أوقفوا هذه المسرحية.. الصمدي يستنكر إنجاز الواجبات المدرسية بالدفع عند المكتبات

13 يناير 2024 15:22

هوية بريس – د.خالد الصمدي

اعتقدت كما هو الشأن بالنسبة لكثير من الفاعلين والمهتمين والمتتبعين أن دخول التكنولوجيا والانترنيت الى المنظومة التربوية بداية تسعينات القرن الماضي سيسرع من وتيرة تحقيق تكافؤ الفرص في المدرسة، ويردم الهوة بين أبناء المغاربة في الولوج إلى المعلومة والاستفادة منها في التعلمات،
لكن ما عشته هذا المساء عند زيارتي لمكتبة تبيع الادوات المدرسية وتقدم الخدمات المعلوماتية للمرتفقين مثل تعبئة طلبات الحصول على الوثائق الإدارية وأداء الفواتير وغيرها، كشف لي عن مهمة جديدة لم تكن في الحسبان، وعن واقع يطرح أكثر من سؤال على صدقية العملية التعليمية، وعلى مبدأ تكافؤ الفرص ببن المتعلمين.

فقد توقفت أمام هذه المكتبة امرأة في منتصف العمر تبدو على حالتها أمارات الحاجة والعوز تحمل في كفها ورقة وبضعة دراهم، سلمت الكل إلى صاحب المكتبة وطلبت منه أن ينجز المطلوب.

لم يكن بالورقة رقم هاتف أو معلومات لتعبئة طلب إداري كما توقعت، ولكنها تتضمن سؤالين في مادة التاريخ أو التربية على المواطنة، طلب أحد المدرسين في مدرسة إعدادية من التلاميذ إنجاز بحث وجواب عنهما.

بدا لي من خلال سرعة إنجاز صاحب المكتبة للبحث المطلوب أن هذا النوع من الطلبات مألوف لديه، بحيث أنجز البحث على الحاسوب ووضع الجواب منسقا على ورقة ونسخها ثم سلمها للام التي طوت الورقة بعناية، دون أن تعرف ما بها سؤالا ولا جوابا، ثم أدت ثمن الخدمة وانصرفت لتسلم المنجز الى ابنها أو بنتها في بيتها، والذي سيضع اسمه على الورقة دون أن يكلف نفسه حتى الاطلاع على مضمونها، ويحملها إلى الاستاذ الذي سينظر فيها ويضمها إلى باقي الأوراق التي جاء بها باقي التلاميذ غالبا بنفس الطريقة، ثم يضع نقطة الانجاز في سجل التنقيط ليضمه إلى ملف التلميذ في برنامج مسار.

سألت صاحب المكتبة عن هذه الخدمة الجديدة التي لم أعرفها حين كنت كتبيا فكشف لي أن هذه الخدمة البحثية مطلوبة بكثرة من الأسر في آلاف المكتبات على الصعيد الوطني في كل مساء بل وحتى صباحا وعلى وجه السرعة قبل فتح أبواب المدرسة، وتلجأ الأسر إلى طلب هذه الخدمة من المكتبات لأنها لا تتوفر على حواسيب ولا طابعات ولا إنترنيت، ولا تتوفر على مكتبات ولا كتب ولا معاجم، ولأن الكتاب المطبوع اختفى أو يكاد، وحتى وإن وجد الكتاب الورقي فإن البحث فيه عن معلومات بعينها يتطلب وقتا وجهدا ، وهذا يشكل ضغطا على التلاميذ والأسر، فيلجؤون إلى المكتبات لتساعدهم على رفع هذا الحرج، وأفترض أنهم يقومون بهذه الخدمة في بعض الأحيان بدون مقابل أو بتأجيل الأداء، أو بأقل من التكلفة، لفائدة جيرانهم أو زبنائهم المألوفين.

هذا مع العلم أن هناك قلة من التلاميذ يتمكنون من إنجاز المطلوب بجهدهم وإمكانتهم الأسرية والمادية والتقنية في منازلهم، مما يسهم في تنمية مهاراتهم وقدراتهم المعرفية والمنهجية، وهذا يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ.

الخلاصة أن الأستاذ يعلم أن عددا كبيرا من التلاميذ لم ينجزوا البحث المطلوب بالاعتماد على أنفسهم، وهم بدورهم يعرفون أنهم لم ينجزوا المطلوب، وأن الأمهات والآباء يقومون بهذه المهمة تحت ضغط أبنائهم ولو كلفهم ذلك جهدا ماليا إضافيا، وأصبحب المكتبات تقوم بهذه الخدمة تلبية للطلب المتزايد عليها.

والكل يعلم ويعلم أن غيره يعلم، أن هذه العملية البحثية برمتها هي شكل بدون مضمون ومجرد مسرحية لا أثر لها على تعلمات التلاميذ.

إن هذا الواقع الذي يطغى عليه التمثيل يقتضي اتخاذ حملة من الإجراءات العملية حفاظا على صدقية العملية التعليمية التعلمية حتى تحقق أهدافها، من جهة ويرفع الحرج عن الأسر وعن التلاميذ والمدرسين على حد سواء، من جهة ثانية.

وأول هذه الاجراءات مراجعة أساليب التحضير والتقويم المعتمدة في المدرسة المغربية، وذلك بالتركيز أكثر على مهارات استثمار المعلومات داخل الفصل الدراسي أكثر من البحث عنها ورقيا أو رقميا خارجه، ومنها مهارات المقارنة والتصنيف والاستثمار والترتيب والتعليق والاستخلاص وغيرها من مهارات استثمار المعرفة، وعدم تكليف التلاميذ بإنجاز ما لا يمكن إنجازه.

– تمكين التلاميذ والتلميذات من خدمة الولوج إلى التكنولوجيا التي أصبحت من ضرورات العصر، من خلال تظافر جهود جميع المعنيين لتوفير قاعات للمعلوميات بالمؤسسات الإعدادية والثانوية أو بفضاءات دور الثقافة بالمدن الصغرى والمتوسطة وربطها بشبكة الأنترنيت، مع فتحها أمام التلاميذ في أوقات الفراغ وإدراج ذلك ضمن أنشطة الحياة المدرسية المؤطرة من أجل تدريب التلميذات والتلاميذ على استخدام التكنولوجيا في إنجاز الأنشطة التربوية.

– تشجيع الأسر على الولوج إلى الخدمات الإلكترونية عن طريق تخفيض كلفة الاشتراك في الشبكة العنكبوتية على الأسر التي تحتضن أبناء متمدرسين خاصة في السلكين الإعدادي والثانوي، فقد أصبح هذا الأمر جزءا لا يتجزأ من الدعم الاجتماعي للأسر الفقيرة وضرورة تربوية لا غنى عنها.

أملي أن تصل الرسالة إلى كل المعنيين بالعملية التعليمية التعلمية، لتسهيل استفادة المتعلمين المغاربة من التعلمات بفرص متكافأة في الشكل والمضمون، فالعملية التعليمية صادقة منصفة أو لا تكون.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M