للتفاهة أسبابها الأخرى

26 مارس 2024 18:33

هوية بريس – ابراهيم أقنسوس

الواقع، أن ما يتردد من نقاش، حول ما تعرضه بعض القنوات التلفزية الوطنية، على المواطنات والمواطنين، مما يسمى فن (الكوميديا)، خلال شهر رمضان، يستدعي طرح الكثير من الأسئلة، بغاية محاولة فهم هذه النمطية، الملفوفة بالكثير من الغموض، وعدم الوضوح.

لقد أصبحنا نشهد نفس الحكاية كل سنة ؛ التلفزة العمومية تقدم ما تقول إنه فكاهة، والكثير من المواطنين والمواطنات يعترضون، ويبدون امتعاضهم، وبلا أثر يذكر تقريبا، ثم ينتهي رمضان، ويطوى الجدل، في انتظار رمضان آخر، لتعاد نفس المشاهد، يليها نفس التذمر والتعبير عن الرفض وعدم الرضى، ما يعني أن هناك أشياء غير مفهومة ؛ السؤال، ماذا تعني هذه الحكاية، التي تحولت إلى لازمة رمضانية؟؟

هل الأمر يتعلق بغياب الموضوع، وضياع المحتوى، إلى درجة يتحول معها (الفن) عندنا، في الكثير من وجوهه، ومنها ما يسمى فن الفكاهة أو (الكوميديا)، إلى سيل من المشاهد والحركات والصور الباهتة، والتي لا تقول أي شيء تقريبا، في وقت تعج فيه حياتنا الإجتماعية والثقافية والسياسية والتاريخية، بالكثير من المواضيع والإشكالات والأسئلة، التي تنتظر من يحسن التقاطها وقراءتها وتوظيفها، ثم تصريفها في أعمال تخاطب المواطنين، وتلامس اهتماماتهم، وترقى بأذواقهم، وتحفز مستويات وعيهم.

من وجهة أخرى، وسؤال آخر، هل يمكن أن نقول، إن هذا هو الأفق النظري والفني، الذي يراد ترسيمه الآن، وتعميمه، والتأكيد عليه في كل مرة، من طرف الجهات المعنية، بالشأن الفني، في شقه المرتبط بما يسمى فكاهة، وفي شهر رمضان؟، هل هذه هي الرسالة التي يتلقاها المنتجون، ثم المخرجون، فالممثلون، والكثير من الإعلاميين، بالتبع؟، وفي جملة واحدة، هل أصبحت التفاهة مطلبا رسميا؟

ومن وجهة ثالثة، ألا يعتبر هذا الذي يحدث، نتيجة طبيعية، لغياب النخبة وابتعادها، أو تغييبها وإبعادها، عن المجال الفني، كما الكثير من المجالات الأخرى، لأسباب كثيرة ومتنوعة، ما يؤدي في النهاية إلى شيوع الضحالة والتفاهة، والتهريج المجاني، بدل الفن، القائم على الفكرة، والخيال المبدع، والتعبير المفعم بالرسائل، والإشارات والأسئلة الهادفة.

واضح، أن إشاعة التفاهة، يعني في المقابل، شيوع الضحالة، الذي يعني، ضمور الوعي، وسيادة التسطيح، وأشكال التهافت النظري والسلوكي، في الكثير من المجالات، فليست التفاهة في الفن، إلا انعكاسا، ورجع صدى، لألوان من التفاهات التي تحيى بيننا ؛ في الشارع، في المدرسة، في الإدارة، في البرلمان، في النقاش العمومي ؛ وليست هذه كلها بالنهاية، إلا نتيجة مباشرة، لفشلنا في إكساب المواطنين والمواطنات، الحد البدهي، والمعقول والضروري، من شروط الحياة الكريمة، ما يعني أن مشكل التفاهة، توجد أجوبته في أماكن أخرى، غير التلفزة ؛ في التعليم الذي يستهوينا الحديث عن إصلاحه، دون إرادة هذا الإصلاح، ما يحرم المواطنين من امتلاك المعارف والمهارات الضرورية ؛  في الثقافة، النتيجة البدهية للتعليم الجيد، تلك التي لا نكاد نوليها أي اهتمام حقيقي، ذاتيا ورسميا، يستوي في ذلك المتعلمون وغير المتعلمين، إذ كيف نتحدث عن التفاهة في غياب القراءة الجادة، بالتأكيد لن ننتج إلا خطاب تفاهة، حتى ونحن نتحدث عن التفاهة ؛ في السياسة، التي تحولت عندنا، في مجملها إلى مواسم للضجيج، وعروض في (فن) التفاهة.

إنه، لا يمكن محاربة التفاهة، إلا بمواجهة  أسبابها الموضوعية، ومعالجتها من جذورها العميقة، التي توجد معظمها، خارج التلفزة لا داخلها؛ فهذه العصا من تلك العصية.

 

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M