د. عبد الله الشارف: مشروع تقارب بين المدرسة والكتاب القرآني في البادية المغربية

20 أبريل 2016 14:43
مشروع تقارب بين المدرسة والكتاب القرآني في البادية المغربية

د. عبد الله الشارف

هوية بريس – الأربعاء 20 أبريل 2016

إن التعليم القرآني مكون عظيم من مكونات الحضارة الإسلامية، ورافد أساسي من روافد التراث التربوي والتعليمي في العالم الإسلامي.

كما أن الكتاب القرآني مهد العلماء، والفقهاء، والمفكرين، والمناظرين من أصحاب الفكر والمنطق على مر عصور تاريخنا المشرق.

ولا يخفى على أحد أن الكتاب القرآني، في الوقت الراهن، يعتبر أحد أركان البيت القروي في باديتنا المغربية، وبالتالي فهو مكون جوهري من مكونات الفضاء الديني والثقافي والتربوي، في عالم القرية. ناهيك عما يقوم به من المحافظة على التوازن البنيوي داخل العناصر المكونة للمجتمع القروي. والكتاب القرآني يسهم في استمرارية الخط الثقافي الأصيل، المتجذر في الحضارة المغربية، بدءا من حضارة الأدارسة، ومرورا بالمرابطين، والموحدين، والمرينيين، والسعديين، ثم العلويين.

بيد أن دور الكتاتيب القرآنية بدأ يتراجع عندما أنشئت المدارس في القرى؛ حيث أغلقت أبواب كثير منها، وبقي بعضها قائما. وهكذا بعد أن أقبل القرويون على المدارس وتركوا الكتاتيب القرآنية شبه مقفرة، برزت بعض المشاكل، أذكر منها ما يلي:

 – بعد المدرسة عن كثير من المداشر والتجمعات السكنية.

– فقر معظم القرويين، وعدم استطاعتهم تحمل تكاليف التمدرس.

– عدم القدرة على بعث الأبناء إلى المدينة لمتابعة الدراسة.

– كثير من المعلمين والمعلمات لا يواظبون على الحضور.

– مكونات الفضاء المدرسي في القرى ليست في المستوى المطلوب ولا تلبي حاجيات التلميذ.

– مناخ العملية التعليمية الناجحة غير متوفر.

– التواصل بين المعلمين والآباء القرويين يكاد يكون منعدما.

– معظم الآباء القرويين لا يدركون أهمية المدرسة ووظيفتها، كما أن وضعية المدرسة وفضاءها لا يغريان بالاهتمام.

ومن خلال زيارات قمت بها، خلال التسعينيات من القرن الماضي، والسنوات الأولى من العقد الأول من هذا القرن، لبعض القرى والمداشر الكائنة في قبيلتي بني سعيد وغمارة من إقليمي تطوان وشفشاون، سجلت بعض الملاحظات المتعلقة بواقع التعليم والتمدرس هناك، من بينها:

– نفور معظم أبناء تلك القرى والمداشر من التعليم القرآني.

– إقبالهم على المدارس إذا كانت قريبة من سكناهم.

– لا زالت بعض الكتاتيب متواجدة، لكنها قليلة.

– انقطاع كثير من التلاميذ عن الدراسة قبل السنة السادسة.

– عدم توفر الشروط الصحية داخل الفضاء المدرسي.

– غياب المعلمين بكثرة.

– التلميذ القروي لا يحسن كتابة اسمه بعد سنوات من الدراسة، بله تعلم الحساب أو اللغة الأجنبية.

بيد أنني لاحظت أمرا عجيبا؛ وهو أن الولد الذي أدخله أبوه إلى الكتاب ليحفظ القرآن، متفوق جدا مقارنة بزميله الذي أمضى سنوات من عمره في المدرسة ثم غادرها. فالأول اكتسب من خلال حفظه للقرآن ثقافة عظيمة، غالبا ما يستفيد منها في سلوكه وحياته الاجتماعية، ولن يكون أبدا من الذين التحقوا بطابور الأميين. في حين أن الثاني سيكبر أميا، وسيحتاج إلى تلك الدروس، ويصعب عليه أن ينعم بالمستوى التعليمي والثقافي لزميله القرآني. وهذه المفارقة العجيبة لاحظتها عندما كنت أقضي عطلتي الصيفية في قرية ترغة من قبيلة غمارة.

ومنذ ما يقرب من عقد من الزمان، بدأ كثير من حفظة القرآن القرويين، يلجون أبواب بعض كليات الآداب وكليات جامعة القرويين، وذلك بعد الدراسة والتحصيل لمدة ست سنوات في المدارس العتيقة الموجودة في كثير من المدن المغربية، ثم حصولهم على شهادة باكالوريا التعليم العتيق.

ولقد أبرمت اتفاقيات بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وبين كثير من المدارس العتيقة، قبلت بموجبها هذه المدارس البرنامج التربوي والتعليمي المقترح من قبل الوزارة، حيث تم إدماجه في البرنامج التعليمي العتيق. كما تأسست على إثر هذا التقارب والاتفاق بين الطرفين، مديرية التعليم العتيق الكائنة بالرباط، والتي ترعى شؤون الجانب التربوي والتعليمي في المدارس العتيقة. ومن ناحية أخرى، عقدت وزارة الأوقاف مع وزارة التربية الوطنية، اتفاقية تقضي بنوع من الانفتاح والشراكة بين التعليم العمومي والمدارس العتيقة المدمجة تربويا في رحاب وزارة الأوقاف. وانطلاقا من هذه الاتفاقية، يمكن لتلميذ المدرسة العمومية أن يلتحق، إن شاء، بالمدرسة العتيقة إذا توفرت فيه شروط معينة، والعكس سواء.

وبهذه المناسبة أشير إلى أن كثيرا  من الطلبة الجامعيين الوافدين من المدارس العتيقة خلال السنوات الأخيرة، والذين التحقوا بكليات الآداب، شعبة اللغة العربية أو  الدراسات الإسلامية، وكليتي الشريعة بفاس وأصول الدين بتطوان، يعتبرون من بين الطلبة المتفوقين. وهذا ما لمسته شخصيا أثناء تدريسي في كليتي أصول الدين والآداب، كما أبدى الملاحظة نفسها بعض زملائي الأساتذة.

إن ما أريد أن أخلص إليه من كلامي هذا، هو أن يعمل المسؤولون في قطاع التربية والتعليم وقطاع وزارة الأوقاف، على مد الجسور بين الكتاب القرآني والمدرسة، في القرى والبوادي، وذلك عبر إيجاد طريقة تربوية تلزم تلميذ القرية بالذهاب إلى المدرسة والكتاب القرآني معا. أو بعبارة أخرى ينبغي أن يخصص لهذا التلميذ وقت معين يحفظ فيه القرآن داخل الكتاب القرآني الذي غالبا ما يكون مجاورا للمدرسة.

ولهذه الطريقة مزايا ونتائج إيجابية كثيرة، منها:

1- إن حفظ القرآن يقوي عند التلميذ ملكة اللغة، مما يساعد على تحسين مستوى لغته العربية، ويجعله أكثر استيعابا لكل ما يتعلق باللغة والنحو والإملاء والتربية الإسلامية إلخ.

2- إن الفقيه كثيرا ما يحدث الأولاد الحفظة عن قصص القرآن، وعن الأنبياء والرسل، وصفاتهم، وعن بعض القضايا المتعلقة بالعقيدة والعبادة والسلوك، ويرغبهم في الأخلاق الحسنة.

3- هناك عدد لا بأس به من المعلمين الذين يكثر غيابهم عن المدرسة، فيضيع تلاميذ القرية، لكن إذا كان هؤلاء التلاميذ ملزمين بالذهاب إلى الكتاب القرآني، فإن الخسارة تكون محدودة، لكون التلميذ ظل مرتبطا بالتعليم والتحصيل.

4- إن حفظ القرآن وتعلمه، واستيعاب قصصه، يقوي شخصية التلميذ وإرادته، ويشحذ ذهنه، مما يجعله قادرا على النجاح في كل سنة دراسية، الأمر الذي يجبنه الانفصال عن المدرسة الناتج عن التكرار. وظاهرة الانفصال هذه من أخطر الظواهر التربوية التي تعانيها المدارس القروية.

5- إن حفظ القرآن، الذي عادة ما يكون مقرونا بالصلاة، يجنب تلميذ القرية عوامل الانحراف الأخلاقي والسلوكات الشاذة، ويقوي في ذاته عوامل الاندماج والتكيف الاجتماعي السوي في محيطه القروي.

6- إن هذا التلميذ القروي الحامل لكتاب الله العزيز، إذا ما التحق بالمدينة لمتابعة دراسته في الإعدادية، يكون أقل عرضة للانحراف الأخلاقي والرسوب في الدراسة.

7- هذه المزاوجة المقترحة بين الكتاب القرآني والمدرسة، سيكون لها وقع طيب في نفوس أهالي القرية، لأن كثيرا منهم قد يئسوا من وظيفة المدرسة ودورها في التربية، ولعل الكتاب القرآني يقدم من خلال إشراكه في عملية التربية والتعليم، علاجا أو إصلاحا للوضع المزري.

8- إن التلميذ القروي الذي لم يلتحق بالمدينة لإتمام الدراسة، أو الذي غادر المدرسة بعد سنوات من التعليم، إذا كان حافظا لكتاب الله، فإنه لن يلتحق بطابور الأميين، كما أشرت قبل قليل.

9- إن تشجيع التعليم القرآني، وتعميمه في القرى، إلى جانب التعليم المدرسي، سيكون عاملا أساسيا في تخفيض نسبة الأميين في الوسط القروي.

وأخيرا ألتمس من المسؤولين النظر في هذا المقترح وعرضه على أهل الاختصاص. ولي كامل اليقين أننا إذا استلهمنا تراثنا الثقافي، والحضاري، والديني، والتربوي، وأعدنا قراءة تاريخنا المجيد قراءة علمية ومتأنية، مع الاستفادة من علوم العصر، فإننا سنعثر على الخريطة التي تساعدنا على فهم كثير من القضايا والإشكالات التربوية المتعلقة بالعالم القروي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. عبد الله الشـارف، كلية أصول الدين – تطوان. جمادى الثانية 1437- مارس 2016.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M