استراتيجية الإسلام (23).. العدل- شرط محمد صلى الله عليه وسلم

29 أغسطس 2023 16:18

هوية بريس- محمد زاوي

**شرط محمد صلى الله عليه وسلم

سبقت النبيَّ محمدا صلى الله عليه وسلم دعواتٌ حنفية تدعو للتوحيد، بل لبعض الشعائر العبادية، بعد زمن من انتشار الشرك وعبادة الأصنام. وكان لكل قبيلة عربية صنم تجتمع عليه، أو أصنام هي لها عابدة، وتحت كل صنم مصلحة تتحقق لأصحابه. وبقدر ما كان كل صنم يعكس وحدة أفراد القبيلة، كان يعبر عن انقسام القبائل فيما بينها.

ولما لم تكن شروط دعوة التوحيد قد تحققت في التاريخ، بقيت دعوة الحنفاء منحسرة، وظل أصحابُها معدودين على رؤوس الأصابع، إلى أن حصل التوافق بين شرطين: شرط ذاتي هو عبقرية النبي محمد صلى الله وعليه وسلم، وشرط موضوعي هو النقطة المنعطف، فإما هلاك بين الفرس والروم، وإما انقسام بينهم، وإما دوران في حلقة مفرغة وبقاء على نفس الحال (راجع مقال “النبي محمد والدولة القومية العربية” لعبد السلام الموذن).

وفي نفس النقطة الانعطافية كانت هناك شروط جوهرية، داخلية من جهة، وخارجية من جهة أخرى؛ فأما الداخلية فهي تقدم التجارة وتخلف العمل، والتفاوت الكبير بين سادة قريش ومواليهم وعبيدهم؛ وأما الخارجية فهي ضعف وتهالك الفرس والروم، وكان ذلك تعبيرا عن تهالك جوهرهما الاجتماعي، أي نظام الاستعباد (النظام الاجتماعي العبودي).

في هذه الشروط كان الوحي مصدر توافق بين فاعلية النبوة وشرط التاريخ (يسميهما محمد طلابي “الفعل التاريخي المخصّب” و”الحاضنة التاريخية”)؛ فجاء القرآن ومعه السنة والسيرة (التفسير العملي الوحي) مجيبا على أسئلة: عدالة التوزيع، وتنمية الإنتاج، ووحدة العرب، وتأسيس الدولة وتوسعها؛ وكله لم يكن ليتحقق إلا بخطاب خاص ومنطق خاص جاء به الوحي وعززته الخبرة النبوية إذ أحسنت قراءة واقعها والتفاعل معه.

يمكن تلخيص هذا الواقع في شرطين:

-داخلي: تجلى في التفاوت بين القبائل العربية، وآخر بين الفئات الاجتماعية في ذات القبيلة (قريش مثلا)، كما تجلى في تنازع المصالح بين أطراف المجتمع الواحد (حالة المدينة مثلا). فمارس النبي صلى الله عليه وسلم المواجهة في حالة التفاوت، والتحكيم في حالة التنازع. والغاية كانت توحيد القبائل العربية تحت راية واحدة هي “راية التوحيد”، ثم في دولة واحدة هي “دولة العرب المسلمين”. وما حصل تاريخيا هو الانتقال، عن طريق “جماعة المساواة” (“دولة اللادولة”)، من تفاوت ممزق غير قادر على إنتاج نموذجه الحصاري، إلى تفاوت موحَّد يقدم للبشرية نموذجا خاصا في “الإنتاج المادي و المعنوي”.

-خارجي: تجلى في التفاوت بين واقعين، واقع عبودي قديم ومتهالك، وواقع جديد صاعد أنتج نمط إنتاج جديد بعد اضمحلال الزمن العبودي، وبعد القضاء على قواعده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية… وكانت الدولة العربية الإسلامية بمثابة جهاز لسيادة وانتشار نمط إنتاج جديد، استتب بعد القضاء على عبودية قبلية تحمل في أحشائها بقايا من مشاعية العرب. ومع تشكل نمط الإنتاج الآسيوي (إقطاع خاص بالشرق) وتوسعه، بسطت الدولة العربية الإسلامية نفوذها، واتسعت رقعة دعوة التوحيد بشعائرها وشرائعها ونموذجها الأخلاقي كنتيجة لذلك.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M