العلاقة بين الحاكم والمحكوم (2) مشروعية المعارضة السياسية

20 ديسمبر 2017 22:33
التصور الإسلامي للعلاقة بين الحاكم والمحكوم (ح4) حرية الرأي والتعبير

هوية بريس – د. البشير عصام المراكشي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

من الغريب حقا أن نحتاج في زمن الثورات والمظاهرات والمدافعات السياسية، السلمية حينا والعنيفة أحيانا أخرى، إلى بحث حكم المعارضة السياسية في الشريعة المطهرة!

ولكن مشروعية هذا البحث تُستمدّ من أمرين اثنين:

أولهما: أن الواجب على المسلم أن يسعى إلى معرفة حكم الله تعالى في كل شيء، وطريقُ ذلك الرجوع إلى الوحي بوسائل الاستنباط المقررة؛ ولا ينبغي الاغترار بكثرة من يتبنى رأيا من الآراء، فقد يكون الحق في خلافه.

والثاني: أننا ابتلينا في هذا العصر بطائفة من كهنة السلاطين المغالين في معنى طاعة ولي الأمر، يكثرون الدندنة حول المنع من معارضة الحاكم مطلقا، ويجعلون كل نقد -مهما قلّ- ضربا من البدعة، ونوعا من الخروج على الإجماع، ومخالفة جادة العلماء والسلف الأولين! وكل ذلك ضرب من الهذيان، تولّى كبرَه أقوامٌ بقلوب أهل الأهواء، في أجساد العلماء!

* في معنى المعارضة السياسية

المقصود في هذا المقال بالمعارضة السياسية: المعارضة “السلمية”، فلا كلام لنا هنا عن المعارضة المسلحة أو الثورة العنيفة أو الانقلاب العسكري (وهي الأمور التي يجمعها المصطلح الفقهي التراثي: “الخروج على الحاكم”)، بل لذلك حديث آخير قد يأتي في مقالات لاحقة إن شاء الله. وكل من يحمل الآثار السلفية والأقوال الفقهية الواردة في خصوص “الخروج” على “المعارضة السلمية” فهو أحد اثنين دون مراء: واهم في فهمه، أو مغرض في قصده.

على أن بعض الناس قد يدّعي أن المعارضة السلمية بَريد الخروج المسلح، ومفضية إليه؛ فهو لا يحمل عليها حكم الخروج، إلا من جهة إعمال أصل سد الذريعة. وهذا -وإن كان محتملا من جهة الصناعة الفقهية الخالصة- فهو مشكل جدا من جهة اختزالِه مفهوم المعارضة السياسية السلمية في تجارب مخصوصة، تكتنفها ظروف شديدة التعقيد والتركيب، ثم تعميمِ تلك التجارب على المفهوم كله، توصلا إلى تحقيق كونه ذريعة تستدعي السدّ مطلقا.

ولست أقصد بلفظ “السياسية” العملَ الحزبي البرلماني الديمقراطي، وإن كان ذلك داخلا في معنى “المعارضة السياسية” عند من يجيزه بضوابطه الشرعية، التي ليس هذا مقام بحثها ومناقشتها. لكن ما أقصده هو أعم من ذلك بكثير، فيشمل كل قول أو فعل، ذي حمولة سياسية، يراد به معارضة النظام الحاكم، بدءا بالكلمة العابرة في مجلس محصور، وانتهاء بالموقف السياسي المؤثر أو المظاهرة السلمية الحاشدة.

فالمعارضة السياسية إذن هي كل نشاط سياسي يُقصد به انتقادُ سياسات الحاكم والرقابة عليه؛ سواء بالسعي للحلول محله في إطار تداول سلمي على السلطة، أو كان انتقادا محضا بغرض التصحيح والإصلاح. فليس السعيُ لتحقيق التداول جزءا من ماهية المعارضة السياسية. ولذلك فإن كثيرا من الأحزاب المعارِضة في الديمقراطيات العتيدة، تعلم يقينا أنها لا يمكن أن تصل للحكم أبدا، وهي مع ذلك تمارس دورها الرقابي النقدي دون هوادة.

ولنا أن نسأل: لِم المعارضةُ أصلا؟ وما وجه الحاجة إليها؟

والجواب ظاهر لا يحتاج إلى كبير عناء في استخراجه. فالحاكمُ -سواء أكان الحكم فرديا استبداديا أو كان جماعيا في إطارٍ مؤسَّسيٍّ واضح- بشر من البشر، لا يمكن أن يسلم من الأخطاء، المتعمدة أو غير المتعمدة؛ وقلَّ مِن الناس من يتنبّه لأخطائه بنفسه، بل الغالب أن يحتاج إلى أن يكون معه مَن يُنبهه ويوقظه، ويكون له كالمرآة التي يرى فيها عيوبه.

فالمعارضة تحقق التوازن السياسي، وتمنع من الاستبداد الفردي، ومن الجَور في الحكم، ومن القرارات غير المناسبة، وتعين على ضمان الحقوق المكفولة لعموم الناس في الشريعة المطهرة.

* المعارضة والطاعة

ومن الشبهات المشتهرة التي يصرِف بها بعضُ المنتكسين من أهل الأهواء، الناسَ عن المعارضة السياسية، ادّعاؤهم أنها تنافي معنى الطاعة الواجبة لولي الأمر. وهذا غلط في التصور، فإن معارضة الحاكم المسلم -والكلامُ هنا فيه لا في غيره- لا تنافي طاعته، بالمعنى الشرعي الصحيح للطاعة، كما قرّرتُه في المقال السابق. ويكفي أن نستحضر أن تقييد الطاعة بالمعروف، دليل على مشروعية المعارضة في غير المعروف.

إن نصب المناقضة بين الأمرين، ناشئ عن غلو في فهم معنى الطاعة الشرعية، يؤدي إلى ادعاء عصمة الحاكم -بلسان الحال-، بل إلى استصنامه وتأليهه. وهذا الفهم الأعوج مخالف لفعل الصدر الأول من أهل الإسلام كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

* مشروعية المعارضة السياسية

وإذا عُلم هذا، فلا يوجد دليل على تحريم المعارضة السياسية السلمية، بل نحن في هذا الباب مستصحبون لأصل الإباحة.

ويتقوى هذا الأصل بحجج كثيرة، نذكر منها:

أولا: مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهو أصل أصيل دلت عليه نصوص متكاثرة من الوحيين. والمعارضة بالنقد وبيان الأخطاء جزء من إنكار المنكر.

وقد جاء في صحيح مسلم أن أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل فقال: “الصلاة قبل الخطبة”. فقال: “قد ترك ما هنالك”. فقال أبو سعيد: “أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

قال النووي في شرحه: “قال العلماء: ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات بل ذلك جائز لآحاد المسلمين. قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين؛ فإن غير الولاة في الصدر الأول والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاةَ بالمعروف، وينهونَهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية”.

فتأمل هذا مليا، وقارنه بأقوال بعض المعاصرين!

ثانيا: مشروعية النصيحة لأئمة المسلمين، كما دلت على ذلك السنة. ومن النصيحة لهم: إعانتهم على الحق بتنبيههم وإرشادهم وتذكيرهم بحقوق المسلمين إن ضيعوها، وإخبارهم بما قصّروا فيه وانتقادهم في ذلك. وليس من النصح لهم: السكوت عن مخالفاتهم، فضلا عن الثناء عليهم فيها بالثناء الكاذب – كما يفعل من لا خلاق له من المداهنين المتملقين!

ثالثا: مشروعية الدعوة إلى الله وتبليغ الحق. ولا يمكن أن يأمر الشرع بهذا في نصوص كثيرة، ثم يقف بها عند المحكوم، ولا يبلغ بها الحاكم! ومن الدعوة والبيان: إرشاد الحاكم إلى ما قصّر فيه وخالف الشرع وأساء إلى الأمة.

رابعا: مشروعية مقاومة الظلم مطلقا، كما في حديث: “من قُتل دون ماله فهو شهيد”. وتقييد ذلك بظلمِ مَن دون الحاكم يحتاج إلى دليل، بل في فعل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مع أمير مكة والطائف عنبسة بن أبي سفيان حين أجرى ماءً ليسقي أرضه، فاعترض عليه ابن عمر بسلاحه ومواليه، مستشهدا بهذا الحديث، ما يدل على أن مقاومة الظلم تشمل مقاومة ظلم الحاكم أيضا.

خامسا: بعض الأدلة من السنة، منها الحديث المعروف في الصحيح: “بايعنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على السمع والطاعة فى العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف فى الله لومة لائم”.

ونحن نترك التعليق على الجزء الأول من الحديث، فإنه متعلق بأحكام الخروج على ولاة الأمور، ولذلك وقفةٌ في مقال لاحق إن شاء الله. ولكن ننظر إلى الجزء الأخير من الحديث، فإنه يدل على فكرة قول الحق والتعبير عنه مطلقا. وهذا – في مجال العلاقة مع ولي الأمر، وهو سياق الحديث – هو صريح المعارضة السياسية السلمية.

وفي الصحيح أيضا: “ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف (وفي مسند أحمد بإسناد قوي: ثم يأتي من بعد ذلك خوالف أمراء) يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل”.

فتدبر هذه المراتب جيدا، واعلم أن الجهاد باليد لا يستلزم الخروج، بل يكون بإزالة المظالم وتغيير المنكرات كما قرره ابن رجب وغيره؛ وأن الجهاد باللسان هو ما نحن بصدده من المسمى “معارضة سياسية سلمية”.

وجماع ذلك في قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “السلطان يؤاخذ على ما يفعله من العدوان ويفرط فيه من الحقوق – مع التمكن”.

سادسا: فعل الصحابة في إنكارهم على الولاة، وهم أعلم الأمة بمعاني الوحي. وقد تابعهم عبر تاريخ الأمة جمع من الأئمة، لكن تتبع ذلك يطول جدا، ولا يتحمله هذا المقال. وأكثر مَن ابتلي من الأئمة بأذى السلاطين، إنما هو بسبب ممارسته لنوع من أنواع المعارضة السياسية السلمية.

* الإنكار العلني على الحاكم

وقد تكاثرت النقول عن السلف الصالح في الإنكار العلني على الحكام، سواء بمحضرهم أو في غيابهم. وأحيل هنا على كتاب “الحريات السياسية المعاصرة في ضوء فقه الصحابة” للدكتور فهد العجلان، فقد جمع من تلك الآثار طرفا صالحا استغرق ما بين ص475 وص486.

وبعد النظر في هذه الآثار، فإننا نجزم أن مَن ينسب إلى مذهب السلف حرمة الإنكار العلني أو بدعيته، فهو مخطئ خطأ ظاهرا!

نعم، قد اختار بعض السلف في مواقف معينة أن يكون الإنكار في السر. لكن لا يعني ذلك -مع استفاضة الآثار عنهم في الإنكار في العلن- أن الإنكار العلني بدعة، وأن مذهب السلف المستقر هو الإنكار السري فقط. بل الصحيح جواز الأمرين، والتفضيل يكون بحسب المصلحة والمفسدة.

وفي عصرنا هذا، وبعد استقرار وسائل المعارضة في الدولة الحديثة، وتقرر أهميتها، فقد صار من المتجاوَز الحديثُ عن إنكار سري فقط. ويتأكد هذا المعنى، حين يكون الحكام لا يفتحون الباب للإنكار السري، وليس لهم لقاءات خاصة مع العلماء والدعاة المخالفين لتوجهاتهم، بل غالب لقاءاتهم مع سدنتهم والمتملقين لهم. ففي هذه الحالة، تكون حقيقة القول بحصر الإنكار في السري منه، أنه لا إنكار أصلا! وهذا هو الواقع اليوم عند من يتبنون هذا القول في كثير من بلاد المسلمين.

ولنا وقفات أخرى مع موضوع العلاقة بين الحاكم والمحكوم، في مقالات لاحقة بإذن الله تعالى.

والله الموفق.

آخر اﻷخبار
3 تعليقات
  1. بالنسبة لقولك يجب مقاومة ظلم الحاكم فأرد عليك بقوله صلى الله عليه وسلم من كره من أميره شيئا فليصبر فانه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية وهناك احاديث كثيرة لا يسع المقال لذكرها وكذلك عادة السلف في الصبر على ظلم الحكام و اما قولك بجواز نصح الحاكم علانية فهذا خلاف حديث ( من أراد ان ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية ) فهذا حديث صالح لكل زمان ومكان عكس ما ذكرت بقولك ان الأمور تغيرت اليوم ثانيا الم ترى الى ما حصل في سوريا واليمن وليبيا وتونس والعراق من هلك الحرث والنسل خراب ودمار أسر شردت واطفال ذبحوا ونساء اغتصبت السبب واحد وهو الخروج الغوغائي على الحكام بالمظاهرات التي تقول عنها انها سلمية الم تبدأ سلمية في كثير من الدول ثم انتهت بالقتل فخطا واحد قادر على يغير مسيرة الألوف فهنيئا لكم ولاسرائيل وإيران وأمريكا بما حصل لاخواننا بسبب فتاويكم الشاذة وأختم بقول ابن تيمية ( فلا أقاموا دينا ولا أبقوا دنيا )

    1
    1
    1. هذا هوفقه شيخكم المدخلي ومن على شاكلته ’ فقه الانبطاح لحكام السفاهة والجور مع لي أعناق النصوص وتنزيلها في غير موضعها

  2. ما وقع في سوريا و العراق و اليمن و ليبيا سببه هؤلاء الحكام الطغاة الذين تُحرِّكهم إسرائيل و أمريكا. فهل يوجد في هؤلاء الحكام الظالمين من يعارض اليهود والنصارى أو يقاتلهم أو حتى يقاطعهم. بل يفرضون الضرائب على المسلمين و يعطونها لأسيادهم من اليهود والنصارى. وما فعل سلمان منّا ببعيد. أما المسلمين المخلصين من القادة و العلماء والدعاة فهم في السجون.

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M