ظلم الابتداع للذِكر والصحابة وآل البيت (2/2)

30 أبريل 2017 13:21
ظلم الابتداع للذِكر والصحابة وآل البيت (2/2)

هوية بريس – محمد بوقنطار

وفي السياق ذاته يقرر وينص الإمام الطحاوي رحمه الله قائلا: “ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان ومن أحسن القول في أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق”.

  وتجدر بنا الإشارة إلى أن سلف الأمة من أهل السنة والجماعة وكما حازوا المفاوز، وأنجاهم الله من سوء الولغ في مستنقع الوقيعة في زرع الصحابة وشطئه المستوي على سوقه، فكذلك سجلوا وبزاد من التقوى ومداد من الصدق والأمانة وسطيتهم بجميل موقفهم من بيت النبوة وآل العثرة الشريفة لنبينا عليه الصلاة والسلام.

وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في واسطيته موضحا موقف أهل السنة والجماعة من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ويحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله عليه الصلاة والسلام… ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم ومن طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل ويمسكون عما شجر بين الصحابة” انتهى كلامه رحمه الله.

   ولذلك فالكلام عن ملمح الإهمال، الذي يجسده ويمثله الطيف الناصبي، يجب أن يبدأ وأن يؤسس على قاعدة تحكمها الأرقام التي تذهب مذهب الإقرار بالعدد القليل للنواصب مقارنة مع من يمثلون الصف الرافضي، وأن داخل هذه القلة هناك خليط ينضاف من الذين ينتسبون تجوزا ويُحسَبون اعتسافا على أهل السنة والجماعة، أو يُحسَب أهل السنة والجماعة منهم فيرمون بكبيرة معاداتهم لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه فإن أول ما يمكن التسليم به إذن هو التنصيص ابتداء أنه لا يستطيع أحد أن يزايد أو ينكر أن الطابع العام الذي تشبع به وجدان أمة الاستجابة هو معرفة قدر أهل بيت رسول الله تطبيقا والتزاما بوصيته في آل عثرته رضوان الله عليهم أجمعين من باب قوله صلى الله عليه وسلم: “أذكركم الله في أهلي بيتي، أذكركم الله في أهلي بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي” رواه مسلم.

غير أنه وعلى التسليم بما تشبع به الطابع العام من محامد تقدير ومكارم توقير لآل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، فإن هذا لا يمكن أن يحجب ويواري حقيقة أن حبل هذا التوقير والتقدير قد ترهل وتزعزعت عراه حقيقة وتوهما، وذلك بفعل تصول بدعة الرفض وتغولها إقليميا ومحليا وترادف الإمداد والإسناد من الراعي الأول للتشيع الرافضي في العالم، ونعني به دولة إيران المجوسية، خصوصا بعد إسقاط الجدار السني والذي أشرت عليه سقوط بغداد وانهيار حكم صدام حسين رحمه الله…

 وإنما حدث هذا الترهل من هذا التصول والتغول الرافضي، من جهة توهم الكثير في ظل مناخ يسود فيه الطيف الشيعي صائلا معتديا وباغيا، ويفقد فيه التراث التاريخي للأمة مصداقيته على اعتبار الحاجة إلى نخله وتمييز غثه عن سمينه، قلت يتوهم فيه الكثير أن مسألة محبة آل بيت النبي وعثرته الشريفة صارت علامة فارقة، وخصيصة مميّزة ومحتكرة انفرد بها معشر الشيعة دون غيرهم.

ولذلك -وهذا واقع ليس له دافع- كان كلما أفصح عالم من علماء أهل السنة عن واجب المحبة ومكنون التوقير والتعظيم أو استدل بحديث صحيح يحكي عن منقبة من مناقب سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه، أو أشهر في غير غلو ولا تفريط أمام حضور -ربما لم يكن على نسيج واحد في الفهم وتحديد الموقف من قضية الصراع المفتعل بين الصحابة وآل بيت النبي- أحاديث تنتصر للمكانة المتسامية، وسابق الهجرة وعظيم الفضل لواحد من آل بيت النبي، رمي واتهم هذا العالم بالتشيع، بل وشُكك في انتسابه، وتكالبت عليه سخائم العوام بإمرة من المتعالمين في هذا الخصوص.

 ولعل هذا الالتباس يكون قريبا، بل هو عين ما حصل لعبادة الذكر التي صارت بفعل نفس التصوّل والتغوّل الذي مارسه ويمارسه الطقس الرسمي الصوفي المدعوم محليا وإقليميا، مع فارق أن الله قيّد للسنة في هذا المقام رجالا أزالوا عن خالص معدنها الشوائب ودرن الدواخل، وهو الأمر الذي لم يحصل مع ما راكمته يد الجمع والإعمال بخصوص التاريخ الإسلامي وأحداثه ووقائعه…

حيث صار الذكر طاعة محتكرة لها صرح على رأسه شيخ، له إذن، وشرط، ودرجة، ومأوى إغراق وفناء، وشد رحال، ووعد ووعيد، وصك غفران ومفتاح جنان، فلا ذكر أكبر إلا من إحداث شيخ صوفي مرب، ولا إذن ولا قبول إلى من اسم ورسم وطريقة مؤشر عليها بهيأة شطح وحضرة وطواف مكاء وتصدية ما أنزل الله به من سلطان…

حتى عاد من الإغراب، والترامي والفضول، وسوء إسلام المرء، الكلام في طاعة محتكرة غير مأذون لك في التعبد بألفاظها وأورادها النبوية المحضة، والتي مصدرها الشريعة المرجوحة في مقابل الحقيقة الصوفية الراجحة، أو دعوة المسلمين غير المنخرطين في سلك الصوفية إلى محرابها السني الأثري الحسن، بل صار ظهريا غير ذي جدوى النهل من تركة الأذكار النبوية الخفيفة على اللسان، الثقيلة في الميزان، والحبيبة إلى الرحمن، والتي قيل في حق أخذها من السند الموسوم عندهم علوه كما أدناه بعنعنة ميت عن ميت، أنه أخذ يظل وسيبقى دون منزلة ومرتبة الورد المورود الذي أخذه أهل الطرائق عن شيخهم الحي، وأخذه هو عن الحي جل جلاله بغير واسطة ملك مقرب ولا نبي مرسل.

 وهذه قضية من القضايا التي لم يقتحم همّ النوء بحملها وفك الارتباط بوزرها الثقيل الكثير من العاملين في ميدان الدعوة إلى الله على بصيرة، وإنما المراد بالاقتحام المنفي الالتفات إلى قيمة ذلك الشق العاكف على البعد الوظيفي للمدافعة فعلا وسلوكا وصدعا وتحبيرا، لا مجرد قصر الجهد على حبر السطور تلو السطور والضرب صفحا عن إخراج هذا التراث إلى حيز المنظور، ومواجهة القوم بميراثه والصدع بأنفاسه الهاتكة للخلوات المتجرئة بشطحها ورهبانيتها، وميلها كل الميل عن الحق ومنارات الهدى وسبيل النبوات قاطبة.

كما كاد أن يكون من الإغراب والحوم حول حمى التشيع المقيت الصدع والجهر تخبيرا وإيمانا بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد عن عبد المطلب بن ربيعة رضي الله عنه أنه قال لعمه العباس: “والله لا يدخل قلب مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي”.

ويبقى السؤال مطروحا مشهرا في وجه النواصب والروافض مفاد -هلهلته-: “هل كان الإمامان البخاري ومسلم شيعيين وقد أكثرا في صحيحيهما من التبويبات التي تحكي بالتواتر المحمود عن فضائل آل البيت بدءا بمناقب علي رضي الله عنه، ثم مناقب جعفر رضي الله عنه، ثم مناقب فاطمة بنت محمد عليه الصلاة والسلام، ثم الحسن والحسين رضي الله عنهما؟؟؟

كما تبقى علامات التحير والتعجب مطروحة مرفوعة  في وجه الاتجاه العاض بالنواجذ على محدثات الأذكار البدعية، ذلك الاتجاه المنيب في إخبات على عتبة مدّعو النبوة الجدد، ممن لا يعزب عنهم مثقال ذرة في الأرض ولا في السماوات كما هو الزعم القائم والتخرص الصادم، وذلك من جنس من أنشد في عتو وجحود قائلا وبئس القول:

أنا قطب أقطاب الوجود حقيقة — على سائر الأقطاب قولي وحرمتي

توسل بنا في كل هول وشــدة — أغيـثك فـي الأشـياء طـرّا بـهـمـتـي

[email protected]

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M