يحرقون حروفه هناك ونضيع حدوده هنا

31 يوليو 2023 19:56

هوية بريس – د.الحسن الباز / أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية جامعة ابن زهر

كتب الأستاذ شوقي ابوخليل كتابا بعنوان: من ضيع القرآن. وكتب الأستاذ فهمي هويدي كتابا بعنوان: التدين المنقوص. وهذا أوان الرجوع الى هذين الكتابين بمناسبة واقعة إحراق المصحف. فإذا أحرقت رسوم المصحف وحروفه هناك في السويد فقد ضيعت حدوده هنا داخل أرض الاسلام. واذا كنا نغار على حرمات الله ومقدساته ونغضب اذا أحرقت حروف المصحف هناك ولن يؤثر ذلك في شيء على حفظه لان الله الذي أنزله حافظه الى يوم القيامة.

فإنه بتضييع حدوده وعدم اقامة أحكامه تنتهك حقوق في الانفس والاموال والأعراض والبلاد منها ماهو من حقوق الله. ومنها ماهو من حقوق العباد من حيث إمكانية عفوهم عنها واسقاطهم لها. والا فكل الحقوق لله لأنه الواهب لها تفضلا والموجب لاستيفاءها ابتلاء وامتحانا.

والقاءمة المرفقة التي تحمل اسماء الشخصيات الوطنية الموقعة على استنكار احراق المصحف حافلة بأسماء تولت تدبير الشؤون العامة بما فيها شان الحقوق والعدالة. فليسال كل واحد من هؤلاء الفضلاء نفسه ماذا قدم عندما كان في الولاية العامة لاقامة حدود القرآن ولوبشكل مرحلي حسب ما يسمح بذلك الاجتهاد ومراعاة المالات وقواعد السياسة الشرعية. وان فاتتهم الفرص انذاك فهل يستثمرون الان كفاءتهم وخبرتهم ورصيدهم السياسي والاعتباري في خدمة مشروع اقامة حدود القرآن وتطبيق احكامه.

ولا نملك الا ان نغتبط ونسعد بالتاريخ المجيد للامة المغربية مع القرآن حفظا واتقانا لرسمه وقراءاته وتوسعا في اعرابه وتفسيره وشرح غريبه وتذوق بيانه ورعاية مدارسه وحفظته وتنمية أوقافه. كما نسعد بالصحوة المغربية المباركة الجديدة مع القرآن في الاهتمام بحفظه ودراسة علومه والانفاق على متعلميه وتأسيس قناة اذاعية خاصة به وقناة تلفزية يغطي شطرا هاما من برامجها. فضلا عن تأسيس مؤسسة خاصة لنشر مصاحفه والحفاظ على رسومه. وتخصيص الجواءز لمجوديه ومتقني حفظه وتفسيره.

ومع ذلك فإن هناك جوانب ضيعنا فيها القران احيانا عن غفلة وعدم قصد وإصرار. وأحيانا عن جهل بخطر التضييع وحكمه ومالاته.

فعلى مستوى التشريع مازال القرآن غاءبا في بعض منظوماتنا القانونية خاصة في التشريع الجناءي الا في استثناءات محدودة تزاحمها التزاماتنا بالمواثيق الدولية وكانها دين جديد يجب أن نقدمه على كل ما خالفه.

وفي المجالات الأخرى حتى المستمدة بعض احكامها من القه المالكي مازلنا نعاني من ذلك الفصام النكد بين القواعد القانونية والقيم الخلقية والقناعات الاعتقادية مما يجعلنا لا ننقاد للقانون الاخوفا من الجزاء والعقاب وليس تقربا واستسلاما لمن له حق التشريع كما هو مقرر في مسلمات العقيدة والتوحيد.

وفي مجال التعليم لا نعطي لحفظة القرآن فرصا أوسع للاندماج في المنظومة التعليمية العمومية فضيقنا على التعليم الأصيل وقلصنا عدد فصوله في المؤسسات التعليمية الى أقل حد ممكن وعدمت هذه الفصول في كثير من المؤسسات التعليمية العمومية والخصوصية. وزاحمنا برامج التعليم العتيق وخصوصياته بمواد العلوم الكونية والإنسانية واللغات الأجنبية. رغم انه لا يهددنا في المستقبل نقص في كفاءات متقني هذه المواد. وانما الخطر القادم هو قلة العلماء والأءمة والحفاظ. الا اذا توهمنا ان هذا التعليم ببرامجه القديمة هو الذي يهيء لفكر الغلو في الدين رغم ان الحالات المسجلة تدل عل ان ضحايا الغلو إنما هم من المستويات الدراسية المتواضعة والتخصصات الدراسية غير الشرعية بل من البعثات الأجنبية احيانا فضلا عن الفضاء السبراني المفتوح لضحايا الكبت الفكري في المؤسسات النظامية.

وفي مناهج التعليم العالي حرمنا طلبة التخصصات الأخرى من غير الدراسات الإسلامية والعلوم الشرعية من ارواء ظمءهم الفطري وفراغهم الروحي بالغاء المواد الإسلامية التي كانوا يدرسونها في مراحل سابقة والغينا كثيرا من المواد الشرعية التي كانت تدرس في كليات الحقوق رغم ضرورتها لرجل قانون المستقبل قاضيا ومحاميا واداريا واقتصاديا مثل أصول الفقه والقانون العام الإسلامي والمعاملات المالية. لتبقى مدونة الأسرة وما يلحق بها من التوثيق يتيمة تشكو وهن الفقهاء وهيمنة المرجعية الوضعية المزاحمة للمرحعية الدينية باسم الكونية وشرعية المواثيق الدولية.

واذا وردنا الى المسالك المتخصصة في الدراسات الإسلامية والعلوم الشرعية وجدنا درس القرآن وتفسيره ضامرا لانه بدل ان نعدد الوحدات التي يدرس فيها الطالب نصوص القرآن وتذوق جماليته وبيانه ويتفقه في احكامه ويعتبر بقصصه ومواعظه اكثرنا له من الوحدات المتعلقة بتاريخ القرآن وعلومه. فلا يكاد يبدأ في تفسيره حتى يعلم انه على وشك مغادرة الجامعة، مما جعلني اسأل مرة طالبة في الاختبار الشفوي عن اسم كتاب واحد في التفسير تستحضره فلم تعر جوابا، فسألتها هل عندكم مصحف في البيت، فبقيت صامتة. واذا كان هذا حال من يجتاز اختبار التخرج في تخصص المصدر المعرفي والمنهجي الاول فيه هو القران فماذا سيكون الحال عند طلبة كليات الطب والتجارة والاعلاميات ومعاهد الفنون ومدارس المهندسين والضباط والبحارة والطيارين وغيرهم.

ومن العادي بعد ذلك أن نحول أرضا مخصصة للعلوم الشرعية الى مؤسسة للذكاء الصناعي إو نحول كلية للعلوم الشرعية الى كلية متعددة الاختصاصات. واذا استمر منطق التاريخ فالقادم أسوأ. والقرآن هو الذي يفضح ضعفنا وخذلاننا وتضييعنا له، بل نفاقنا وظلمنا وجهلنا. (وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا) والله المستعان.

آخر اﻷخبار
2 تعليقان
  1. يحرقون حروفه هناك ونضيع حدوده هنا في بلاد الإسلام صدقتم أستاذنا الفاضل حفظكم الله
    هذه حالنا مع الأسف نسأل الله أن يرينا عيوبنا والله المستعان

  2. حفظ الله الاستاذ الحسن الباز ورعاه، درسني في الجامعة ومن أبناء إقليم تيزنيت، وبالضبط أگلو حيث مدفن العالم المصلح الرباني سيدي وگاگ بن زلو اللمطي ، شيخ مؤسس الدولة المرابطية

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M