تدوير العلماء لإنتاج إسلام سلفي حداثي وفق القيم الكونية

06 أبريل 2015 20:08
تدوير العلماء لإنتاج إسلام سلفي حداثي وفق القيم الكونية

تدوير العلماء لإنتاج إسلام سلفي حداثي وفق القيم الكونية

ذ. إدريس كرم

هوية بريس – الإثنين 06 أبريل 2015

لا رأي يعلو على نظرية الاندماج

مرت أكثر من عشر سنوات على نظرية الإدماج والاندماج المنبنية على وجوب تساوق الديني مع السياسي، كي لا تكون هناك عرقلة للإصلاحات التي يرتضيها المجتمع، من خلال مؤسساته، وفق نظرة يعتبرها وزير الأوقاف، “نظرية متكاملة، لتدبير الشأن الديني، في سيرورة الاختيارات العامة للمغرب؛ تقتضي حماية تصور المجتمع للدين كما عشناه، وكما يجب أن نعيشه، كجماعة، بقوانين، ومساطر، وتدابير، تكفل كف تصرفات المنشقين، عن تهديد السكينة العامة، التي درج المغاربة، على اعتبار حياتهم الدينية، مبنية عليها، بل مصدرا لها؛

كمناهضة التصوف (بمعنى تجريم فعل السلفية الوطنية التي قامت على محاربة الطرقية، التي تواطأت مع الاستعمار، فاضحة أهدافهما، ونجحت في مشروعها الإصلاحي الذي قاد لطرد الاستعمار والحفاظ على مقومات البلد من إسلام وحرية وملكية)، وأعراف الأمة، (ولو تنافت مع الشرع) واختيارها السياسي (ولو كان انقلابيا، أو مؤديا للقضاء على الإسلام، والهوية الوطنية)، المتعلق بالمشروعية والحكامة (التي يريد البعض ربطها بصندوق الاقتراع أحيانا، وبالتوافق أحيانا، وبالمرجعية الدولية أحيانا أخرى، في تغييب واضح للإسلام ومقوماته التي فعلا درج عليها المغرب منذ الأدارسة)، وذلك تحت مبدإ عام، هو مبدإ المصلحة” انتهى منه.

وكأن المغاربة عاشوا دائما جميعا ممتثلين للشرع، غير مبدلين ولا مغيرين، لم تظهر بينهم نحل، ولا هرطقات، ولا نزغات شيطانية، اقتضت تدخل العلماء لتقويم الاختلالات، والأمر بالعروف والنهي عن المنكر، بالحكمة والموعظة الحسنة أحيانا، وبالسلطة والقوة أحيانا، جاعلة راية الإسلام دائمة الخفقان، والناس منضبطون لما قال الله وقال الرسول، وأولوا العلم خلفا عن سلف، إلى أن جاء من يقول بأن الناس قد بقوا “هملا، طيلة خمسة عقود“، وهي فترة حكم الحسن الثاني، يعادون الغرب المتسلط بقوته وبرادينه، الذي لا يرضى بغير التبعية لمفاهيم حضارته بديلا، معتبرا معارضها منشقا عن الإجماع الذي يحدد مرجعيته وطرق تطبيقه.

هل العلماء مبلغون عن الله أم عن أمير المومنين بواسطة؟

وهل (السلفية) بدعة إن قصرت على جماعة؟

ذلك ما يمكن التساؤل حوله بعد الاستنفار المفاجئ الذي جمع بين المقصيين من العلماء والمحظيين منهم، المسند لهم أمر التصريف الشكلي للاختيار المذهبي الذي يُقَوِّل الإمام مالك ما قاله ماركس، وانجلز وميكيافيلي، و”البوشيون” الجدد، بدعوى التسامح والتجديد، باسم أمير المومنين، الذي نصب الوزير نفسه، سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها العلماء الرافضين لمهرجانات العري، وأفلام التنصير، وأغاني المجون، المقتحمةَ بيوتَ الناس ليلا ونهارا، في مخالفة صريحة للدستور والأعراف.

 ترى كيف يفهم استنفار علماء الأوقاف من طرف وزيرها، الذي قال بأنه يتلقى توجيهاته من أمير المؤمنين، وأن العلماء يستمدون شرعيتهم من تبليغهم عنه، ما يخطط لهم من مناشط، وتحذيرهم من كون تضييق مفهوم (السلفية)، قد يصير بدعة خطيرة، لأن فيها اتهاما للأغلبية، بأنها خارجة، لأن السلف هم الجماعة، والتي تعني في تاريخ المسلمين الأغلبية، التي لا تقابلها إلا الأقلية، متى تجلت في فئة خارجة عن هذه الجماعة (المساء؛ 4/5/2015)، من أجل مناقشة (السلفية) في جلسة مغلقة، من قبل من يناصبون العداء لكل رأي مخالف للذي يقول، الرأي ما سمعتم، ومن خالف عوقب بالعزل.

 بيد أن الوزير كما سلف، هو من قال بأن الأئمة تركوا بدون عناية، ولا تنبيه لمدة خمسة عقود (مدة حكم الحسن الثاني رحمه الله هكذا) فجاء ليوحد تصوراتهم العقدية، وينقيتها من الشوائب الدخيلة، سواء كانت سلفية، أو وهابية، أو شيعية، وتحويل المناديب من موظفين إلى أصحاب سلطة عزل وتوقيف، مما جعلهم يديرون المجالس العلمية، بناء على المكافأة والعقاب” (حكومة أمير المومنين/ الوطن؛ 14/2/2013).

من يعطي الشرعية لمن في بلدنا المسلم؛ الدين أم الدولة؟

وبالرجوع لما كان قد تقرر سنة 2005 من كون الدولة “هي مؤسسة عصرية، ترفدها مؤسسة عصرية، منتخبة تحمي المتطلبات الشعبية، فإذا كان للشعب أو للجماعة رغبات فإن تلك الرغبات هي الحقيقة، والدولة الساهرة على تحقيقها دولة مشروعة، لذلك فهي لا تطيق في عملها التحديثي التساكن مع الأفكار السلبية، وهو ما برر طرد القيمين الدينين الذين لم يتوافقوا مع تحركنا، لتتوافق المؤسسة الدينية مع باقي المؤسسات لبناء ثقافة المواطنة” (الاتحاد الاشتراكي؛ 10/10/2005).

من هنا انطلقت مبررات عزل القيمين الدنيين، ومناصبتهم العداء والتضييق عليهم لتطويعهم بتهم، كعدم الالتزام بتوجيهات المندوبية، أو الوزارة، ومخالفة المذهب، ومحاولة تأسيس رابطة للأئمة، وحضور يوم دراسي بدون إذن مسبق، والتهجم على التعليم والقضاء، والانتماء إلى جماعة متشددة غير معروفة، وعدم العمل بالمذكرات.

لن نتناول طريقة العزل المنافية لأبسط حقوق العمل، ناهيك عن الإمام، دون مراعاة لمكانته العلمية والدعوية، وهو ما علق عليه الشيخ زحل عندما قال في هذا اللقاء.

مفتاح الغلو الذي أوجدته الأوقاف

قال الشيخ في الاجتماع: “إنكم في وزارة الأوقاف كلما انفعل خطيب إلا أوقفتموه وحظرتم نشاطه، وهذا الخطيب له تلاميذ ومحبون، فلما غاب شيخهم اضطروا للدخول في السرية والتآمر، وأن يؤصلوا ويفتوا لأنفسهم، فنشأ الغلو والتطرف” (المساء مرجع سابق).

جاء في شأن خطيب مسجد الهدى بابن امسيك عضو المجلس المحلي عدم التزامه بالخطبة الموحدة المتعلقة بالاستحقاقات التشريعية 2007 بأن يوجه له تنبيه كتابي تحت طائلة عزله مع العلم أن هناك أمر بتحريم المشاركة السياسية عن القيميين (مذرة الوزارة).

أية علاقة بين هيمنة الأقلية الفرنكوفونية على الشأن العام والتوجس من الأقلية السلفية؟

يظهر أن علمنة الإسلام المغربي الذي ركزت على التمكين له النخبة الفرنكوفونية، كما لم تأخذ في حسبانها التجارب التي تركتها لها الفترة الاستعمارية، كما لم يكن لها الفرصة الكافية ولا الرصانة المعرفية لتُدرك مخاطر الفصل التعسفي بين المعرفة الميكيافيلية والمعرفة التدويتية، ولا صعوبة تدوير المعارف والمعتقدات التبادلية الحية المتعددة الرؤوس التي استعصت على الحماية، فقالت بنظرية: (لا تلمس المحتضر، ودعه يلفظ أنفاسه).

يقول “روم لاندو” في كتابه “أزمة المغرب الأقصى”: “أرادت فرنسا إدماج الشمال الإفريقي في الوطن الفرنسي فوجدت أمامها إسلاما حائلا دون ذلك، لأنه مصدر تشريع قانون البلد، ودستور المغاربة، والعامل الأساسي في وحدة الشعور، والاتجاه الفكري، والمثل الأعلى لكل مغربي، وإذن فلا مجال لتطبيق سياسة الإدماج، إلا بتحطيم هاتين الصخرتين: الإسلام وثقافته”.

فهل يستطيع وزير الأوقاف إدماج السلفية في دواليب مشروعه التنظيري ثم التطبيقي الحداثي، دون أن يخضع لآليات الديموقراطية، الذي تعتبر الحرية والمساواة والتصويت لتداول المسؤولية المرتبطة بالمحاسبة كما جاء بها الدستور، وذلك في تأليف المجالس العلمية والمندوبيات التي لا تخضع إلا للزبونية، والمحسوبية، والولاء، والدوران وفق ما يراد ويسطر، بناء على مفهوم دين التسامح مع من يضربك ويهينك ويطلب منك أن تشكره على ذلك، لأنه يعرف مصلحتك خيرا منك، وإن لم يكن كذلك فكيف تم الاختيار؟

وعلى أي معيار تم حل رابطة العلماء في سابقة لم يعهدها المغرب؟

ولماذا أبقي على الأعضاء السابقين في المجالس العلمية، مع أنهم كانوا يعدون من حزب وزير الأوقاف السابق، والمدافعين عن النظام الذي وصف بأنه ترك العلماء بدون تنبيه ولا توجيه؟

وبأي معيار أدخل البعض ممن كان مع المنشقين بعد تخليهم عن لحاهم ثم مبادئهم؟

ولماذا لا يسمع لعلماء الأوقاف صوت في ما وُجِّه للبلاد من طعنات غادرة وتهجمات على قيمه ومقدساته التي يقال إن العلماء مناط بهم ذلك، بل تركوه لغيرهم حتى إذا تمكن هؤلاء الغير من قيادة البلاد بدعوى المؤسساتية الجديدة في عداء للإسلام، والإطاحة برموزه، تصدت لهم الأمة لتمنع صنيعهم، أخرج العلمانيون والفرنكفونيون أولئك العلماء المسكتون ليحموهم من غضب الأمة باعتبار أنهم العارفون بإسلام المغاربة وكيف يدافع عنهم!!

دوافع التدوير

فهل يقبل الوزير برأي السلفيين فيما يعتبر شكلا من أشكال الشرك بالله، تجب محاربته، كعبادة القبور، وهدم للثقافة الإسلامية، في الإعلام، والمدرسة، والشارع، والمؤسسات الاجتماعية التي يقرها المجتمع خلفا عن سلف، عن طريق إعادة تسميتها بما بما يلبس على الناس، في انتظار وصفها بما عمت به البلوى، من قبيل الزنا والقمار، والترويج للخمر، والربا، والسلوكات المنحرفة باسم حقوق الإنسان، كزواج المثليين، واتخاذ الخادنة، والزواج المشترك، وكل ذلك ممنوع على الخطباء التطرق له وإلا منعوا من الإمامة في كل ربوع المغرب وربما منعوا من الصلاة.

مربط الفرس الذي لا يراد الحديث عنه هو لا حرمة لأحد في الإسلام الحداثي

عرفت العشرية الماضية التطاول على المساجد بإغلاقها وهدمها وعدم السماح بتعويضها قياسا على أن النموذج المحتذى هو النموذج الكنسي الذي لا تضايق فيه الأديرة الكاتدرائية في البلد الواحد، لذلك تقرر إقامة مصليات في الأحياء الكبرى عوض مساجد جامعة، ولا يهم ما طال شعور الناس من عدم احترام المسجد الذي كان يهاب الدخول إليه من قبل الحكام، إلى أن فعلها الفرنسيون حيث ربطوا دواب عساكرهم بها، واتبع ذلك ضرب الفقهاء بعدما تظاهروا احتجاجا على سياسة الوزارة، وأغلقت دور تحفيظ القرآن وشرد طلبتها دون اكتراث بما يمكن أن يفعلوا من كبائر.

وكبيرتهم جعل إمارة المومنين برزخا، بين الفاعلين السياسيين، والحقوقيين، والاجتماعيين، في مواجهة فئة من المتدينين، المحافظين على قيم دينية متآكلة، لغاية سقوطها تلقائيا بسبب تكلسها وانعدام فاعليتها، حتى لا يثار حولها غبار اعتراض بصفة من الصفات، وكأن المغاربة كلهم علمانيون أو صوفيون، و ملاحدة، وكأن إمارة المؤمنين صارت قنطرة وصل وليست مؤسسة حية غير مفصولة عن قيادة البلد وتمثل خياراته الدينية والوطنية.

ويفاجأ اليوم الجميع بأن المغاربة سلفيون، وربما سنيون، لكن بفهم حداثي تجميعي يضع التدين في سلة واحدة ليرضى الجميع، وبذلك تكون الحداثة أنجزت ما بدأه الاستعمار على أحسن وجه وأكمل صفة كما يظن، وإذا ما سارت الأمور كما خطط لها فسيأتي يوم قريب، لن تجد إمارة المومنين مناصرين لها، بعد ما يكون الناس قد فقدوا الحس الوطني المشبع بالتعاليم الإسلامية التي تقول بأن الملك، كما في الدستور هو أمير المؤمنين، وليس كما قال وزير الأوقاف، هو مركب من ملك عند الحديث عن تدبير الشأن العام، وأمير للمومنين عند الحديث عن الشأن الديني، لذلك فهو مقيد بنصوص دستورية وإلزامات دولية، فاصلة بين الوطن والإسلام، تجعله يسود ولا يحكم.

الكاثوليكية تعلم الإسلام للأئمة المغاربة بباريس

يقول القيم العام السابق الفرنسي بتونس 1908 تحت عنوان: “الإسلام مناهض للحضارة العصرية”: “بعد ثلاثة عشر قرنا من القرصنة والقصف وجدنا أنفسنا بحضور الإسلام الإفريقي، ففهمنا الضغط المتبادل من جهة قرآن محرف مشوه محمل بتطبيقات قريبة من الإلحاد مثل ممارسة الأولياء.

ومن جهة أخرى زهوا أوربيا مجردا من اللياقة يضرب خاصية دواخل الحضارة.

لذلك أوصى المركيز دوسيكونزاك سنة 1908 بجعل السلطان متعاونا معنا كيفما كان الحال، وبأي ثمن وعندنا فرصة كبيرة لإرغامه على ذلك؛ فصندوق الدولة فارغ وتعاونه معنا سيثير عليه الرعية، لدينا الفرصة الآن لاحتوائه بتصعيد الحديث عن قرض كبير سائل يضع الدولة المغربية في ورطة والسلطان بين أيدينا.

كما أن تنافس الزوايا سيقدم لنا خدمة هامة في تدليل الصعاب وتسهيل الحركة كالطيبية والدرقاوية والقادرية والعيساوية، فلا شيء يمنع من دعم البعض للإضرار بالآخرين، وإغناء الذي يعمل لصالحنا والترخيص لمقدميه بالعمل في المناطق المعادية لنا وتوسيع نفوذه.

كما نعمل على جعل المغرب أرثوذكسيا موحدا دينيا، ونجعل العلماء الرسميين يأخذون الوجهة العلمية التي تنحو نحو التسامح والتقدم” اهـ.

إنه نفس المنطق الذي بنى عليه وزير الأوقاف نظرية الإدماج والتي جعلت التصوف مقوما أساسيا من مقومات الدولة المغربية، وهو ما لم يقل به أحد ناهيك بأهل السنة والجماعة، وأخصهم السلفيون منذ السنوسي والدكالي والفقيه غازي وعلال الفاسي والشيخ زحل الذي جعل نصيحة “المركيز” في المكان الذي وضعتها السلفية الوطنية عندما أنقذت السلطان من بين أنياب الاستعمار، وهي كما قال:

من جديد يجب الالتحام بين العرش والشعب من أجل الدفا عن الإسلام

(لا غنى لأهل العلم والدعاة والمربين من التلاحم مع العرش لأن الدين مستهدف) (المساء مصدر سابق)، فالوزارة لم تعد كما كانت توصف بأنها حزب وزير الأوقاف الذي يجب تفكيكه لتغيير الصورة السلبية لعلماء السلطان الذين يقفون ضد مشروع المجتمع الحداثي الديموقراطي باعتبار أن أعضاء المجالس العلمية خوارج عن المذهب المالكي الذي أمر الملك في أحد خطبه بتحقيق موطئه وتوزيعه على المساجد، ولكن لأن ما فيه لا يتساوق مع نظرية الإدماج لم ينفد، والسبب هو تنفيد إصلاح الشأن الديني وفق المرجعية الحداثية بمن كان منتقدا من العلماء والفقراء والموظفين، فما دام هناك سكوت عن تدمير الهوية الإسلامية في الثقافة المغربية والتمكين للفرانكفونية فلا ضير من صلاة الناس وصومهم وحجهم.

ألم يصرح رئيس الجمهورية الفرنسية “لوبيت” بالجزائر مطلع القرن الماضي بأنه مفتخر بأن فرنسا أكبر دولة إسلامية في العالم مع أن عقليتنا آرية مسيحية، لم تمنعنا بعدما سكتت مدافع غزونا حملت بواخرنا الحجاج المتعصبون والعلماء الكارهون لنا وداعموهم من الحكام الرسميون لمكة” انتهى منه.

وبعد قرن من الزمن على هذا التصريح أوردت الأخبار انطلاق مشروع تكوين الأئمة المغاربة والأتراك والجزائريين والفرنسيين بمقر المؤسسة الكاثوليكية لباريس تحت إشراف رجال دين مسيحيين ومسلمين بتوعية هؤلاء الأئمة بأهمية الاندماج الثقافي والاجتماعي في النسيج الفرنسي، ونشر قيم العلمانية، هذا التكوين يتم في إطار قانون 1905 الشهير عن فصل الدولة عن الكنيسة وتكريس علمانية الدولة، وذلك لتغطية حاجة مساجد فرنسا من الأئمة (المساء؛ 27/3/2015).

سلفية حداثية لإسلام (باص بار طو)

يقول الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى في دورة المجلس19 بتاريخ:12/12/2014؛ “وبوصفنا علماء في مؤسسة دستورية لها مصداقيتها فإنه يهمها ما يحدث في حياة أمتنا المغربية، وأمتنا الإسلامية، وما تقتضيه السياسة الحكيمة التي ينتهجها أمير المؤمنين لخدمة الوطن والمواطنين وتحقيق العدالة والمساواة والكرامة بين أبناء الوطن” انتهى.

ماذا لو أن أمير المؤمنين لم يجد أعوانا يدلونه عن الحق ويعينون عليه؟ وماذا لو عملت جيوب المقاومة على إفشال مشاريعه كما هو حاصل في مسألة (ميثاق العلماء) وقبله عدم إقصاء العلماء غير المنتمين للمجالس العلمية، حتى لا تصير كما قال جزرا مهجورة؟ وماذا لو حرم على العلماء تناول الشأن العام؟ وحيل بينهم وبين إنشاء تنظيمات تدافع عن حقوقهم التمثيلية داخل المؤسسات المنتخبة حتى لا تصدر قوانين تمس بالدين الإسلامي وتصادمه؟

ترى كيف يقصر عمل مؤسسة العلماء في كما قال الكاتب العام في كلمته السالفة على ما هو شرعي عقدي مذهبي تهذيبي سلوكي في العبادات دون المعاملات بدعوى أن هناك مؤسسات أخرى منتخبة تدبر الأخيرة لا يمثل فيها العلماء لأنهم ممنوعون من السياسة والخوض فيها خوفا من استخدام الدين في السياسة، وكأن ما سطره الدستور من كون (الملك أمير المؤمنين)، و(المغرب دولة إسلامية)، وأن شعار المملكة (الله/الوطن/الملك) ليست بسياسة، وأن المؤمنون ليسوا هم الناخبين والمنتخبين.

خطر السلفية في بقائها واختفائها

إذا كان الدستور الجديد قد عرى وفضح المخطط الإقصائية لإبعاد الملك عن الشأن الإسلامي، وقصره على مؤسسة إمارة المومنين، التي تختص بأفعال القلوب، لمن أراد من المومنين، وحتى هؤلاء أحيى لهم شيوخَ سلوك جعلهم يتصدرون فقراءهم (يشكلون ويطلقون) ولا ينتظرون من إمارة المومنين صرفا ولا عدلا، لأن البركة حيث الولي وليس الأمير.

فكما جرد الملك من صفته الدينية جرد أمير المومنين من سلطته الزمنية، وبذلك صار كما يقال (لا جد ينفع، ولا جاه يشفع)، وبذلك دخل على الإسلام وقد غل عن الدفاع عن مقومات وجوده وتطبيق مرجعيته، في مواجهة المد العلماني، والتغول الرأسمالي، والمد الإلحادي، الهادم للثقافة المغربية، ذات السند الإسلامي التي وقفت في وجه الغزو الغربي، وصارت محدداته المفاهيمية مشبوهة إن سلمت من سيف السلطة الزمنية بتهمة التعصب سقطت تحت دعوى الغلو بتهمة التفريط.

يقول أحدهم نقلا عن وزير الأوقاف أن هناك سطوا على اسم (السلفية) معتبرا أنه مجرد تمويه لإضفاء المشروعية لخطاب هذه الطائفة التي لها نزوعات دنيوية ومطامح من أجل الوصول للسلطة (الاتحاد الاشتراكي 05/4/2015).

فبعد أن كان الحديث عن السلفية جريمة صار الحديث عنها ضرورة يناط بنفس الاشخاص أي أن المتحول واحد والمخاطب متعدد الولاء، فلا غرابة أن يكون هناك مغاربة متعصبون ضد الأجانب الذين يريدون كل شيء تحت ذريعة رفض الحضارة الغربية وتفضيل البداوة؛ يقول أحده المنظرين الغربيين:

“اذا كان المغاربة متعصبون ضد الأوربيين فلأنهم لا يريدون طحينا ناعما وأكثر بياضا من الذي عندهم، وملابس أكثر دفئا وثقلا مما يتوفرون عليه، وزراعة يبادلون منتوجها مع أوربا… فالمغرب منتبه لما يهدد استقلاله، بحيث يجد في دينه بسرعة مظلته، عفوا تعصبه، وأمام التهديد الأجنبي فإن سياسة حب الوطن تمتزج بحب الدين، فيصبح التعصب عاما مطلقا ويصير الإسلام في كثير من العقول مرادفا للتعصب (ص:254) انتهى، (ندوة مدرسة اللغات الشرقية بباريس 1909).

بعد إقصاء العلماء جاءت مرحلة تدويرهم

لقد غابت هذه المعطيات المؤسسة عن الذين أرادوا الإصلاح بالتدمير من أجل بناء ما لا يتلاءم والمجتمع المغربي الذي يرفض إملاءات ما يصحح خلله بتزييف شعوره، ويقضى على مقوماته الدينية والوطنية، والتي تفاجئ البعض ممن لا يعيرون التاريخ أهمية أو يفسرونه من موقعهم المنحاز للغرب الذي لا يقيم وزنا لقيمة الإنسان في ذاته والتي تجعله يرى الشكل دون ارتباطه بالمضمون، فالباغية عندما يطلقون عليها عاملة الجنس يعتقدون أنهم رفعوا قيمتها الاجتماعية والمرأة عندما يشغلونها في الأماكن الخطرة أو القذرة لا ينظرون لمحارمها وجيرانها، بل هم عندما يشغلون الإنسان يظنون أنهم أبلغوه الكمال.

بناء عليه يكون تقديم خلطة جديدة لإسلام مغربي يجتمع فيه الصوفي والسلفي والشيعي والعلماني والمسيحي في وداد وتسامح، حتى لا يكون هناك كما قال الوزير في تدبير الشأن العام “إسلام رسمي وآخر شعبي”، لأن ذلك شعور متخلف سابق، وإرث سلبي، يحيل لفكر السائبة، وهو نوع من الرفض غير المبرر، (الاتحاد الاشتراكي؛ 10/10/2005).

وبذلك يحل إشكال تشويش السلفية، ويتم التلاؤم مع دعاة الحريات الفردية والشكل الجديد للأسرة، والتطبيع مع أقدم مهنة في العالم: البغاء، والقضاء على القيم، لأنها تكريس لمفهوم سيادة الطابوهات، وربط اللذة بالمصلحة والمنفعة، واعتبار التاريخ أساس ثقافة المواطن وليس الدين، وبذلك يتم تنفيد خريطة المشروع الديني المتساوق مع المشروع السياسي، والذي من شأنه أن يزيل من الأذهان تماما أن هناك احتمال التنافر والاصطدام بين هذه المقومات، إلا أن يكون ذلك من باب الجهل أو التآمر على البلد من الداخل أو الخارج، وهي أمور من طبيعة التاريخ أن يأتي بها كشذوذ وانكسار في حركته العادية، كما قال معاليه في المرجع السابق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M