طحالب.. الدحيح!

09 مايو 2023 15:21

هوية بريس – شيماء مصطفى

منذ فترة وأنا أتصفح اليوتيوب صادفني مقطع من قناة “طحالب” ووجدت مكتوب عندها ما يعني أنه “محتوى رائج عند متابعي قناة الدحيح”! حقيقةً ظللت في حالة ذهول عدة ثوان، القناتان المذكورتان محتواهما يتباعد تباعد المشرق والمغرب، بل كلاً منهما ينقض فكر الآخر ويبني نقيضه بشكل غير مباشر! كيف يشاهد ويتابع الشخص بانتظام هاتين القناتين ويُعجب بكليهما بل وينشر مقاطع كليهما ورأيت ذلك عدة مرات فيمن أعرفهم!

في محاولة للبحث عن المشترك بينهما الذي يجعل شخصا يتابعهما مع ما عليهما من تضاد فكري واضح، وجدت أن كلي القناتين يسلكان مسلك المزاح والتبسيط والمونتاج المميز لإيصال الفكرة، فمباشرة انتقل التساؤل عندي نحو هذا العصر ومن يعيشون فيه!

عند محاولة تفكيك هذه الظاهرة وجدت عدة مسالك تفسر لنا سببها:

أولا: سيولة المعايير في هذا العصر، فتجد أنّ الكثير من الناس متشربين فكرة نسبية الحقيقة تمام التشرب، سواء بوعي منهم وتبني واضح لبعض الأيديولوجيات، أو من خلال التأثر الإعلامي الذي حرص على الترويج لهذه الفكرة أيما حرص حتى في كارتون الأطفال مثل الكرتون الشهير جدًا “تيمون وبمبة” الذي لا أظن أن أحدًا من أبناء جيلي ممن شاهدوا أفلام الكارتون لم يسمعه، والذي قيلت فيه هذه الجملة صراحةً “الحقيقة دائما نسبية” فتأثروا بهذه الأفكار وانعكست على سلوكهم بغير وعيٍ منهم، فلا بأس بسماع أي أفكار لمجرد أنّ عرضها مميز!

ثانيًا: الهشاشة النفسية التي أصبحت من سمات العصر الحالي، وأصبح الكثير من الشباببسبب عوامل كثيرة لا موضع لذكرها هنا يعانون من ضغوط ومشاكل نفسية حادة، فيبحثون عن أي وسيلة إلهاء في محاولة لتخفيف هذا الضغط النفسي، ومع بعض تأنيب الضمير الناتج عن خطابات التنمية البشرية التي تدعوا إلى ذم الإنسان”العادي”، فكانت هاتين القناتين حلًا ممتازًا! هو يضحك ويروّح عن ذاته، وفي الوقت ذاته يشعر أنه مثقف ويشاهد برامج تبسط العلومكما يظن ويفعل شيئًا ذا قيمة نوعًا ما.

ثالثًا: السطحية الفكرية، الكثير من الشباب لا يمتلكون خلفية معرفية منهجية أو حتى معيارية لوزن الأفكار الواردة عليهم وتقييمها، فهو يسمع هذا ظنًا منه أنه برنامج تبسيط علوم برئ لا يملك أو يروج لأية أيديولوجيات، أو ذاك ظنًا منه أنه برنامج يسرد بعض الأحداث بشكل لطيف_ ورأيت من قبل شبابًا لم يتداركوا مغزى حلقات طحالب أصلًا ويظنونه برنامج مخصص للمزاح!_

رابعًا: النزعة العلموية، فبسبب جنوح هذه النزعة يحاول الكثيرون ممن لا يعرفون أصولها أو سبب نشوءها لصق أنفسهم بها وبالعلم وإظهار أنهم يشاهدون برامج لتبسيط العلوم ليظهروا أنهم أذكياء مثقفون، بغض النظر عن أيديولوجية هذه البرامج ولو تضادت مع بعضها البعض.

خامسًا: النزعة العالمانية التي يُروَّج لها إعلاميًا كثيرًا وأصبحت الحاضنة المجتمعية بمجموعها سلوكيًا تحمل هذا الفكر ولو لم تعرف المسمى، فهو لا بأس أن يشاهد هذا البرنامج الذي سمع أن أحد العلماء نقده وأوضح ما فيه من خلل عقدي، فهو شيء”علمي” ولا بأس بمشاهدته دون أي تحصين عقدي أو فكري، وفي الوقت ذاته لا بأس من سماع برامج تدافع عن بعض قضايا المسلمين كنوع من أنواع إرضاء الضمير!

سادسًا: عدم التمييز بين الذات والمعنى، بمعنى أنني وجدت شخصًا لطيفًا يمتلك “كاريزما” قوية وحضور في الشخصية مع بعض الديكورات المتضادة الغريبة التي تلفت الأنظار وتصوير احترافي وبعض الأسماء الأجنبية ونطق الإنجليزية بلكنة أمريكية ممتازةوالتي بالطبع لهما صدى في النفس كنتيجة للتأثر بسلطة الثقافة الغالبة مما يجعل الشاب في حالة انبهار ويسلم عقله ظنًا أن هذه الهيئة لا يخرج منها خطأ، فقد أعماه الانبهار، يجب التفريق بين الذات والمعنى.

سابعًا: الكسل المعرفي، بمعنى أنّ بعض الشباب يريد أن يبحث عن موضوع معين، فبدلًا من البحث عنه بالسبل الصحيحة، يتجه لمن يتحدث عن بعض جوانبه بسطحية مُخلة، سواء عند البرنامج هذا أو ذاك، ثم يظن نفسه بعدها أنه حصّل غاية هذا الأمر، ومثله مثل أي عالم يتحدث في ذات القضية، وربما يشمّر للدخول في سجالات ظنًا منه أن ما عنده في هذه المسألة هو منتهى العلم!

ثامنًا: بشكل غير مباشر يحصل نوع من أنواع الوثائقية ويقينية الصحة بسبب الأعداد الكبيرة المشتركة في هذه القنوات، وهذه مغالطة منطقية معروفة وهو استدعاء الشعبية، فيقول الشاب في نفسه الملايين يشاهدونهم أيعقل أن يكونوا على خطأ! يستحيل ذلك، هل كل هؤلاء البشر متأثرين بهذه المغالطات؟ لا يمكن، وتسحره الأعداد والتفاعلات ليستمر في فقدان نفسه وهو لا يشعر.

ربما اتضحت هذه الصورة الغامضة العجيبة حقيقة بعض الشيء بعد ذكر هذه النقاط، وأرجو أن يكون الشباب أكثر حرصًا في الأفكار الواردة عليهم، وكما أن معظم النار من مستصغر الشرر كما قال المتنبي، فكذا الانحرافات الفكرية والعقدية الكبرى أحيانًا كثيرة يكون سببها تراكم لأفكار مقتطَعة تبدو بسيطة وصغيرة ولن تؤثر، ولكن مع تراكمها وفي ظل ضعف المنظومة التزكوية العقدية وكذا الفكرية الصحيحة، تتعاظم هذه الأفكار داخل الإنسان وتتبلور حتى ينحرف فكريًا تمامًا بشكل خارجي مفاجئ، لكن هذه العوامل تنخر في داخله منذ سنوات.

ونصيحتي أن يحاول الشباب تحصيل الحد الأدنى من الحصانة الفكرية والعقدية التي تساعد في تقليل حِدة هذه التيارات الجامحة في هذا العصر، من الكتب الجميلة جدًا في هذا الجانب والبسيطة في الوقت ذاته وكذلك منهجية منطقية هو كتاب سابغات لأستاذنا أحمد يوسف السيد، أنصحكم بقراءته..

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M