بين إعدام «النِّمر» ومحاصرة «مضايا» حكاية أمة منكوبة

15 يناير 2016 20:45
صناعة القدوات بين ماضي البناء وحاضر الهدم

محمد بوقنطار

هوية بريس – الجمعة 15 يناير 2016

قبل أسابيع اجتمع العرب قاطبة، فحسبنا جمعهم لأول وهلة وإن جاء متأخرا سيسجل معهود أضعف إيمانه إدانة وشجبا واستنكارا مقابل ما يقع للجسد والعرض والأرض والدم السني في أرض الملاحم هناك في بؤر التوتر، ونعني بها أرض الشام واليمن والعراق، ولكن الحسبان انقلب إلى احتساب.

فقد اجتمع إخوة آصرتي الدين والعرق والدم ليستنكروا ويشجبوا ويدينوا التدخل التركي في أرض العراق، وكأن العراق دولة لا تزال تحتفظ بمقوماتها السيادية من أمن وحرية وحدود ومؤسسات، ولست أدري كما غيري كيف غاب عن معشر المجتمعين وأجندة اجتماعهم ومزايا تحالفهم حقيقة أن اجتماعهم فيه إشارة ضوئية خضراء يعطي لونها الفاقع بقصد أو بغيره انطباعا لا تخطئه عيون المترصدين ولا تستشكل رمزيته دلالة على التسفل في نقيصة الاصطفاف إلى جانب المشروع الإيراني الصفوي ضد التجرد التركي ذي الأنفاس العثمانية العائدة في صدى وتردد.

وهل كان ليغيب على الغريب قبل القريب حقيقة أن الشيطان الأكبر كما آثر الإيرانيون أن ينعتوه دائما في درك التدليس والتلبيس واقع أنه سلم مفاتيح الغُنم الحضاري إلى أحفاد أبي إسماعيل الصفوي، وليس هذا من باب الفرية في غير صدق ولا روية وإنما هو أمر صدقته الأحداث وترادف الوقائع على الأرض وعشنا لنرى كيف كرّ الحرس الثوري الإيراني وأذرعه العسكرية مجتازين حدود سايكس بيكو تحت الغطاء الجوي للطائرات الحربية الأمريكية، بل رأينا وتذوقنا مرارة طول صمت وثقل تواطئ المارد الأمريكي أمام ابتلاع إيران وبسط نفوذها وهيمنتها الشبه الكاملة على أربع عواصم عربية لسنا نستحيي أن نعرج على ذكرها في غصة ومضض (بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء).

وكما يقال أن وراء كل محنة مكسب منحة فقد تبددت تلك النظرة الاستهلاكية المحلية المدخولة التي تأثرت بالطعم الملغوم الذي كان يسوّق لكذبة الممانعة والمقاومة ووهم العداوة والبغضاء لكدح المغضوب عليهم وسيرة الضالين، كما تأثرت بطول المجادلة وسمفونية الحوار واللقاءات التوافقية بين أمريكا وإيران حول ملفها النووي، والتي كانت ولا تزال تشكل الغطاء والستار الضامن لعفوية الارتباط وإبطال أي نظرة شك أو ريبة بإمكانهما التعرية عن حقيقة هذا الحوار الطويل الذيل الضارب الطنب في الخداع، والذي يعد واحدا من الوسائل التي تقَسم الأدوار على مائدتها تنزيلا واستكمالا لفصول مسلسل الهيمنة الإيرانية على المنطقة، تلك الهيمنة المشروطة بواجب مراعاة وحفظ المصالح الأمريكية والصهيونية في المنطقة وتوطينا لآلية الاستخلاف الذي يضمن لكل نصيبه المناسب من عملية التداعي على قصعة غثاء السيل السني المتهالك.

ولا شك أن جماهير الشعوب السنية التي ظلت مخدوعة حينا من الدهر غير قليل في المشروع الشيعي الذي تقوده دولة إيران، وهي اليوم تتحرر من تكيف الرؤية وزيف الانطباع تتوق إلى استعادة ثقتها واستقرارها النفسي، بل وتؤمن أن هذا التوازن النفسي لن يوجد ولن يولد إلا في مناخ سياسة ند حازمة تتبناها أرض مهبط الوحي وبؤرة التنزيل والإرسال لما تملكه من رمزية روحية وقداسة مكانية في وجدان أمة المليار ونيف.

والمسلم السني عموما لا يرى من أجل نجاح هذه المواجهة سبيلا غير سبيل تحرر الثغر السني من الهيمنة الأمريكية والخروج عن طوق قيدها والانسلاخ التام عن شروطها التي كممت سياسة تبنيها أفمام العلماء والدعاة والمصلحين بدعوى محاربة مصادر الفكر المتطرف كما حاصرت وحجرت على الرأسمال السني تحت ذريعة تجفيف منابع تمويل الإرهاب، بينما نجدها بالمقابل قد غضت الطرف على الخطاب الشيعي القاتل كما أطلقت يد إنفاقه بسخاء حتى لتكاد حوزة أو حسينية أن تمول مشروع تأسيس دولة وبناء كيان يمتلك من القوة ما تنوء بحمل مفاتيح كنوزه العصبة من أولي القوة والتمكين الاقتصادي.

ولنا أن نتصور كيف استطاع حزب كحزب الله أن يبتلع دولة لبنان بمختلف مؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية والعسكرية وأن يعبر الحدود وينتهك حرمتها على عين الذين رسموها على الأرض بالنار والحديد ليقتل ويغتصب وينهب ويحاصر، كما لنا أن نتصور كيف تسنى لقبيلة بدو جافية كقبيلة الحوثيين أن تقف في وجه تحالف عربي يملك من نصاب التفوق العسكري برا وبحرا وجوا ما هو معروف للبعيد قبل القريب وللعدو قبل الحبيب.

ولنا في السياق ذاته أن نتصور حجم الضجيج الإيراني المتزايد الذي أعقب إقدام الدولة السعودية في إطار تصرفها السيادي على إعدام مواطن سعودي عاش يأكل من خيرها وينيب في صفاقة وتمرد لغيرها، كل امتيازه أنه شيعي المشرب رافضي المعتقد إيراني الولاء، وربما احتجنا مع هذا التصور وقبله التذكير بأن إيران التي انفجرت من الداخل ووصل دخان انفجارها مستوعبا كل المنطقة، هي نفس الدولة التي متى ما فتحنا ملف إعداماتها فإننا لا ولن نفكر في إغلاقه لاستحالة وصعوبة عدّ واستيعاب عدد ضحايانا من العلماء وطلبة العلم وجمهرة من الشباب العربي الأحوازي والشباب الكردي السني في إقليم مهاباد، وكذا الشباب الأذري والبلوشي.. وقائمة المعطوفات لا يحيط بها علما إلا الله سبحانه وتعالى، مع واجب التنبيه على أن كل ذلك كان سيئة قارفتها إيران على مرأى ومسمع وصمت المجتمع الدولي المتواطئ في غدر ومساومة وغبن.

ولنا بعد هذا التصور المذيل بخاتم الغدر والمساومة الدولية أن نقارن بين حادث الإعدام هذا وبين محاصرة مدينة «مضايا» بشيوخها وأطفالها وحرائرها، تلك المدينة التي سجلت أحداثها بالصوت والصورة والرائحة مُوقعة على أكبر مأساة إنسانية تكسر ويتكسر على صفوان معاناتها زيف شعارات حقوق الإنسان والحيوان والمرأة والطفل والسجين، والتي لم يكتف أصحابها بالكف والوقوف المتخاذل بل شاركوا بتواطئ في صناعة كل أطوار أزمتها ورسم صورتها التشكيلية المأساوية التي أثث ويؤثث الجوع والهلاك كل جوانبها كما يشرح بريشة سواد ومداد دم أن البعد الأخلاقي لم يعد له اعتبار مقدم أو حتى مطروح للمناقشة في ظل تغول وتحكم المصالح السياسية والاستراتيجيات المستشرفة، وخصوصا عندما تكون مادة الظلم وخشبة الاعتداء هو اللحم السني ولا يعنينا بعد ذلك الكلام عن هوية المعتدي أكان ماجوسيا أم بوديا أم سيخيا أم هندوسيا فالمباركة والتأشير مستنسخ انحيازها في تكرار مُرَبَّت على أكتاف مقترفيها في محاباة وإقرار.

وجدير بنا في هذا المقام ونحن نبارك هذه الهبّة السنية المباركة التي تقودها دولة السعودية أن نخاف أو نخشى أن تأتي الأوامر من جهة إقليمية ما، مؤشرة بكل حزم وعزم على فرملة عجلة هذا السير والركز المبارك الذي نشم فيه ريح ترميم أطلال بقايا التمكين لولا أن تفندون، كما نستشرف من خلاله اطراد خطى هذا السعي الذي قال فيه أحد أئمة أهل السنة وأعلامها من الذين خبروا خطر الشيعة الروافض، إذ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «سعي المسلمين في قهر الروافض من أعظم الطاعات والعبادات».

معيدة -هذه الأوامرـ المارد الشيعي إلى سابق عربدته ومعهود مناكفته وكبيرة تدخله في الشؤون الداخلية للثغر السني برمته ومفعلة بشكل أو بآخر الخلايا السرطانية من جنس الهالك النمر وشواكله ممن أجسادهم بيننا تأكل وتتخلى بينما أرواحهم متسفلة في نقيصة الانحناء في ذل وإخبات وخبت للولي الفقيه هناك في طهران أو للأمين العام هناك في جنوب لبنان على أخف تقدير.

 وليس خوفنا ولا خشيتنا وليدة فراغ أو ارتجالية توقع وإنما هو إحساس نابع من عمق حقيقة ما ترسخ عندنا من إدراك لطبيعة الدور التاريخي للرافضة، سيما بعد سقوط ورقة توت حلف الممانعة والمقاومة وبعد تحسس حجم المصالح المشتركة بين المشروع الصفوي والمشروع الصهيوصليبي والذي كان ولا يزال موضوعه هو ذلك العدو الذي مهما تفنن المدلسون المترفون ومن في سلتهم في إشباع رصيده بتعدد الأسماء والألقاب والمسميات والأنباز والأوصاف فإنه يبقى على الحصر والقصر هو جنس المسلم أو المنتسب السني على أبلغ تسمية وأدق تعبير.

[email protected]

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M