الهند من حافة الإفلاس إلى بلوغ سطح القمر

24 أغسطس 2023 10:03

هوية بريس – سعيد الغماز

أعلنت وكالة الفضاء الهندية عن نجاح مهمة مركبتها “فيكرام” نحو كوكب القمر حاملة المسبار الفضائي “براغيان”. وقد تمكن فريق العمل من وضع المركبة في القطب الجنوبي للقمر، لتكون الهند أول بلد يستكشف هذا الجزء المظلم من كوكب القمر. تم إطلاق المركبة “فيكرام” بواسطة صاروخ “شاندرايان-3” في 14 يوليوز من محطة الفضاء الرئيسية في البلاد بولاية أندرا براديش، قبل أن تصل بنجاح إلى القمر يوم الأربعاء 23 غشت. وبذلك تكون الهند رابع دولة تصل القمر بعد الولايات المتحدة وروسيا والصين.

إن دخول الهند تاريخ الفضاء، يجعلنا نفتح من جديد معالم نموذجها التنموي الذي يحمل في طياته الكثير من العبر والدروس لكل دولة حالمة بنموذج تنموي ناجح. ويكفي أن نشير إلى أن هذا البلد عرف في تاريخه الاقتصادي نموذجين للتنمية. الأول أرسى معالمه الزعيم نهرو منذ فجر الاستقلال في 1947 والذي كانت نتيجته دولة على حافة الإفلاس في 1991. والثاني أشرف عليه الوزير الأول “مانهومان سينغ”.

النموذج التنموي الأول: اتسم هذا النموذج بالانعزال التام عن العالم الخارجي، وهي الفترة الممتدة من استقلال البلاد عن المستعمر البريطاني في 1947، إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة التي مرت بها الهند في 1991. تميزت هذه المرحلة بأسس اقتصادية تتحدد في:

– الاعتماد على سياسة الاكتفاء الذاتي.

– وضع قيود حمائية لدعم المنتوج الداخلي.

– مركزية الدولة.

– الاقتصاد الموجه.

– التوسع في تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي بشكل كبير.

– الاعتماد على القطاع العام.

انتشرت العديد من المشكلات في تلك الفترة من قبيل ارتفاع معدل التضخم الذي تجاوز مستوى 17%، الارتفاع الكبير للمديونية، ارتفاع معدل الفقر حيث كان في تلك الفترة 2 من كل 5 مواطنين يقبعون تحت خط الفقر. فدخلت الهند مرحلة الخطر في 1991. كما أن الدولة لم تعد تملك احتياطيا نقديا يكفي لأكثر من أسبوعين وهو المعطى الذي ينذر بقرب الإفلاس، ليس إفلاس الشركات وإنما إفلاس الدولة. هذه الوضعية حتمت على الهند إعادة تشكيل اختياراتها الاقتصادية والانتقال إلى استراتيجية اقتصادية جديدة لإنقاذ البلاد.

النموذج التنموي الثاني: مرت الهند في 1991 إلى مرحلة اقتصادية جديدة باختيارات مناقضة تماما للمرحلة السابقة. تحولت الهند إلى الاقتصاد الحر والخصخصة وتشجيع القطاع الخاص. كما قامت في 1993 بالتحرير الكلي لعملتها وإلغاء القيود المفروضة على الاستثمار والرأسمال الأجنبي. وأهم شيء قامت به الهند في هذه المرحلة هو تطبيق اختياراتها الجديدة مع مراعاة خصوصية البلد المتمثلة أساسا في: التنوع العرقي واللغوي – الخصوصية الثقافية – انتشار الأمية – الطابع الريفي للمجتمع حيث أن 74 % من سكان الهند يعيشون في القرى – توسع دائرة الفقر حيث يمثل الفقراء 25% من السكان. ولم تنسق الهند إلى نسخ تجارب تنموية خارجية وإسقاطها داخليا.

هكذا شرعت الهند في ظرف وجيز جني ثمار نموذجها التنموي الجديد حيث نمى الاقتصاد الوطني بشكل كبير وارتفع متوسط دخل الفرد، وشرعت البلاد في تحقيق نمو اقتصادي يُعَد حاليا من أعلى معدلات النمو على الصعيد العالمي. كما أن اهتمام الهند بالتعليم والتكوين الهندسي منذ الفترة الأولى، كان عاملا حاسما في نجاح خطة الانفتاح الاقتصادي حيث شكل التكوين العالي للمهندس الهندي العمود الفقري لهذا الانفتاح. كما أن هذا المعطى الأخير ساهم في ولوج الهند عالم الصناعات التكنولوجية وخاصة تكنولوجيا المعلومات والاتصال.

التكوين العالي للمهندس الهندي هو العمود الفقري في البرنامج الفضائي للدولة

قوة الهند في ولوج تكنولوجيا المعلومات والاتصال الضرورية في أي برنامج فضائي، تكمن في العدد الهائل للمهندسين الإعلاميين الذين يتم تكوينهم كل سنة. هؤلاء المهندسون أبانوا عن مستوى رفيع في التكوين مكنهم من التأقلم مع السوق الدولية وتكوين صورة إيجابية عن المهندس الهندي جعلته مطلوبا في الشركات الدولية خصوصا الأمريكية والبريطانية منها نظرا لتكوينهم الأنكلو-ساكسوني. ما وصل إليه مهندس الإعلاميات في الهند مرده إلى استراتيجية الدولة الهندية المستقلة في إعطاء الأولوية للتكوين العلمي بمستوى عال وذلك من خلال شبكة من مراكز الأبحاث والتدريس مستوحاة من النموذج الناجح S.I.I (Indian Institut of science) الذي أُنْشِئ في 1909 بولاية بانغالور. هكذا إذا استطاعت الهند تدعيم قدرتها في التكوين الهندسي عالي الجودة حيث أصبح بمقدورها تكوين أكثر من 250.000 مهندس سنويا، أغلبهم في تخصص الإعلاميات والإلكترونيك. واستفادت الهند في نموذجها التنموي الجديد، من كفاءات هذا الكم الهائل من المهندسين عبر مرحلتين:

مرحلة أولى تجلت في انخراط المهندس الهندي في السوق الدولية حيث كانت الوجهة في البداية للدول الأوروبية. وبعد أن أثبت المهندس الهندي كفاءته في هذه السوق، انتقل الآلاف منهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث كانت البداية من ولاية سيليكون فالي (Silicon Valley) وساهموا في مشروع مجتمع المعلومات كما هو متعارف عليه في الوقت الراهن والذي كانت الولايات الأمريكية أول من استثمر في هذا المشروع ولا زالت رائدة في هذا المجال على الصعيد العالمي حتى وقتنا الراهن. بل أكثر من ذلك برز من بينهم نجوم عالميين في الإعلاميات، استطاعوا الحصول على مسؤوليات تدبيرية في كبريات الشركات العالمية، كما هو الشأن بالنسبة للمهندس صابر باهاتيا المؤسس المشارك لمحرك البحث العالمي هوت مايل (Hot Mail ).

المرحلة الثانية تتحدد في استفادة البلد الأصلي من الخبرات التي راكمها المهندسون الذين تكونوا في الهند واشتغلوا في السوق الدولية وذلك على ثلاثة مستويات:

–  مستوى يخص علاقات المناولة مع الشركات الهندية، لعب فيها المهندس المهاجر دورا رئيسيا.

– المستوى الثاني يتجلى في الاستثمار المباشر في البلد الأصلي الهند.

– المستوى الثالث يكمن في العودة للاشتغال في الهند ونقل الخبرة التي راكمها المهندس المهاجر في البلدان المتقدمة صناعيا، كما حدث مع ساتيان بيترودا الذي دعاه رئيس الوزراء سنة 1984 وكلفه بمهمة الإشراف على السياسة الهندية في مجال الاتصالات.

وصلت الهند إلى كوكب القمر رغم أنها في 1991 كانت دولة منهارة تقف على حافة الإفلاس. لكنها عرفت كيف تستجمع قواها وتبدع في الحلول وفي المشاريع التنموية. إنه الدرس الذي يجب أن تستوعبه كل دولة طموحة في التنمية.

 

 

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M