الأعداء والتعاطي مع العربية

21 يناير 2021 18:21

هوية بريس – عبد الكريم الحاج الطاهر

اللغة العربية ” وعاء ” للقرآن الكريم وللحديث النبوي الشريف وهما – بالنسبة لنا – مصدرا الإستقاء والإستمداد ، ومنبعا العزة والغلبة والامتداد  ، فإذا ما كُسّر ضاع ما فيه من محتوى ، وبذلك تضيع هذه العزة ، وتتوارى هذه الغلبة ، ويهيمن الضيق والانحسار، ووفاء لهذه الغاية (أي انفراط عقد القرآن الكريم كتمهيد لانهزام المسلمين واندحارهم  ) لم يأل أعداء الإسلام جهدا في تلمس أنجع الطرق الكفيلة بتحقيق ذلك ، وقد كان أجداها و أدناها : ” الإجهاز على هاته اللغة ، واجتثاثها من الجذور”.و إذا تأملنا مليا تاريخها-  تاريخ هاته اللغة- خلصنا إلى نتيجة مفادها أنها قد أتت عليها أحيان من الدهر ، تراوحت فيها بين مد وجزر ، بزغ نجمها تارات ، وأفل تئرا أخرى ،وبقدر ما صالت وجالت ، بقدر ما نكصت وأدبرت ، وبقدر ما رفلت في نعمة ورفاهة ، بقدر ما رزحت تحت نير الهموم، وتكالبت عليها الغموم ، أو ما نحبذ الإصطلاح عليه ب:   ” الثلمات الكبرى”(الشروخ)،أو التصدعات أو القواصم ، والمتمخضة عن سيل من المكيدات والمؤامرات التي حيكت ، وتحاك  ضدها، و تروم الحَيْق بها ، وكلما تأتى لها ذلك وتهيأ ، تداعت عليها كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، ومن جرائها باتت العربية على شفا الإنهيار ، بحيث استغلقت على الأفهام ، وران عليها الإستبهام ، وإمعانا في حقدها، تجيء هذه المؤامرات  زرَافات ووحدانا،  فما تفلتها الواحدة حتى تتلقفها الأخرى ، وقد تخبو،  لكنه خُبُوٌّمن طينة الهدوء الذي عادة ما يسبق العاصفة ، فسرعان ما تستعيد مدها الجارف ،وسيلها الزاخر العرم  ، فتنطلق في طَفَرات قوية ، وتنبعث كما ينبعث طائر الفينيق من رماده .

وإذا كانت هذه المؤامرات قد ظهرت إرهاصاتها الأولى  في العصر العباسي حيث دشنها الأعاجم الشعوبيون والمجوس ، فقد استأنفها وحمل لواءها في العصر الحديث ،في مصر،مهندس البناء البريطاني ، المبشر  :” وليم ويلكوكس” ، وكان لها صدى قوي في باقي أقطار العالم العربي ومن ضمنها المغرب ، بل  وأفلحت في تفريخ  “عملاء” من بني جلدتنا استهوتهم ، واستمالتهم ، وبلا أدنى روية ، راحوا يبشرون بها ، وهم كخلية نحل مشغولة لا يتسرب إليها الفتور.وحري بالذكرأن هاته ليسـت أول ولا آخر صيحـات هاته “المؤامرات ” ، فهي كمكائد الشيطان الذي لا يعرف النكوص والإحجام ، أو- كحراشف الثعبان – تتجدد باستمرار في كل وقت وزمان ، فكلما استجمعنا قوانا وطفقنا نلملم جراحنا إلاولاحت في الأفق مؤامرات أخرأكثر إيلاما تأبى إلا أن تنكأها ، وتعيد نبشها، قال القس زويمر : ” إنه لم يسبق وجود عقيدة مبنية على التوحيد أعظم من عقيدة الدين الإسلامي الذي اقتحم قارتي آسيا وافريقيا الواسعتين ، وبث في مائتي مليون من البشر عقائده وشرائعه وتقاليده وأحكم عروة ارتباطهم باللغة العربية ” .

ولئن كان  لهذه المؤامرات ( رواد )  ” نذروا أنفسهم لرسم الخطط” ، وراحوا يطلقون لأخيلتهم العنان ، ويبتكرون ما شاءوا أن يبتكروا منها ، ويَحُوكوُنها حياكة ، و” سدنة “يحرصون عليها ،و يحرسونها بكل تفان وإخلاص ،يحدقون بها سرادقات من نار، ويسيجونها بأسوار سميكة من الفولاذ تحصينا لها ضد أي اختراق أو هدم وتدمير، فلهم – أي هؤلاء الرواد- أتباع كثيرون ، أما سيماهم الملفتة للنظروالمسترعية للإنتباه فهي : جنوحهم إلى ” مناغاة ” و”ممالأة ” الإستعمار والفرنكفونية والإستشراق والتبشير والتغريب ،وسائر الحركات والمذاهب المناوئة للعربية ، والتماهي معها إلى حد المحاكاة العمياء، ودون أدنى شك ، تبقى الوشيجة الماتة، والرابط الحميمي بينهم : “التآمر على العربية والسعي الحثيث إلى إبادتها ولو بطرق ميكيافيلية وشوفينية “ ،وسعيا منهم لتحقيق ذلك ، مضوا قدما في افتعال أكاذيب وفرى وقالوا : إن العربية قد استنفدت أغراضها ، وعليها أن تخلي مكانها للغات أخرى ، ولم يكن لديهم أدنى ذرة من الوأب والاستحياء ، ومن ثم سولت لهم نفوسهم الذحل والثأر والانتقام فتجاسروا وحنطوها كالمومياء ،    و “عقدوا العزم على ترحيلها إلى مستودعات التاريخ والذاكرة ” كما يقول أحد الباحثين، كما لم يتوانوا في اتخاذ مجموعة من التدابير العملية ، وقد تبدَّت عبر تاريخها المشؤوم بأشكال مختلفة ، كـان من أبرزها :

*فرض لغة المستعمر (بكسر الميم) على أبناء البلد المستعمر (بفتح الميم) : الفرنسية في الجزائر والمغرب ، الانكليزية في مصروالسودان…و..و

* إحلال العامية محل الفصحى.

*الدعوة إلى كتابة العربية بحروف لاتينية.

*الدعوة إلى اعتماد العامية ك ” إكسير” لما بات يعرف بإشكالية التربية والتعليم.(دعوة الناشط الجمعوي نور الدين عيوش في المغرب كنموذج) .

*تحريم تدريس العربية في المدارس والمعاهد.. ، ولنتمعن ما يقوله الشيخ إبراهيم نعمة الله ذنون النعمة الموصلي (عضو رابطة علماء المسلمين) صاحب كتاب : (الإسلام في أفريقيا الوسطى): ” وكمثال على ذلك – أي المؤامرة على اللغة العربية –ما قاله لي مدير مدرسة الفلاح في ( بانكي ) عاصمة (أفريقيا الوسطى) : إن الفرنسيين منعوا تدريس اللغة العربية في المدرسة وشنوا حربا لا هوادة فيها على لغة القرآن ، ووظفوا بعض المفتشين ليقوموا بتفتيش مدرسته خشية أن تدرس فيه اللغة العربية (…) فإذا علم الطلاب بقدومه أخفوا ما كان معهم من كتب العربية تحت الحصير ، ثم جلسوا فوقها ، ووضعوا أمامهم كتبا أخرى…” ،

*إشاعة فكرة/دعاية مفادها أن العربية تعاني من العقم والعجز..و..و،يقول الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا في كتابه : (العدوان على العربية عدوان على الاسلام):” وكانت الفرية التي افتراها شياطينهم على هذه اللغة أنها عقيم لا تلد ، عجوز لا تقوى ، بليدة لا تتطور …”.

*التلكؤ في تنزيل مجموعة من المراسيم والقوانين (وهي حتى اللحظة موقوفة التنفيذ)-المغرب كنموذج- والتي من مقتضياتها :”السعي الحثيث لترسيم اللغة العربية في ميادين الإدارة والاقتصاد والمقاولة والحياة العامة… ” لتصبح حبرا على ورق ، صيحة في واد ، ونفخة في رماد ، وهذه من مميزات ” الدولة الرخوة ” كما يقول المصري الدكتور “جلال أمين ” والذي يستمد فحواها من عالم الاقتصاد والاجتماع  السويدي ” جنار ميردال ” وهي نظرية احتواها كتابه المنشورفي 1968: ” الدراما الأسيوية : بحث في أسباب فقر الأمم ” .

صحيح أن هناك تدابير ” إجرائية ” تصبوإلى ترسيم العربية ، لكن ما يستشف منها أنها تأتي ” محتشمة ” و بنفحة ” إرجائية ” تسويفية ، وهذا من أكبر الأعطاب التي تعيق ” ورش ” الإقلاع بلغة الضاد..

وبهذه الآليات العملية يكونوا قد أغروا بيننا وبين اللغة العربية العداوة والبغضاء ، فخرموا عرضنا ، وسعوا  – بالتالي – معاجزين ، باذلين جهدهم ، عسى أن تُطمس معالمها وتُدك أركانها .. ، أما نحن أهل الضاد وأبناؤها فنصبح عرضة للمذلة والهوان ، بل ويطوينا النسيان ، ونصبح في خبر كان…

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M