سبعة رجال بين أحمد عصيد وجهادي الحسين؟

07 ديسمبر 2013 16:27
عن واقع نقل صلاة الجمعة تساؤلات واستفهامات؟؟؟

محمد وراضي

د. محمد وراضي

هوية بريس – السبت 07 دجنبر 2013م

هل يحتاج الباحثان اللذان ظهرا على شاشة القناة المغربية الأمازيغية منذ أسابيع إلى معلومة، من شأنها إن هما أخذا بها، وإن هما أدخلاها في حسبانهما أن يراجعا بعضا مما أمضيا عليه وهما يحاولان إبراز دور الأمازيغ في نشر الإسلام بالربوع المغربية، وإثراء أسواق الكتب بمواد علمية وثقافية مكتوبة باللغة العربية الفصحى مرة، ومكتوبة بالأمازيغية مرة، إنما بحروف عربية.

دون أن تتاح فرص كتابتها بحروف تيفيناغ على مدى أربعة عشر قرنا من اعتناق المغاربة لدين الإسلام، بعد أخذ ورد، كما قال ابن خلدون في كتاب “العبر وديوان المبتدأ والخبر”. وكان تيفيناغ لم يكن لها وجود! أو مضت أزمان طويلة على وفاتها!!!

إن مراعاة النقدين: الخارجي والداخلي -ونحن نتعامل مع النصوص التاريخية المتوفرة كما أكد لنا صديقنا الأستاذ جهادي الحسين- من الشروط التي تمكن من فهم النصوص التي لم تكن ولن تكون -إن هي خالية من الدس والتدليس- غير مرآة عاكسة لما قد جرى، لأن التاريخ علم موضوعه الأحداث الإنسانية في الماضي، وبما أنه علم -وهذا من المفروض أن يعرفه أحمد عصيد كأستاذ للفلسفة- لا بد أن يخضع -وربط بعضه ببعض قائم على قدم وساق- لمنهج تجريبي، غير بعيد في خطوات تطبيقه عن المنهج المتبع في كافة العلوم الطبيعية، ولو أن موضوع علم التاريخ، غير موضوع علم الفزياء، والكمياء، والبيولوجيا.

نقر بأن لدينا وثائق، إنما كيف يتم لنا التعامل معها من حيث الشكل ومن حيث المضمون؟ أو لا يلزمنا أن نعرف تاريخ كتابتها، لأن الأحداث في كل الأحوال تجري داخل الزمان والمكان. وتجري -إن جرت بالفعل- على يد شخص أو أشخاص، كما يلزمنا أن نعرف بأي نوع من المداد كتبت، وعلى أي نوع من الورق، وبأي خط، قبل أن نمارس عليها النقد الداخلي. أما أن نجمع الوثائق ونسجلها غير واضعين في الاعتبار ترتيبها الزمني والمكاني. فإننا لم نمارس في الحقيقة عملية “تأريخية” لغياب بوصلة النقد التي تميز لنا بين اتجهات أربعة: تاريخ دقيق. ومكان محدد. وأحداث لا يتسرب أدنى شك إلى كونها واقعة بالفعل. وتقديم علل مقنعة لوقوعها حتى لا يترك أي مجال للقول بأن وراءها مجرد صدفة!

مع التنبيه إلى أن التسلح بالانتماء المذهبي والسياسي والأيديولوجي والعصبي والفكري، يعيق اعتماد الموضوعية بخصوص قضايا تمس الباحث في أعماق قلبه، أو في ميله الذهني والعاطفي، فكوني من الشيعة أو من المرجئة، أو من الخوارج، أو من المعتزلة، أو كوني من العرب، أو كوني من الأكراد أو من الأمازيغ، لا يبرر ابتكار حجج عليها تقوم مشروعية انتمائي! فتاريخ الإسلام قدم لنا فرقا لم تقف -وهي تبحث عما يؤيد مشروعية وجودها- عند حد تأويل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. بل إنها تجاوزت هذا النهج لتضع مقولات وممارسات ذات صبغة دينية، ثم تنسبها إلى الرسول أو إلى بعض من صحابته! وأخشى ما نخشاه أن يسقط الباحثون عندنا في مثل هذه الأفخاخ، فقط لرفع راية طائفتهم أو فرقتهم خفاقة عالية.

ونموذجنا الذي سار ويسير في هذا الاتجاه المفترض، ما شاهدناه وسمعناه لمرات في برنامج “الشؤون الأمازيغية” الذي يشرف على تقديمه أحمد عصيد. فالأسئلة التي يلقيها الرجل على ضيوف برنامجه، تحمل -كما يقال- على إبراز “الإنية” أو “الأنا” إلى حدّ أن الضيف الذي عليه الإجابة عن الأسئلة الموجهة إليه، يحرص على أن تكون إجابته متضمنة لما يتوقع منه السائل الرد به على أسئلته! وكأن الضيف والمضيف اتفقا سلفا على تحديد ماهية الخطاب الذي عليهما إبلاغه إلى جمهور المشاهدين المتلقين!

نموذجنا لا يخرج عن مناقشة أستاذ التاريخ: جهادي الحسين، وأستاذ الفلسفة: أحمد عصيد في موضوع سبعة رجال المعروفين في الأوساط الشعبية بـ”رجراجة الأحرار”. بعيدا عن الرواية التي تقول: إنهم عشرة. فماهي قصتهم بالتحديد؟ وما الذي نستفيده إن نحن أكدنا لمن نخاطبهم بأنهم أمازيغ؟ وأنهم ساهموا في نشر الإسلام بالجنوب المغربي قبل قدوم الفاتحين لنشره في كافة ربوعه؟ وفي أية ظروف وضعت الحكاية عنهم كرجال حقيقيين متى افترضنا أن لا وجود لهم إلا في مخيلتنا نحن المغاربة، لا في واقعنا التاريخي؟

إن اهتمامي بسبعة رجال، كان منذ عقدين ونيف، وأنا حينها أعالج موضوع: نشأة التصوف المغربي. وأثار انتباهي ما ورد في “الحلل السندسية” للوزير السراج التونسي حيث يقول: “إن ببلاد المغرب مقبرة فيها عشرة من الصحابة، بعثهم أهل المغرب رسلا لرسول الله ص. فدخلوا مسجده الشريف. فلما وقفوا سألوا عنه بلسانهم “أذا مازان إربي”. وهي كلمة بربرية. فـ”أذا” معناها: أين. و”مازان” معناها: رسول. و”إربي” معناها: “ربي”. فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أشكاب” معناه والله أعلم: أي شيء تريدون؟”.

والرجال العشرة المذكورين هنا، جاء في رواية أخرى أنهم سبعة، وهم الذين كان الناس يحترمونهم “ويستجيبون لتوجيهاتهم باعتبارهم أشرف قبائل مصمودة”. كما تحدث عنهم بالتفصيل الدكتور حسن جلاب في مؤلفه القيم: “الحركة الصوفية بمراكش وأثرها في الأدب”.

مع استغراب أن يتعدد وجود سبعة رجال في جهات مغربية أخرى غير الشياظمة وغير مراكش. وفي بلدان أخرى غير المغرب بالذات. واستغرابي حملني على النظر في الموضوع المثار من منطلق عدم ارتياحي إليه كفرض مبدئي يتطلب إخضاعه للتجريب، كما يخضع الفزيائي فروضه لها داخل المختبر:

1- ما ورد في “التشوف إلى رجال التصوف” لابن الزيات (ت. 617هـ). فقد قال أبو زيد الدقاق: “رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم عند أحد أبواب مراكش فقلت له: يا رسول الله. أفي هذا البلد أحد من الأولياء؟ فقال: فيه سبعة. فقلت: يا رسول الله من هم؟ فقال لي: هؤلاء! فإذا بسبعة رجال خرجوا من الباب. ما عرفت منهم إلا أحمد بن محمد الغساني المعلم”!

2- لم يرد ذكر لسبعة رجال عند صاحب “التشوف إلى رجال التصوف” الذي حققه البودشيشي المخلص لشيخه ولطريقة شيخه: وزير الأوقاف الحالي أحمد التوفيق.

3- في مصنف عبد الرزاق وقفنا على قوله صلى الله عليه وسلم: “لا يزال في أمتي سبعة، لا يدعون الله بشيء إلا استجاب لهم. بهم تنصرون وبهم تمطرون”!!! وبناء على هذا الحديث الذي لا نطمئن إليه. نستخلص كيف أن الرجال السبعة يتجددون. فإن توفي أحدهم تم استبداله بآخر! مما يعني أن دور سبعة رجال رجراجة على افتراض أنهم ليسوا مجرد خرافة، قد انتهى منذ أزمان إلى غير رجعة! وكذا انتهى دور سعة رجال مراكش!!!

4- سبعة رجال هم في الدوائر الصوفية سبعة أبدال. هؤلاء الذين “يسافر أحدهم عن موضع ويترك فيه جسدا على صورته، بحيث لا يعرف أحد أنه فقد، وذلك معنى البدل لا غير” كما ورد في “اصطلاحات الصوفية” لكمال الدين عبد الرزاق القاشاني.

5- سبعة رجال إذن كأمازيغ وكعرب، وراء تحديد هويتهم دافع هو إما ديني وإما سياسي، وهذا ما يفسر به وجودهم في أكثر من منطقة. فهناك سبعة رجال تلمسان! وسبعة رجال بني عروس. وهم عبد السلام بن مشيش ووالده وإخوته! يقوم سكان شفشاون بزيارتهم يوم الثالث من المولد النبوي!!! وهناك سبعة رجال فاس بحي المصلى. وبالفنيدق قرب تطوان: قبة سبعة رجال! ومسجد سبعة رجال!

وتحدث المقريزي في “خططه” عن سبعة رجال مصر بكامل أسمائهم! كما أن الجزائر تتوفر كذلك على رجالها السبعة!!!

فصح أن التسابق والتسارع إلى استغلال الأثر النبوي -الذي لا نسلم بصحته لأسباب ليست هذه مناسبة الخوض فيها- أدى إلى ادعاء كل جماعة، أو كل جهة بأن لديها سبعة رجال، هم حماتها الذين ينظمون إليهم زيارات في أوقات محددة، خاصة عندما تحل بهم كوارث، أو يصيبهم قحط، أو ينزل عليه وباء بعينه، بل ويقومون بزيارتهم والذبح عند قبورهم متى عزموا على غزو من والاهم أو من اعتدى عليهم لدوافع سياسية أو لدوافع أخرى غيرها! وبما أن العلويين في أول أمرهم على دراية بسبعة رجال رجراجة عند الشدائد، أحدثوا سبعة رجال مراكش كعرب، لا كأمازيغ! فكان أن تم القدوم إلى زيارتهم سعيا وراء تقليص أعداد من يذهبون إلى زيارة سبعة رجال أمازيغ في منطقة آسفي؟؟؟

ولما تأكد ما وراء التهافت على ابتداع سبعة رجال -حتى وإن لم يكونوا متجانسين كحال سبعة رجال مراكش- عدت لأدقق أكثر في حقيقة الرجال السبعة الذين يشاع بأنهم قدموا على الرسول إلى المدينة. فكان أن تحدث إليهم بلغتهم الأمازيغية. وكان أن أسلموا على يديه ليعودوا إلى بلدهم حيث مارسوا على التو الدعوة إلى الإسلام كما يقال. وقد دفع بي تدقيقي في حقيقة أمرهم إلى تسجيل المآخذ الآتية:

1- لم تسلم البلدان التي انتشر فيها الإسلام خارج شبه جزيرة العرب من محاولات لوضع رجالها وبعض من مدنها في الواجهة. وذلك للفت الأنظار إلى دور أولئك الرجال، وإلى دور تلك المدن في الدفاع عن الدين وعن تفعيله، بل حتى إلى الافتخار بما خصها به رسول الله صلى الله عليه وسلم من امتداح لم يخص به ما سواها! وذلك حتى لا ينحصر فضل خدمة الدين في العرب وحدهم دون غيرهم من بقية شعوب العالم.

2- على هامش “لطائف المنن” لابن عطاء الله السكندري، أورد عبد الحليم محمود قوله صلى الله عليه وسلم: “الأبدال في أهل الشام. فبهم ينصرون وبهم يرزقون”!!! والمعروف أن هناك متدخلين كثر لامتداح الشام لأنها مقر الدولة الأموية الناشئة! إنها السياسة إذن كدافع للكذب على الرسول ص؟

3- وفي “رياض النفوس” لأبي بكر المالكي، وقفنا على قوله صلى الله عليه وسلم: “من رابط بالمنستير ثلاثة أيام وجبت له الجنة. قال أنس: بخ بخ يا رسول الله”!!! والمنستير مدينة بتونس. وهذا الحديث الموضوع إنما يفهم في إطار تشجيع الجيش الإسلامي الفاتح القادم من المشرق على تحمل البقاء خارج البلاد التي انطلق منها إلى الشمال الإفريقي!!!

4- وفي”التشوف إلى رجال التصوف” ورد قوله صلى الله عليه وسلم: “لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة”. فتحمس صاحب الكتاب للتدليل على أن أهل الغرب هم المغاربة! واقتفى أثره وأثر ابن عربي الحاتمي، عبد السلام ياسين في كتابه: “الإسلام بين الدعوة والدولة”. مما اضطرني إلى تكذيب ما ادعاه هذا الثلاثي المتناغم في مؤلفي “خريج المدرسة البودشيشية المشبوهة: عبد السلام ياسين” من ص 196 إلى ص218.

5- في “الأزهار العاطرة الأنفاس” عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ستكون بالمغرب مدينة تسمى فاسا. أقوم أهل المغرب قبلة!!! وأكثرهم صلاة!!! أهلها على السنة والجماعة!!! ومنهاج الحق!!! لا يزالون متمسكين به، لا يضرهم من خالفهم، يرفع الله عنهم ما يكرهون إلى يوم القيامة”؟؟؟ والحال أن فاس مركز متقدم على غيره للفكر الظلامي الديني بامتياز!!!

فتبين -بالسعي وراء أهداف غير خفية- حرص الشعوب المغاربية على التفرد بخصوصيات تضفي على بعض الأماكن، وعلى بعض الأشخاص مسحة من القداسة والسمو! وكأن التدرع بالأحاديث المنسوبة إلى المختار زورا وبهتانا، تجعل من الحكايات الخرافية حقائق واقعية، فقط للتباهي بأن المشرق لا ينفرد وحده بفضل غير متوفر نظيره للمغرب. فسبعة رجال هم صحابة! والصحابة لم يدفنوا فقط بالمشرق وإنما دفنوا –كأمازيغ- بالمغرب كذلك! ثم لدينا أماكن مقدسة، كالمنستير بتونس، وكفاس بالمغرب!

وكتقوية لكون حكاية سبعة رجال خرافية، نطرح هذه التساؤلات باختصار شديد:

أو لم يكن تحدث النبي صلى الله عليه وسلم إلى السبعة الوافدين عليه من المغرب بلغتهم واحدة من ضمن معجزاته؟ ثم لماذا لم يرد لهم ذكر في السيرة النبوية؟ ولا ورد لهم ذكر عند الطبري في تاريخه؟ ولا ورد لهم ذكر عند ابن كثير في “البداية والنهاية”؟ ولا عند ابن خلدون في “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر”. ولا ورد لهم ذكر عند ابن عذارى المراكشي في “البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب”. ولا تعرض لذكرهم صاحب “الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى”. وهو الذي تحدث في الجزء الأول من كتابه هذا عن “حال البربر قبل الإسلام”.

وبما أن سبعة رجال رجراجة كما قيل، تفرغوا لنشر الإسلام بعد عودتهم من المدينة المنورة مسلمين، فإن ما يفترض أنهم سيقومون به في الجنوب المغربي، لم يرد له ذكر، والحديث عن الفتوحات متنوع المصادر! إذ لو قاموا بنشر الإسلام في ربوعهم، لما كانت هناك حاجة ماسة إلى قدوم عقبة بن نافع الذي وقف على المحيط الأطلسي قرب آسفي، يعني منطقة ديار سبعة رجال مفترضين! إضافة إلى أن أحدا لم يخبر بأنهم قابلوه ورحبوا به وساعدوه لأداء مهمته في نشر دين الله! ولا تحدث أي كان بأن أولادهم قابلوه على افتراض أن آباءهم توفوا! بل إنه يشاع أن أمازيغ منطقة آسفي، ساهموا في حصار عقبة وجيشه ليتعرض على أيدي محاصريه لهزيمة نكراء!!!

فيكون على أحمد عصيد كمضيف، أن يشير على ضيفه بعدم استبعاد ولو نظرة واحدة إلى فلسفة التاريخ وهو يؤرخ! ثم يكون على الضيف أن لا يغفل المنهج التجريبي حتى تستقيم له العملية التأريخية!!!

www.islamthinking.blog.com 

[email protected]

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M