رفقا بالكاتبة!!

17 مارس 2017 19:42
دة. صفية الودغيري تكتب: النموذج المعرفي للقراءة

هوية بريس – لطيفة أسير

من المتعارف عليه القول أن الإبداع الأدبي نتاجٌ إنساني مشترك بين الرجل والمرأة، وليس حِكرا على جنس دون آخر. ومن المسلّم به كذلك أنّ المرأة قد تبدع في مجالات لا يبدع فيها الرجل والعكس. وعلى مرّ التاريخ الإنساني الطويل كانت هناك مبدعات في شتى فنون الأدب، تألّقنَ سواء بإبداعاتهن الشخصية أو بتحريضهن على الإبداع كملهمات ومحفزات وباعثات للدفء في حياة (الآخر) ليبدع.

لكن لو استقرأنا التاريخ البشري سنجد أن المبدعات لم تكن لهن بصمات بارزة كالرجال، ففي كل زمرة من الرجال تجد نساء معدودات على رؤوس الأصابع، هنّ بالفعل من كان لهن أثر جدّي وبصمة قوية في الإبداع الأدبي، وهذا ما يجعلني أقرّ وأنا في كامل قواي العقلية المنزّهة عن الحميّة الجاهلية أن الأدب الذكوري متفوقٌ كمّا وكيفا على نظيره النسوي، وهذه حقيقة لا مراء فيها!

لكن من الغُبن أن نعتب على الإبداع النسوي -العربي خصوصا- قِلّته وضعف جودته، وعدم مضاهاته للإبداع الذكوري، ونحن نعلم أنّ طقوس حياة الكاتبة العربية تختلف عن مثيلتها عند الكاتب العربي. خصوصا إذا كانت زوجة أو أمًّا تتنازعها التزامات شتّى، تشتّت ذهنها، وتبعثر أعصابها، وتزيدها رهقا، فلا يكاد يصفو ذهنها إلا لِماما، ولا تأنس لنفسها إلا لحظاتٍ متفرقاتٍ تسارع خلالها لتغذي شغفها بالكتاب وتلتهم ما استطاعت من صفحات، وتخّط بأناملها ما جادت به قريحتها المتعبة جسدا وروحا.

أما إن كانت موظفة فالضغوط تتفاقم، فتغدو الكتابة عندها -أحيانا- ترفا فكريا، لا تكاد تلتفت إليه إلا عند الضرورة القصوى التي يحركها تأجج موضوع ما في صدرها، فلا تخلد للراحة إلا حين يولد من بين أناملها.

لهذا حين تقرأ الكاتبة العربية عن “أكاتا كريستي” كلاما من قبيل قول زوجها: “شيدنا لأجاثا حجرة صغيرة في نهاية البيت كانت تجلس فيها من الصباح وتكتب رواياتها بسرعة وتطبعها بالآلة الكاتبة مباشرة، وقد ألَّفت ما يزيد على ست روايات بتلك الطريقة موسماً بعد آخر”، لا تملك إلا أن تتحسّر على حالها وهي تحيا في محيطٍ يرى القراءة هدرًا لطاقتها، والكتابة مضيعة لوقتها، والإبداع مزاحمة للرجل وعناء لا يليق بها خوض غماره!!

كم تغدو حياة الكاتبة مثيرة للشفقة وهي تبصر نظرات الاستغراب تتعقبها حين تنغمس في القراءة وكأنها أتت شيئا إدّا، وكم تتمزّق غيظا حين تلمح نظرات الاستخفاف ممن حولها وهنّ يريْنَها تحمل بين يديها كتبًا لا ألعابا لأطفالها، وتتسابق لمعارض الكتاب وتدع محلات الأثواب، وتعرف الكاتب الفلاني وتجهل العطر الفلاني!!

كم يلزمها من جهد كي تثبت للآخر أنها كفء لخوض غمار الكتابة، وأنها ليست كائنا عبثيا، أو دمية عليها أن تتزين وتعتني بجسدها وجمالها وتتعلم فنون الطبخ والخياطة، وتترك الفكر وقضاياه للرجل!!

بين مطرقة الاستهانة بها كعقل مفكر، وسندان متاعبها كأنثى داخل وسط عربي يفرض عليها التزامات شتى، تقاوم الأنثى الكاتبة لتحقق ذاتها، وتسهم بفكرها في بناء مجد أمتها والذود عن دينها، وعن كينونتها.. فرفقا بها وبإبداعاتها!!

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M