عمق البناء العقدي في دعوة الأنبياء

25 يناير 2024 16:15
السعودية تعلن وصول أكثر من مليون حاج من الخارج

هوية بريس – حسن عباس

عندما وقف خطيب الأنبياء شعيب عليه السلام يأمر قومه وينهاهم مذكرا بأوامر الله وتكاليفه، كان يجدد قِيَما عظيمة كانت هي أصول دعوة الأنبياء وورثتهم من العلماء والدعاة.

لقدخلد القرآن تلك المواقف النبوية لتتظافر مع غيرها من الوارد في شرعنا حتى تتبين أهميتها وأولويتها للقائمين على الشأن الدعوي في كل الأزمنة والعصور..

يقول سبحانه على لسان شعيب عليه السلام:
(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي)

والبينة التي أقام عليها شعيب دعوته هي التي يحتاجها الدعاة اليوم وهي اليقين المبني على الحجة والطمأنينة في صحة مفردات الدعوة من منهجية سليمة ووضوح في الأولويات وسلامة في المضامين،

وهنا تبرز الهوة واسعة بين ما هو اتباع مطلوب لتغيير المجتمعات وما هو اضطراب قامت عليه الكثير من الدعوات المعاصرة بعيدا عن هذا المنهج القرآني المبين.

ثم يواصل فيقول: (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا)
قد رزقه الله من حلالِ ما كان ينهى عنه قومه من تطفيف واحتيال وهنا وقفة للقائمين على الشأن الدعوي ممن ابتلي بإدارة شيء من المال العام أو حراسته، هل أحسن الوقوف عند حلاله واجتنب حرامه ليكون معاشه عفافا كدأب المصلحين من الدعاة الحريصين على الحلال الطيب أم كان جزءً من المجتمعات الفاسدة المختلسة التي لا تعتبر العيب في الاختلاس وإنما كل العيب عندهم في أن يُضبَط أحدهم وهو يختلس..!

وهكذا إذا اندمج الداعي إلى الله في مجتمعه بالسرقة والتطفيف ولم يرتق بفعله إلى مستوى ما يدعو إليه كان محطما لمعنى القدوة وعَقَبَةً بتجاوزات أعماله أمام نجاحات الدعوة إلى الله وانتشارها.

ثم يواصل قوله:
(وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ)

إنّ هذه الإرادة لنبي الله شعيب (وما أريد) هي إرادة شرعية مدارها التكليف وليس الجِبِلّة، استجاب بها لأوامر الله على ما فيها من مشقة، وما كان له أن يخالف بفعله ما قامت عليه دعوته من صدق وتعفف.

ثم نبه إلى أمر عظيم حيث لم ينسب هذا الانضباط الشرعي والقيمي لنفسه بل نسب توفيقه فيه إلى الله سبحانه فقال:
(وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِالله) وهذا أدب مع الله يندر وجوده اليوم بين العاملين للإسلام.

ثم أضاف درجة أخرى من البناء العقدي ليترابط مع ما سبق من بناء منهجي وقيمي فيزيده عمقا وبيانا واتضاحا فيقول:
(عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) هود: (88)

فالتوكل والإنابة من أعظم العبادات القلبية خاصة إذا تظافرت مع الانضباط الشرعي في السلوك والأعمال المتعلقة بالجوارح لا تزيد العبد إلا مكانة عند الله ورفعة بين الخلق وقوة في التأثير، فالإنسان مهما بلغ من العلم والدعوة إذا لم يستشعر ضعفه بين يدي ربه ورأى لنفسه شأنا بعيدا عن الله فذلك هو الخدلان..

وإذا ما غفل عن افتقاره للتوكل والإنابة مع ما قد تبرز له من احتياجاته البشرية وتعظم في عينيه فيسقط عمّا ينتظره من تأثير وقيادة فما أسرع أن يكون فاشلا فيما يقيم به دعوته وذلك هو الخذلان والهلاك الذي نَجَى منه الأنبياء ووقع فيه مَن دونهم من الفلاسفة والأدعياء.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M