هل كل ما يعرفه علماء الأعصاب عن الدماغ البشري مجرد وهم كبير؟!

02 ديسمبر 2021 19:49
حذاري.. 5 أطعمة تؤذي الدماغ

هوية بريس – وكالات

مقدمة الترجمة:
منذ اللحظة الأولى التي ظهرت فيها تقنيات تصوير الدماغ المُتقدِّمة، تراقص علماء الأعصاب فرحا بذلك الكم الهائل من البيانات التي أحدثت ثورة حقيقية في فهمنا لما يُعتبر أدق أجهزة الجسم وأعجبها، لكن في أثناء ذلك كله، يبدو أن هوس العلماء بتقسيم الدماغ إلى مجموعة شبه مستقلة من المناطق الوظيفية، وهي هواية كل عالِم في أي نطاق تقريبا، أوقعنا في أسر قفص من الأفكار صنعناه بأنفسنا، فبِتنا أقل إدراكا للتعقيد الحقيقي للدماغ البشري. في الواقع، هذه المشكلة لا ترتبط فقط بعلماء الأعصاب، بل تنتقل أيضا إلى المواطن في الشارع، وبالتالي فهو كذلك يظن أن أدمغتنا ليست إلا وحدات أو عُلبا لكلٍّ منها وظيفة، والواقع أن الأمر مختلف تماما عما تتصوَّر، لذلك آثرنا في “ميدان” الاهتمام بترجمة هذه المادة الدسمة والرصينة لتتعرَّف إلى حقيقة الأمر.

نص الترجمة
يمكننا اعتبار علماء الأعصاب رسَّامي خرائط دماغية، فهم مَن يُحدِّدون السمات التي تنطوي عليها المناطق الموجودة في الدماغ، والأنشطة التي تقوم بها تلك المناطق، وأسرع الطرق التي تربطها ببعضها، والحدود التي تفصل بينها. تقع مثلا قشرة الفص الجبهي باتجاه مقدمة الدماغ وخلف الجبهة مباشرة، التي تُعتبر مركز التحكُّم، لأنها مسؤولة عن التفكير، والتخطيط، وأداء الأعمال، والحركات الإرادية، والكلام، والتحكُّم العاطفي، ويوجد خلفها القشرة الحركية المسؤولة عن تخطيط الحركة وتنسيقها. أما على الجانبين، فنجد الفص الصدغي، وهو موقع الخلايا العصبية التي تتحكَّم في السمع، واكتساب الذاكرة، ومعالجة المشاعر، وفوقهم القشرة الحسية الجسدية، المسؤولة عن تلقي جميع المعلومات التي تأتي من نظام اللمس وتفسيرها، مثل الشعور بالألم ودرجة الحرارة، وأيضا القشرة البصرية (المسؤولة عن معالجة البيانات البصرية).

لا يقتصر دور الباحثين في الغالب على تصوير الدماغ ووظائفه فقط، وإنما يستخدمون “الطريقة القديمة التي استعان بها صانعو الخرائط”، وذلك وفقا لما ذكرته ليزا فيلدمان باريت، عالِمة النفس في جامعة نورث إيسترن بأميركا حينما قالت: “المشكلة أن علماء الأعصاب يُحلِّلون الدماغ وفقا لما يُلائم اهتماماتهم في الجوانب النفسية، أو العقلية، أو السلوكية، ومن ثم يسندون المهام أو الوظائف لشبكات مختلفة من الخلايا العصبية كما لو كانت عملية تركيب مكعبات، وكأنه يوجد حدود ثابتة وواضحة بين هذه الخلايا”.

الدماغ البشري

مقاربة جديدة للدماغ البشري

لكن الخريطة الدماغية ذات الحدود المُتقنة والدقيقة ليست عملية، فهي تُقدِّم تبسيطا مفرطا للمعلومات، وهي في حقيقة الأمر نظرية مُضلِّلة. تقول عالمة النفس باريت: “ظل العلماء يبحثون لأكثر من مئة عام دون جدوى في محاولة للوصول إلى الحدود الموجودة في الدماغ التي تفصل بين التفكير، والشعور، واتخاذ القرارات، وعمليات التذكُّر، والتحرُّك، وغيرها من التجارب التي نختبرها يوميا”.

نعم، ربما يتفق علماء الأعصاب عموما على كيفية تنظيم الأنسجة الدماغية وتقسيمها إلى مناطق وشبكات وأنواع خلايا معينة، لكن في اللحظة التي ندرس فيها المهام التي قد يؤديها الدماغ؛ مثل الإدراك، أو اكتساب الذاكرة، أو الانتباه، أو العاطفة، أو إصدار أفعال وردود أفعال، “تصبح الأمور أكثر مراوغة وغموضا”، وفقا لما يراه ديفيد بوبل، عالِم الأعصاب في جامعة نيويورك.

لا أحد يشك في أننا نستطيع الرؤية بفضل وجود القشرة البصرية، أو أن القشرة السمعية هي التي تُمكِّننا من السمع، أو أن الحُصين ضروري لتشكيل الذاكرة، وبديهي أن أي ضرر يلحق بهذه المناطق في الدماغ يُضعف تلك القدرات. لكن الذاكرة، على سبيل المثال، تتطلَّب أيضا شبكات دماغية غير الحُصين، في حين يتضح أن الحُصين هو العامل الأساسي للعديد من العمليات المعرفية غير الذاكرة، ونكتشف أحيانا أن مقدار التداخل بين هذه العمليات كبير للغاية لدرجة أن التسميات تبدأ في فقدان معناها.

في هذا الصدد، تقول باريت: “إن فكرة وجود نوع من التماثل القوي بين المناطق العقلية التي يستخدمها علماء الأعصاب لمحاولة فهم الدماغ وبين التطبيق العصبي للأحداث العقلية (مثل الأفكار، والوعي، والإدراك) هي فكرة خاطئة”. يقول بول سيسيك، عالِم الأعصاب في جامعة مونتريال بكندا: “على الرغم من أن وجهة النظر الحالية في علم الأعصاب أدَّت إلى رؤى ثاقبة ومهمة، فإن هذه النتيجة جعلتنا عالقين في فخ يُقيِّد حركة الأبحاث ويخنقها”، ناهيك بأن هذه النتيجة أدَّت أيضا إلى تعطيل تطوير علاجات خاصة بالحالات العصبية والنفسية.

ولهذا السبب يرى علماء النفس مثل باريت وسيسيك وغيرهما أننا إن أردنا فهم كيفية عمل الدماغ حقا، فإننا في حاجة إلى مراجعة المفاهيم التي يتضمَّنها هذا المجال جذريا. وفي الوقت الذي يتصدَّى فيه العلماء لهذا التحدي، فإنهم يكشفون عن سبل جديدة لصياغة أسئلتهم المتعلقة بالدماغ، والتوصُّل إلى إجابات جديدة لهذه الأسئلة، ففي شهر أغسطس/آب الماضي على سبيل المثال، توصَّل أحد الاكتشافات إلى وجود صِلة غير متوقَّعة بين تكوين الذاكرة وتنظيم عملية التمثيل الغذائي.

عندما تمكَّن التصوير بالرنين المغناطيسي وغيره من التقنيات القوية والحديثة من فحص الأدمغة الحية بطرق متطورة ومعقدة للغاية، انتاب علماء الأعصاب الحماس وبدأوا في البحث عن الأساس المادي لقدراتنا العقلية، قاطعين بذلك أشواطا كبيرة في فهم الأسس العصبية لعمليات الإدراك، والانتباه، والتعلُّم، وتكوين الذاكرة، واتخاذ القرارات، والتحكُّم في العضلات الحركية، وغيرها من التصنيفات التقليدية التي تُعبِّر عن النشاط العقلي. لكنهم اكتشفوا أيضا أدلة مُقلِقة تُشير إلى أن تلك الفئات التي تُعبِّر عن النشاط العقلي والشبكات العصبية التي تدعمها لا تعمل كما هو متوقَّع، إذ لا يقتصر الأمر على تجاوز بنية الدماغ للحدود الثابتة التي تفصل بين الفئات العقلية، ولكن كما تقول باريت: “تتداخل وظائف هذه الفئات مع بعضها للغاية لدرجة أن شبكة الدماغ الواحدة يمكن أن تملك وظائف مستعارة أكثر من شارلوك هولمز نفسه”.

توصَّلت ورقة بحث حديثة إلى أن ثلثي الدماغ مثلا يشارك في الحركات البسيطة للعين، في الوقت نفسه الذي ينشط فيه نصف الدماغ أثناء عملية التنفس. لا تقتصر أزمة الهوية هذه على المراكز العصبية للإدراك أو الوظائف الإدراكية الأخرى، وإنما يمتد الأمر إلى أبعد من ذلك، إذ اعتقد العلماء مثلا أن وظيفة المخيخ (وهو جزء صغير من الدماغ الخلفي لجميع الفقاريات) مقتصرة على التحكُّم الحركي (تنسيق الحركة)، لكنهم اكتشفوا فيما بعد أنه يلعب دورا أساسيا في عمليات الانتباه، وتنظيم العواطف، ومعالجة اللغة، واتخاذ القرارات. وبالمثل، نجد أن العقد القاعدية، وهي جزء آخر من الدماغ، والمرتبطة عادة بالتحكُّم الحركي، تتدخَّل في العديد من العمليات الإدراكية رفيعة المستوى.

مشكلات منهجية ومفاهيمية

يعود أصل هذه النتائج المحيرة إلى مشكلات منهجية. فمثلا، لإيجاد المكان الذي يقوم فيه الدماغ البشري بوظائفه المختلفة، يربط علماء الأعصاب عادة العمليات الإدراكية بأنماط محددة من نشاط الدماغ التي تُقاس بالرنين المغناطيسي، ولكن تُشير الدراسات إلى أن الباحثين في حاجة إلى أن يكونوا أكثر انتباها إزاء التشنجات العضلية والتورمات التي قد تُشوِّش على القراءات (التي يُظهِرها الرنين المغناطيسي).

يعتقد جيورجي بوزاكي، عالِم الأعصاب في كلية الطب بجامعة نيويورك، وعلماء آخرون أن النتائج الأخيرة تُسلِّط الضوء أيضا على مشكلات مفاهيمية أعمق في علم الأعصاب، فيقول: “نُقسِّم وظائف الدماغ وفقا لما تبنيناه من أفكار سابقة، مفترضين خطأ أن تلك الأفكار السابقة لها حدود، وأن هذه الحدود نفسها يمكن أن تُقسِّم الدماغ”. في عام 2019، بدأ راسل بولدراك، وهو طبيب أعصاب بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا، بالتعاون مع زملائه في اختبار مدى ملاءمة التقسيمات المُعترَف بها للوظائف العقلية المحددة لها.

brain

جمع هؤلاء العلماء قدرا هائلا من البيانات السلوكية التي حصلوا عليها من التجارب المصمَّمة لاختبار جوانب مختلفة من التحكُّم المعرفي، بما في ذلك الذاكرة العاملة، وتثبيط الاستجابة، والتعلُّم، ثم استعانوا بالتعلُّم الآلي لإجراء هذا الاختبار مجددا. (التعلُّم الآلي هو أحد فروع الذكاء الاصطناعي الذي يُركِّز على استخدام البيانات والخوارزميات لمحاكاة الطريقة التي يتعلَّم بها البشر وتحسين دقته تدريجيا). خالفت الفئات الناتجة جميع التوقُّعات، وخلطت بين الفئات التقليدية للنتائج المعروفة لوظائف الدماغ، وصنَّفتها في مجموعات جديدة. تعليقا على ذلك، يقول بولدراك: “بيد أن هذه التصنيفات (الفئات) تتوافق معا من حيث بنيتها العامة”، تلك التركيبات التي لم نُطلق عليها أسماء بعد، التي ربما لا علاقة لها مباشرة بتجربتنا الواعية.

توصلتْ دراسة أخرى أجراها زملاء بولدراك إلى أن التجارب التي تهدف إلى قياس عمليات الإدراك أو الذاكرة “لم تكن في حقيقة الأمر تقيس التركيبات المختلفة للعمليات الإدراكية”، كما صرَّح بولدراك مؤكدا: “إن وظائف هاتين الفئتين -الإدراك والذاكرة- ليست دقيقة، ولا أعني بحديثي أن هذين المصطلحين لا يُجديان نفعا، ولكن إذا أردنا فهم وظائف الدماغ حقا، فربما نحتاج إلى الاستعانة بطرق أكثر دقة لفهم وظائف معينة في الدماغ”.

يستكمل بولدراك حديثه قائلا: “حقيقة أنه ليس من الواضح حتى كيفية تمييز اختبارات الإدراك عن اختبارات الذاكرة تُشير إلى أن تركيب هذه الأقسام/الفئات قد لا يدل في الواقع على السمات التنظيمية الحقيقية التي تُشير إلى وظائف العقل”. يعترض بعض العلماء على آراء بولدراك بحجة أن معرفتنا أن دور القشرة البصرية لا يقتصر فقط على الرؤية، أو أن شبكة الذاكرة تُحقِّق أكثر مما يوحي اسمها، لا يعني بالضرورة الحاجة إلى إعادة التفكير في التصنيفات نفسها وما تنطوي عليه وظيفة كل فئة، من ضمن هؤلاء العلماء كان جون كراكوير، عالِم الأعصاب في جامعة جونز هوبكنز بالولايات المتحدة، الذي علَّق قائلا: “في بعض الأحيان، يمكن أن يكون استخدام مصطلحات غامضة وعامية جدا له آثار ضارة على أنواع التجارب والفرضيات التي نُنتجها”.

معضلة الجسم اللوزي

يرى جوزيف ليدوكس، عالِم الأعصاب بجامعة نيويورك، والمشهور بعمله الرائد في الجسم اللوزي المعروف غالبا باسم “مركز الخوف في الدماغ”، أن هذه الصياغة التي يستخدمها الآخرون لتقديمه خاطئة للغاية، بل وضارة جدا (حينما يتعلق الموضوع فيما بعد بتخصيص العلاجات)، ويشرح ذلك بقوله: “على مر السنين، ظل الناس يُقدِّمونني بصفتي شخصا اكتشف كيفية انبعاث مشاعر الخوف من الجسم اللوزي، لكنني كنت أنفر دائما من اختيارهم لهذه المصطلحات أثناء تقديمي، وفي النهاية اكتفيت من كل هذا الالتباس، وتعيَّن عليّ توضيح سبب انزعاجي”.

أمضى ليدوكس العقد الماضي يؤكِّد أن الجسم اللوزي لا علاقة له مطلقا بتوليد الخوف، وأشار إلى أن الخوف هو تفسير إدراكي لموقف ما، وتجربة ذاتية مرتبطة بالذاكرة وعمليات أخرى، بمعنى أن الظواهر النفسية التي يختبرها بعض الناس على أنها خوف قد يراها الآخرون شيئا مختلفا تماما، وتُظهِر الأبحاث أن الشعور بالخوف ينشأ في قشرة الفص الجبهي ومناطق الدماغ الأخرى التي لها صِلة بذلك. في حين نجد على الجانب الآخر أن الجسم اللوزي يشارك في معالجة التهديدات والتصدي لها، وهي آلية سلوكية وفسيولوجية قديمة نتبنَّاها بلا وعي منا. في هذا الصدد، يقول ليدوكس: “تُظهِر الأدلة أن الخوف ليس دائما العامل الذي يُحفِّز سلوكياتنا أو ردود أفعالنا”.

يُكمل ليدوكس حديثه قائلا إن تسمية الجسم اللوزي بمركز الخوف قد يبدو عاديا وغير مؤذٍ في شيء، لكن تظهر عواقب ذلك فيما بعد حينما تلتصق جميع السمات التي تدل على الخوف بالجسم اللوزي”. يمكن أن يعرقل هذا الخطأ محاولات تطوير الأدوية ويُشوِّهها، بما في ذلك الأدوية التي تهدف إلى تقليل الشعور بالقلق.brain

عندما يختبر العلماء العلاجات المحتملة على الحيوانات تحت الضغط، وتُظهِر الحيوانات قدرا أقل من الإثارة الفسيولوجية، فعادة ما تُفسَّر هذه النتائج على أنها انخفاض في مستويات القلق أو الخوف. في هذا الصدد، يقول ليدوكس: “يمكن للدواء أن يُغير الاستجابات السلوكية أو الفسيولوجية لشخص ما -وهي النتائج الخاصة بالجسم اللوزي- دون علاج مشاعر القلق، لذا فإن مجال الأعصاب بأكمله يُعاني بسبب هذا الالتباس”.

يزيد الأمر تعقيدا مع ميل العلماء حديثا لتقسيم وظائف كل منطقة في الدماغ، لأن مشاركة الأنظمة العصبية في وظائف معينة لا يعني مشاركتها إما في كل شيء وإما لا شيء مطلقا، ويتوقَّف الأمر أحيانا على تفاصيل الجزء الذي يحتاج إلى المعالجة. دعنا نُلقِ الضوء مثلا على وظيفة الجزء الوسطي للفص الصدغي الذي يُسمى بـ “القشرة المحيطية”، وهو مُكوِّن رئيسي في نظام “الذاكرة” الكلاسيكي في القشرة الدماغية (ويلعب دورا في معالجة المدخلات الحسية، وفهم اللغة، والاحتفاظ بالذكريات المرئية، وتجهيز المشاعر وتذكُّرها).

لاختبار ذلك، أجرت إليزابيث موراي من المعهد الوطني للصحة العقلية وآخرون تجارب طلبوا فيها من البشر والقرود اختيار صورة واحدة يميلون إليها من أصل صورتين متشابهتين ولكن بدرجات متفاوتة، حيث توصَّلوا إلى أن دور القشرة المحيطية (الموجودة بالفص الصدغي) يَظهر فقط عند وجود قدر معين من التداخل في السمات بين الصورتين. أما إذا كانت الصور أكثر أو أقل تشابها، فإن القشرة المحيطية لا علاقة لها بمدى جودة أداء البشر أو القرود في اختيار الصور. وبالمثل، اكتشف الباحثون أن القشرة الصدغية السفلية المسؤولة عن الإدراك البصري (المعالجة البصرية)، تلعب دورا أساسيا في مهام الذاكرة، ولكن يقتصر دورها على سياقات معينة فقط.

يرى عالِم الأحياء العصبية المتقاعد ستيفن وايز، أن النتائج تُشير إلى أنه بدلا من تصنيف المناطق القشرية وفقا لوظائفها البصرية أو السمعية أو الحسية الجسدية أو التنفيذية المتخصصة، فإن على الباحثين أن يدرسوا التركيبات المختلفة للمعلومات التي تُمثِّلها هذه المناطق. قد تُشارك منطقة واحدة في تمثيل مجموعات بسيطة من السمات، في حين تتطور مناطق أخرى لتُمثِّل مجموعات أكثر تعقيدا من السمات المرئية، أو مجموعة من المعلومات السمعية أو الكمية.

تقسيم جديد للدماغ

يقول وايز إن المخطط الذي قسَّم الدماغ إلى مناطق عديدة يُفسِّر سبب وجود الكثير من التداخل غير المتوقَّع بين وظائف هذه المناطق التي تُمثِّل النشاط العقلي، فعندما تُمثِّل كل منطقة مجموعة من الوظائف، فإنها بذلك قد تساهم في مهام متعددة مثل الذاكرة، والإدراك، والانتباه، والتحكُّم في الأفعال، وهذا هو السبب أيضا في أن المهام المتعلقة بعمليات الإدراك والذاكرة التي استخدمتها موراي في تجاربها تضمَّنت وجود القشرة المحيطية في بعض الأحيان فقط، فمع تغير الصور في كل مهمة، تتغير مجموعة السمات التي تميزها.

إن وجهة نظر وايز هي إحدى الطرق لإعادة التفكير في التقسيمات الفرعية للدماغ، ففي حين يتفق الباحثون على أن قائمة الأجزاء التي توجِّه معظم البحوث العلمية العصبية تتضمَّن مشكلات، فإننا نرى القليل من الإجماع على كيفية التعامل مع هذه المشكلات والتصدي لها. لكن المشكلة أن العلماء المؤيدين لإعادة التفكير جذريا في كل ما يخص هذا المجال يواجهون صعوبة في تحديد الخطوط العريضة التي يجب اتباعها.

تأكيد لذلك، يقول لويز بيسوا، عالِم الأعصاب في جامعة ماريلاند بالولايات المتحدة: “من السهل التحدُّث عن المشكلات التي تواجهنا وإظهار أن الأمور لا تسير جيدا، لكن الجزء الصعب الآن هو كيف سنحل هذه المشكلات، وكيف ستسير الأمور فيما بعد، فكثيرا ما ضبطت نفسي أستخدم مجموعة كبيرة من المصطلحات التي لطالما انتقدت استخدامها. الأمر بالغ الصعوبة، إذ كيف يمكنني أن أتحدث عن كل شيء في هذا المجال دون استخدام مصطلحات على غرار؛ الانتباه، والعاطفة، والتحفيز؟

يُعَدُّ بول سيسيك، عالِم الأعصاب في جامعة مونتريال، واحدا من عدة باحثين بدأوا في إعادة بناء الفئات (التصنيفات) المفاهيمية للدماغ من منظور تطوري، فعلى مدى السنوات الخمس الماضية، كان يشق طريقه بصعوبة بالغة في ذلك المضمار. يقول سيسك: “إن التقسيمات الوظيفية للمناطق المختلفة الموجودة في الدماغ تتمتع في الواقع بتاريخ تطوري، فإذا تمكَّنَّا من التعرُّف إلى هذا التاريخ، فسيساعدنا ذلك على اكتساب فهم أفضل للمفاهيم الموجودة في علم الأعصاب”.

brian

استخدم سيسك بالفعل تقسيمه الجديد لأنشطة الدماغ لتفسير السبب في أن العقد القاعدية مثلا تلعب دورا رئيسيا في بعض المهام المتعلقة باتخاذ القرارات دون غيرها، ويوضِّح ذلك بقوله: “عليك أن تدرك جيدا أن كلا المصطلحين، اتخاذ القرار أو الانتباه، لا علاقة لهما بوظائف الدماغ، وإنما المسؤول عن هذه التصرفات هي بعض الدوائر العصبية، إذ تُحفِّزنا هذه الدوائر للاقتراب من شيء ما أو تجنُّب هذا الشيء، فتظهر بعض هذه التصرفات على أنها انتباه”.

يتبنى بوزاكي وجهة نظر مماثلة، فيقول: “علينا البحث في آليات عمل الدماغ أولا، ولماذا تطورت هذه الآليات وكيف وصلتْ إلى هذه النقطة. فمثلا، تُشفَّر جزئيا جميع الذكريات والأحداث المعتمدة على خيالنا عن طريق الآليات العصبية نفسها، ويُعَدُّ هذا أمرا منطقيا من منظور تطوري، لأن بإمكاننا إعادة استخدام النظام نفسه لأغراض مختلفة، لذا لعله من الأفضل لو فكَّرت في جميع هذه الآليات باعتبارها آلية عمل واحدة”.

أدَّى هذا النهج بالفعل إلى بعض الاكتشافات المثيرة للاهتمام، لسنوات طويلة، درس بوزاكي التموجات الحادة، وهي نوع من نشاط الدماغ يوجد في الحُصين، ومسؤول عن تخزين الذكريات واسترجاعها، لكن في شهر أغسطس/آب الماضي، نشرت المجلة العلمية البريطانية “نيتشر” (Nature) ما توصَّل إليه طالب الدكتوراه السابق ديفيد تنجلي وآخرون معه يعملون في مختبر بوزاكي حينما اكتشفوا وظيفة جديدة تماما لهذه التموجات الحادة، وهي مساهمتها في تنظيم مستويات السكر في الدم. تعليقا على ذلك، يقول بوزاكي: “نحن بذلك نربط بين عمليتين مختلفتين تماما؛ عملية أيض أساسية، وعملية إدراكية عالية المستوى”. في النهاية يتطلع الفريق إلى الكشف عن علاقة أعمق تربط بين هاتين العمليتين، والحصول على رؤى مُعمَّقة حول كيفية استخدام التموجات الحادة في أغراض أخرى مثل تكوين الذاكرة.

الأساليب البديلة لدراسة الفئات العقلية ممكنة أيضا، فمثلا تُفكِّر عالمة النفس باريت وعلماء آخرون في ربط نشاط عصبي كامل للدماغ بمجموعة متنوعة من السلوكيات في الوقت نفسه. تعليقا على ذلك، تقول باريت: “إنك تدرس النظام بأكمله بينما تتفاعل أجزاؤه”، لذا يمكننا الآن التعامل مع الفئات الوظيفية مثل الذاكرة والإدراك والانتباه على أنها “سِمات تميز الحالات الدماغية”.

بسبب المجموعات الغريبة من النتائج والمناقضة للبديهة التي ظهرت في الدراسة السابقة لعالِم الأعصاب الأميركي بولدراك، والمتعلقة بالبيانات السلوكية، لا يزال الأخير مهتما بعمليات البحث الخالية من النمذجة وبناء فئات/أقسام عقلية جديدة. لكن المشكلة أن لدى جميع هذه الحلول المحتملة أوجه قصور، تُعلِّق باريت بقولها: “إنك لا تقيِّم نهجا جديدا اعتمادا على الأسئلة التي يجيب عنها وفشل النهج القديم في الإجابة عنها، لكن بدلا من ذلك، يمكنك تقييمه على أساس نوعية الأسئلة الجديدة التي يُحفِّزها في عقلك. لا توجد طريقة صحيحة للنجاح في ذلك، إما أن تسلك طرقا أفضل، وإما يقع اختيارك على طرق أسوأ”.

يوافق بولدراك على وجهة النظر هذه قائلا: “لا أعتقد أن أيًّا منا يريد أن يمنع الناس من استخدام كلمة مثل “الذاكرة” بعد الآن، لكن لفهم وظائف الدماغ، قد نحتاج إلى أن نتحدى حدسنا حول الطريقة التي تعمل بها أدمغتنا، وهي الطريقة نفسها التي تتحدى بها ميكانيكا الكم فهمنا للظواهر الفيزيائية في العالم”.

وثمة اعتبار آخر مهم يتمثَّل في مدى أهمية وضع رؤية جديدة لهذا المجال في نهاية المطاف. تعليقا على ذلك، يقول جون كراكور، عالِم الأعصاب في جامعة جونز هوبكنز بالولايات المتحدة: “قد تكسب الكثير من المعرفة خلال البحث في هذا المجال، لكن في المقابل قد تخسر فهم نفسك”، ويستكمل كراكور حديثه موضِّحا أنه عندما نتساءل كيف يعمل الدماغ، فنحن نعني: ما الذي يحدث في أذهاننا عندما نقع في الحب؟ أو حينما يتملَّكنا الحماس؟

يخشى عالِم الأعصاب أن نبتعد كثيرا عن تجاربنا الذاتية التي اختبرناها والمفاهيم المألوفة بالنسبة لنا، لأن ما نتعلَّمه عن الدماغ قد يشبه الرقم “42” في رواية الخيال العلمي الهزيلة (دليل المسافر إلى المجرة)، حيث توصَّل حاسوب عملاق إلى “الإجابة” عن سر الكون والحياة وهو الرقم “42”. نعم! الإجابة صحيحة، ولكنها ليست للسؤال الذي يدور في أذهاننا. يتساءل كراكور في النهاية: “هل نحن مستعدون حقا للعيش مع إجابات صحيحة ولكنها لا تتوافق مع أسئلتنا؟”.

————————————————————————————–

ترجمة: سمية زاهر.

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M