عن تعديلات مادة «التربية الإسلامية».. لَعلّـه خيــر..!

06 سبتمبر 2016 23:19
جمعية أساتذة الفلسفة تدق طبول الحرب.. على مادة التربية الإسلامية

هوية بريس – ذة. لطيفة أسير

حين بدأ الحديث عن التعديلات التي ستطرأ على مادة التربية الإسلامية ببلدنا الحبيب (المغرب)، قلتُ حينها على صفحتي بموقع التواصل الاجتماعي (الفايس بوك) أن سورة الفتح سيتم حذفها بسبب ما تضمنته من حديث عن الجهاد وبيعة الرضوان وصلح الحديبية، واليوم تأكد هذا الأمر، لكن ما أثار استغرابي هو السورة التي وقع عليها الاختيار -فرارًا من الحديث عن المواضيع الذي تؤرق الكثير من العلمانيين ومن سلك مسلكهم- وهي سورة الحشر، إذ أن سياق السورة وسبب نزولها لا ينفك عن موضوع الجهاد، بل هو يتحدث بشكل مباشر عن اليهود وجهاد المسلمين ضدهم منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولعلنا نقف وقفة مع السورة ومعانيها ليتّضح الأمر عيانا!

تُطالعنا السورة بدْءًا باسمها الأعظم الذي يذكّرنا بيوم الحشر، ذاك اليوم الذي سيجمع الله فيه العباد ليروا أعمالهم، حيث لن ينفع القوم حينها لا أمريكا ولا الكيان الغاصب ولا كل الضغوط الدولية..

سورة الحشر تذكّر المسلمين بطبع اليهود الغادر، الذي لا ينفك عن سيرتهم عبر التاريخ الإنساني الطويل..

سورة الحشر تكشف عداء اليهود للإسلام ونبيه المختار صلى الله عليه وسلم ..فما أن تذكرها حتى تتذكر يهود بني النظير ومكيدتهم لقتل الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد ثبت في صحيح البخاري (عن سعيد بن جبير أنه قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: أنزلت في بني النظير).

يقول سيد قطب في كتابه الماتع “في ظلال القرآن”: (نزلت هذه السورة في حادث بني النضير في السنة الرابعة من الهجرة. تصف كيف وقع؟ ولماذا وقع؟ وما كان في أعقابه من تنظيمات في الجماعة الإسلامية.. ترويها بطريقة القرآن الخاصة، وتعقب على الأحداث والتنظيمات بطريقة القرآن كذلك في تربية تلك الجماعة تربية حية بالأحداث والتوجيهات والتعقيبات).

وقد كانت وقعة بني النضير في أوائل السنة الرابعة من الهجرة بعد غزوة أحد وقبل غزوة الأحزاب، وكان سببها تعرض الرسول صلى الله عليه وسلم لمحاولة اغتيال من قِبل يهود بني النضير الذين كان لهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم عهد واثقهم عليه حين دخوله صلى الله عليه وسلم للمدينة المنورة، يقول سيد قطب في معرض تفسيره للسورة:

(كانت وقعة بني النضير في أوائل السنة الرابعة من الهجرة بعد غزوة أحد وقبل غزوة الأحزاب. ومما يُذكر عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب مع عشرة من كبار أصحابه منهم أبو بكر وعمر وعلي -رضي الله عنهم- إلى محلة بني النضير، يطلب منهم المشاركة في أداء ديّة قتيلين بحكم ما كان بينه وبينهم من عهد في أول مقدمه على المدينة. فاستقبله يهود بني النضير بالبشر والترحاب ووعدوا بأداء ما عليهم، بينما كانوا يدبرون أمرا لاغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه. وكان صلى الله عليه وسلم جالسا إلى جدار من بيوتهم. فقال بعضهم لبعض: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه. فمَن رجل منكم يعلو هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب. فقال: أنا لذلك . فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال. فألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبيّت اليهود من غدر. فقام كأنما ليقضي أمرا) اهـ.

فكانت هذه الحادثة نكثا للعهد من قِبل اليهود، وسببا كافيا لحصار الرسول صلى الله عليه وسلم ليهود بني النضير، حيث (أمهلهم ثلاثة أيام -وقيل عشرة- ليفارقوا جواره ويجلوا عن المحلة على أن يأخذوا أموالهم، ويقيموا وكلاء عنهم على بساتينهم ومزارعهم. ولكن المنافقين في المدينة -وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق- أرسلوا إليهم يحرضونهم على الرفض والمقاومة).

يقول الله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب: لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا، وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون﴾.

وحين طال أمد الحصار (26 يوما) دبّ اليأس في قلوب اليهود بعد أن خذلهم إخوانهم من المنافقين، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فاستسلموا وطلبوا من الرسول صلى الله عيه وسلم أن يأذن لهم بالخروج من المدينة بأمتعتهم دون السلاح، ففعل عليه الصلاة والسلام.

وقد كانت أموال بني النضير فيْئًا خالصا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، لأن المسلمين لم يضطروا في هذه الوقعة لقتال أو غزوٍ. وقام الرسول صلى الله عليه وسلم بتوزيع الأموال على المهاجرين دون الأنصار، تعويضا لهم عن أموالهم التي تمت مصادرتها من قِبل مشركي مكة، وإقامةً للتوازن الاجتماعي في الدولة المسلمة الجديدة حتى لا يكون المال حكرًا على الأغنياء.

فالسورة بهذا تضع إطارا لبعض قواعد النظام الاقتصادي والاجتماعي داخل الدولة الإسلامية، وهي عدم جعل المال متداولا بين فئة دون أخرى، بل هو رزق من الله ومن حق المسلمين كلهم أن يستمتعوا بالخيرات التي يسوقها الله تعالى لبلدانهم في السلم أو الحرب.

وقد خصّ الله تعالى حدث بني النضير بسورة خاصة لتكون عبرة لكل من يشاقق الله ورسوله من أهل الكتاب والمنافقين ومن سار على دربهم ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾.

السورة تعرض كذلك لإرادة الله المطلقة المسيرة لأقدار الكون والمتحكمة في مصائر العباد، حيث أشارت إلى أن الأحداث التي وقعت والتي تحرّج منها بعض المؤمنين من قطع النخيل وتحريقه إنما كانت بأمر الله الذي منع مثل هذه الأمر في السابق وأبقى على تحريمه لاحقا، ولكنّ حكمته سبحانه اقتضت فعل ذلك مع اليهود في هذا الموقف تأديبا وتعذيبا نفسيا لهم ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله، وليخزي الفاسقين﴾.

يقول سيد قطب في ظلاله: (وهذه الآيات التي تبين حكم الله في هذا الفيء وأمثاله، تحوي في الوقت ذاته وصفا لأحوال الجماعة المسلمة في حينها، كما تقرر طبيعة الأمة المسلمة على توالي العصور، وخصائصها المميزة التي تترابط بها وتتماسك على مدار الزمان، لا ينفصل فيها جيل عن جيل، ولا قوم عن قوم، ولا نفس عن نفس، في الزمن المتطاول بين أجيالها المتعاقبة في جميع بقاع الأرض).

كما تحيل السورة إلى أن القانون الحاكم للدولة الإسلامية هو شرع الله تعالى المستمد من الكتاب والسنة، فما كان فيهما من أمر وجب التزامه، وما كان فيهما من نهي وجب اجتنابه ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾، فكل حكم جانَب ثوابت الدين فهو مردودٌ مهما علا شأن الجهة التي أصدرته!

وسلطت سورة الحشر الضوء على بعض جماليات العلاقات الإنسانية داخل المجتمع المسلم، تلك العلاقة الطيبة التي جمعت المهاجرين بالأنصار وأرّخت لأجمل صور التآخي والإيثار في التاريخ الإنساني، وتلك الصفات العالية التي اتسم بها المجتمع المسلم بعد عهد الصحابة الكرام، يقول سيد قطب معقبا:

(وتتجلى من وراء تلك النصوص طبيعة هذه الأمة المسلمة وصورتها الوضيئة في هذا الوجود. تتجلى الآصرة القوية الوثيقة التي تربط أول هذه الأمة بآخرها، وآخرها بأولها، في تضامن وتكافل وتواد وتعاطف. وشعور بوشيجة القربى العميقة التي تتخطى الزمان والمكان والجنس والنسب؛ وتتفرد وحدها في القلوب، تحرك المشاعر خلال القرون الطويلة، فيذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد القرون المتطاولة، كما يذكر أخاه الحي، أو أشد، في إعزاز وكرامة وحب. ويحسب السلف حساب الخلف. ويمضي الخلف على آثار السلف. صفا واحدا وكتيبة واحدة على مدار الزمان واختلاف الأوطان تحت راية الله) اهـ.

وفي السورة لفتة ربانية إلى صورة أخرى للأخوة لكن بشكلها المقزز المنفّر الفاسد المؤذي، وهي أخوة المنافقين مع من كفر من أهل الكتاب، وهي صفة تؤكد أن ملّة الكفر واحدة وإن تعددت لبوسها ﴿ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب﴾.

وفي ثنايا السورة إشارة إلى حقيقة اليهود وصفاتهم على مرّ السنين والتي أثبتت أحداث العالم مؤخرا حقيقتها من غدرٍ وجبنٍ وسعي حثيث لتحقيق المصالح الشخصية دون اعتبار لدين ولا عرف ولا إنسانية: ﴿لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر. بأسهم بينهم شديد. تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى. ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾. فمهما بدا تماسكهم وتعاضدهم فإن ذلك لا يعدو أن يكون مظاهر خداع تخفي صراعات شتى. لذا على المؤمن أن يكون كيّسًا فطِنًا ويدرك حقيقة عدوه الذي يقاتله ولا يستبق الحرب بخوف قبلي منه فينكسر داخليا قبل أن يكسره عدوه. فالخراب كائن بدواخلهم، لكن ضعفنا نحن وضلالنا  هو الذي جعلهم يستأسدون.

على أن وقعة بني النظير لم تكن حدثا فرديا، بل سبقه حادث يهود بني قينقاع الذي أعقب غزوة بدر الكبرى، والتي كانت عقب تحرش أحد اليهود بمسلمة عفيفة، والذي انتهى بإجلائهم عن المدينة، وهذا الحدث هو الذي أشارت إليه الآية الكريمة ﴿كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم﴾.. فملّة الغدر والخيانة والخسّة واحدة!

وبعدُ أخي القارئ،

هذه بعض معاني سورة الحشر سردتها في عجالة، ولعلك تستغرب معي اختيارهم لها في ظل المبررات التي سِيقت للتعديل وهي كما جاءت على لسانهم : حذف كل ما يدعو للجهاد أو “العنف” على حدّ تعبيرهم، ومنع الكراهية بين الأديان وغيرها من المبررات الواهية .

شخصيا لست ضد هذا التعديل، وإن كانت السورة من حيث تناولها أصعب من سورة الفتح، وهذا أمر لن يعيَه إلا من له احتكاك مباشر بمستوى التلاميذ في السلك الإعدادي. ولكنه يبقى خيرا فكل السور كلام الله، والحديث عن طبع اليهود في مثل هذه الظروف أمر أستحسنه!

يا من تلتفون حول سور القرآن بحثا عما يخدم مطامعكم: أينما تولوا فثم وجه الله، وحيثما فررتم فلن تجدوا غير الجهاد سبيلا لإعلاء كلمة الحق الذي هو الإسلام ﴿إنّ الدين عند الله الإسلام﴾، وليس في هذا مصادرة لحق التدين، فلا إكراه في الدين كما نعلم، ولكن الحق الذي أعلن عنه ربنا والذي لا مراء فيه هو أن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده، والجهاد ذروة سنامه ولو كره أعداء الدين. ونقولها ونكررها ما أحيانا الله:

ديننا ليس دين إرهاب، وكتاب ربنا ليس كتاب إرهاب، وسيرة نبينا لا تحوي مظاهر إرهاب، ولن نصمت عن الجهر بما ينبغي الجهر به..

 بقي أن أشكر جزيل الشكر من اختار سورة الحشر!

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M