس الشهرة، وينقضهم البحث عنها من المضاجع، فولعهم بها بلغ الشأو والذروة، وحبهم لها قد خالط سويداء القلوب، فأمنيتهم التي يحلمون بها والتي يعيشون من أجلها ويموتون من أجلها، ويضحون كل غال ونفيس لأجل الوصول إليها ولو على حساب دينهم الذي ارتضاه الله لهم، هي الشهرة، وحلمهم أن تكون لهم مكانة في المجتمع، ليكونوا مرموقين يشار إليهم بالبنان، يعرفهم القاصي والداني، ويصبح الواحد منهم مالئ الدنيا وشاغل الناس.

فكل شيء رخيص لبذله في سبيل هذه الأمنية، ويركنون إلى كل وسيلة متاحة لديهم إذا كانت تحقق لهم هذا الحلم، وكل خطة ساري المفعول وقابل لتنفيذها شرط أن توصل إلى الشهرة ولو كانت خطة جهنمية، فهم في قبضة جنون الشهرة، الذي أفقدهم التوازن، وسيطر عليهم واستشرى في مفاصلهم، وتحكم على الشرايين التي تضخ بالدم على الدماغ، فهم يتصرفون طوع بنانه، ووفق املاءاته، فلا غضاضة في الإغراب وخرق العادة والخروج عن المألوف، بسلبيات مستنكرة ومشينة طالما هي تحقق هذا الحلم، مهما كان الثمن.

وهذا ما لاحظناه في بعض تدوينات رئيس تحرير جريدة الأحداث المغربية الإمعة يونس دافقير حيث جاء فيها: “ما يسمى عيد الأضحى هو التحالف التجاري لموضوعي بين تجار الدين وكبار الملاك الزراعيين ضد فقراء الوطن باسم خرافة كبش نزل من السماء”. وأضاف رئيس تحرير اليومية التي اشتهرت بالنيل من الأحكام الشرعية، ومحاربة كل ما له صلة بالدين والتدين، ونشر الإباحة والانحلال الأخلاقي، في تدوينة أخرى له في حسابه على “فيسبوك”: “إن كانت علاقتي بخالقي تتوقف على حولي فذاك إشكال كبير في الإيمان والعبادة. والإشكال الأحمق أيضا هو أن نتبع الهلال في الضباب والسماء لنعرف في أي يوم سنمارس غباءنا الجماعي”.

فالذي يقرأ ترهاته للوهلة الأولى يدرك أن هذا النكرة  أتقن درس الأعرابي، واعتبر بمنهجه البراغماتي في الدوس على القيم المحترمة، والمبادئ المعتبرة، والفطر السليمة بغية أن يقول الناس: هذه مقولة فلان المعروف، أو هذه جرأة فلان وشجاعته، وهذا نوع من الأمراض النفسية التي من تشخيصها محاولة المريض جذب الانتباه بالإتيان بالغرائب، وإبراز التثقف لكي يُمدح، وعدم الاهتمام بالعلم، والمدح المبالغ فيه من المنغرين به، مما يوقع في قلبه أنه على شيء وهو لا شيء، والشعور بالنقص، ومحاولة سده بالتصدر في واجهات الصحف والمجلات الصفراء، والظهور في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بما هو غريب وعجيب وملفت.

إنها عقدة (خالف تُعرف)! التي صارت من أدبيات وقوانين مرضى جنون الشهرة، فالمعقود بها يأتي بما يخالف المنطق والعقل قولاً أو فعلاً أو مظهراً، لكي يعرفه الناس، ويحقق لذاته الشهرة التي يريد، ولو من باب أعوج..! وقديما قيل: حب الظهور يقسم الظهور.

هذا ما يفعله هوى النفس الذي  يُوقع صاحبه في المطبّات، ويُسقط شخصيته بين الناس، فالذين يغويهم الشيطان ليسوا بقليلين، وقد حذر العلماء والفلاسفة من هذه الحالة المرضية، وصدق العالم المؤرخ والفيلسوف ابن خلدون رحمه الله في مقولة شهيرة في هذا الشأن حيث قال: (إن حب الشهرة يشل حركة المجتمع الإيجابية، ليحولها إلى شكليات ومظاهر ومسرحيات، يخادع بها بعضهم بعضاً، فالشهرة حين تصير غاية في ذاتها، فمعنى ذلك تفشي الكذب والنفاق والخديعة والتصنُّع، وغياب القيم الحقيقية). وقد أصاب من قال: “إن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض”.

أسال الله لي ولكم العافية من جنون الشهرة وغيره من الأمراض والرزايا المدلهمة.

1 تعليق

  1. اسم على مسمى ” دا الفقير ” فقير فعلا إلى الله وفقير إلى الدين وإلى التربية والأخلاق ولكن العيب ليس في دا الفقير ولا في مدير جريدته العيب في من الذين يدفعون نقودهم لمثل هذه الجرائد أقول للمغاربة والله إن كل درهم تدفعونه لمثل هذه الجرائد ستحاسبون عليه لأنكم يشجعونها على نشر ما يفسد الأخلاق وما يضرب الدين في التصميم تصدقوا ب4 دراهم تنالوا التواب والأجر من الله

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

ترك التعليق