مقال في وداع الأعلام

16 أبريل 2015 22:50
مقال في وداع الأعلام

مقال في وداع الأعلام

رضوان السنوسي

هوية بريس – الخميس 16 أبريل 2015

بالأمس القريب ودعت الأمة الإسلامية عالم المستقبليات المهدي المنجرة رحمه الله، وكم كان هذا الرجل مدافعا عن الفئة الشعبية داعيا إلى حركة نهضوية تنقل المجتمع المسلم إلى مقام الشهود الحضاري معتزا بلغته ودينه؛ طالما صنف وألف وطالما نطق بالحق وصدع، التقيته يوم كنت صغيرا في محاضرة حاشدة حضرها الجم الغفير فكانت كلماته تتسلل بين صفوف الجمهور فأحاول فك شفرتها لكنني لا أستطيع لصغر سني، لكن سرعان ما ترتج القاعة بالتصفيق والابتسامة فأفهم من ذلك أنه قال خيرا ونطق بما يسر المثقف المخلص.

 

كان فضولي يلامس السماء، فلما اصطف الكبار ينتظرون التقاط الصور مع الدكتور المنجرة وقفت بجانبهم بجسمي النحيف فرآني الدكتور وأشار إلي بيده لأقبل إليه فمسح على رأسي بيده التي أتعبها القلم حتى أصابتها الرجفة وابتسم ابتسامة هادئة ظهرت على جبينه المقطب ثم حدثني حديثا لا أذكره ثم دعا معي وقبل أيام ودعناه فأحسست بمرارة الفراق فراق الفكر والهمة والعلم والغيرة والنخوة.

ما إن كادت الجراح تندمل حتى جرح قلب الأمة مرة أخرى بألم وفاة عالم مفكر رصين حامل مشروع مالك بن نبي رجل الحركية والنهضة رجل المشروع والفكرة إنه المفكر عبد السلام الهراس رحمه الله تعالى مات في صمت رهيب لا الطالب يعرفه ولا الإعلام يذكره وإلى الله المشتكى.

إنها لمأساة حقيقية تلك التي ألمت بالأمة فبدأت تتناساها يوما بعد يوم لكن سرعان ما اختار الله عالما آخر ذلكم هو المؤرخ عبد الهادي التازي خريج القرويين وعلم من أعلام الفكر واللغة والسياسة بالمغرب.

واليوم نودع رجلا من صفوة الصفوة ومن خير الخيرة إنه العلامة الفقيه الأصولي محمد التاويل رحمه الله تعالى شيخنا وشيخ مشايخنا وشيخ مشايخ مشايخنا رجل القواعد والفوائد ورجل النوازل والمناقب، إنه شيخ المالكية في عصره الذي صنف وألف ونزل وكيف، إنه الرجل الأمة الذي عانى في حياته وأرجو أن يلقى ثواب ذلك بعد مماته لقد صدع بالحق يوم كان الصدع به مرا ودافع عن حياض الشريعة يوم كانت تخدش بمخالب الأعداء ولقي ما لقي لا لشيء إلا لأنه نطق بقناعته وخرج على أصول إمامه ولم يتبع هوى ولا دنيا ولا مصلحة شخصية.

إن الشيخ التاويل رجل الفقه والتأصيل والدليل ورجل الخلق والتربية والتواضع فأنت إذا دخلت بيته وجدته بانتظارك في الباب نعم إنه ينتظرك ليستقبلك وهو الرجل الذي أضعفه المرض فإذا أردت تقبيل يده ورأسه سحبها ورفض ذلك إلا أن تسلك حيلة أو تستعمل قوة.

إنه الرجل الذي كان محبا للعلم ولطلبته، لا يقبل أن يدخل الطالب له شيئا عند زيارته سواء قل أو كثر.

إنه الرجل الذي يؤمنك بابتسامته الرقيقة، ويفاتحك في كل المواضيع العلمية والفكرية والواقعية بأدب جم وإنصات كبير.

إنه الرجل الذي حج إليه العلماء والطلاب من مشارق الأرض ومغاربها كم مرة زرته فوجدت عنده طلبة وطالبات أتوا من خارج المغرب لينهلوا من علمه ويتعلموا من حلمه وعدد من شباب مغربنا الحبيب لا يعرفون هذا الهرم الشامخ .

العلامة التاويل الذي رد عن استحلال الربا مستغربا بقوله: “وأخيرا وقعت الواقعة وأحل الربا”.

 التاويل هو من شارك في صياغة بنود المدونة لكي لا تذهب بعيدا بتأثير أعداء الدين و الوطن فلما رفضت عدد من آرائه ألف كتابا ليستدرك عليها ويصحح بعض آرائها سماه “شذرات الذهب فيما جد من الزواج والطلاق والنسب”.

 الشيخ التاويل هو من قوم فكر الجهلة الذين قالوا بذكورية الفقه الإسلامي ليرد عليهم قائلا: “لا ذكورية في الفقه” وهو في كل ذلك يسرد الأدلة ويأتي بالحجج الدامغة.

الشيخ التاويل هو من حاول تقويم الصحوة المقاصدية والرد على بعض دعاة المصلحة الموهومة فألف كتابا كله علم ومنهج إنه “منهجية عمر بن الخطاب في الاجتهاد مع النص”.

إن وداع الأعلام لمن أعظم المصائب إذ قبضهم هو قبض للعلم وليس للجسم فحسب إن وداع الأعلام الذين سدوا ثلم في المجتمع يصعب الآن تعويضهم في زمن انشغل عدد من الطلاب بتحصيل الوظائف والشواهد واهتموا بمصالحهم الخاصة ونسوا مصالح الأمة والدين إلا من رحم ربي وقليل ما هم -وليس من رأى كمن سمع-.

إن وداع العالم في زماننا ليدفع إلى بكاء الدم لا الدمع فقط في زمن أهمل فيه العلم والعلماء وانشغل البعض بمتاع الدنيا والبعض الآخر بالهدم بدل البناء والتجريح بدل التغيير ودفن الهم بدل بعثها وتجديدها.

إن الراية اليوم بيد الشباب الذين لا ينتمون للعلوم الشرعية والذين ينتمون لها ممن لهم غيرة على الدين والوطن أن يحملوا اللواء وأن يشحذوا الهمم وأن يدافعوا عن الشريعة بمنهج الوسطية والاعتدال منهج لا تطرف فيه ولا غلو ولا تمييع فيه ولا تسيب بعيدا عن الغنجهية الزائدة والحماسة المفرطة.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M