بلغك الله رمضان… فماذا أعددت له؟

18 فبراير 2026 01:05

هوية بريس – شريف السليماني

أن يمدّ الله في عمرك حتى تدرك شهر رمضان ليس أمرًا عاديًا ولا حدثًا يتكرر بشكل تلقائي. كم من أناس كانوا معنا في رمضان الماضي، صاموا وصلّوا وخططوا أن يعيشوا رمضان القادم، لكنهم اليوم غادروا الدنيا. حين يبلغك الله رمضان فإنه يمنحك فرصة جديدة، ويفتح لك باب القرب منه مرة أخرى، ويقول لك إن الطريق إليه ما زال مفتوحًا، ففر إلى الله. وهذه نعمة عظيمة تستحق أن تُستقبل بالشكر والفرح والاستعداد.

رمضان ليس شهرًا كبقية الشهور، بل هو أفضلها وأعظمها قدرًا. فيه الصيام والقيام، وفيه القرآن والصدقة، وفيه التراويح، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. إنه موسم تتضاعف فيه الحسنات وتفتح فيه أبواب الرحمة والمغفرة، موسم قد لا يتكرر في حياة الإنسان إلا مرات معدودة، وربما لا يدركه مرة أخرى.

والإنسان بطبعه يفهم جيدًا معنى الاستعداد للمواسم الدنيوية. فعندما تقترب الامتحانات تتغير البرامج اليومية، ويكثر التركيز والمراجعة، ويقل اللهو، لأن الهدف هو النجاح والخوف من الرسوب. وعندما تعلن المتاجر عن تخفيضات كبيرة، يخطط الناس لما سيشترونه، ويوفرون المال، ويحرصون على أن يكونوا في الموعد حتى لا تفوتهم الفرصة. فإذا كنا نحسن الاستعداد لما فيه ربح دنيوي، أفلا يكون رمضان ـ وهو موسم الربح الأخروي ـ أولى وأحرى بالاستعداد؟

إن الاستعداد الحقيقي لرمضان لا يكون بكثرة الطعام والشراب، وإنما يكون بتهيئة القلب. فكل إنسان يعرف من نفسه مواضع التقصير، ويعرف الذنب الذي بينه وبين ربه، ويعرف ما يحتاج إلى إصلاح. ولا يحتاج في ذلك إلى من يذكّره، فهو أعلم بنفسه. ومن أجمل ما يمكن أن يستقبل به العبد رمضان أن يعقد نية صادقة على أن يترك معصية من المعاصي، وأن يجعل من هذا الشهر بداية حقيقية للتغيير.

رمضان ليس فترة عابرة نؤدي فيها بعض العبادات ثم نعود بعدها إلى ما كنا عليه، بل هو محطة لتجديد العلاقة مع الله. هو فرصة لمن ابتعد عن الصلاة أن يعود، ولمن هجر القرآن أن يفتح صفحة جديدة معه، ولمن أثقلته الذنوب أن يتخفف منها، ولمن طال بعده عن الله أن يقترب.

ومن أعظم المشاريع التي ينبغي أن يركز عليها المسلم في رمضان مشروعان أساسيان: الصلاة والقرآن. فالصلاة هي الصلة اليومية بالله، ورمضان فرصة لإعادة الانضباط لها، والمحافظة عليها في وقتها، وإحيائها في جماعة وخشوع. أما القرآن، فرمضان هو شهره، وليس المقصود مجرد التلاوة، بل القراءة التي تقود إلى الفهم والتدبر والعمل. والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد على نفسه: هل ستكون علاقتي بالقرآن مؤقتة تنتهي بانتهاء الشهر، أم ستكون بداية ارتباط دائم بكتاب الله؟

وعندما ننظر إلى حال السلف الصالح ندرك الفرق الكبير؛ فقد كانوا يسألون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يسألونه ستة أشهر أخرى أن يتقبله منهم. كانوا يرون في رمضان نعمة عظيمة، ويخافون أن يحرموا أجره أو ألا يُقبل منهم العمل فيه. أما نحن فقد يدخل علينا الشهر أحيانًا بلا استعداد، ويخرج بلا أثر واضح في حياتنا.

والحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عنا أن أحدًا لا يضمن أن يعيش إلى رمضان القادم، بل ولا أن يكمل رمضان الذي سيدخله. لذلك فإن العاقل من يتعامل مع هذا الشهر على أنه قد يكون الفرصة الأخيرة، فيبذل فيه جهده ويصدق في رجوعه إلى الله.
ومن المفيد أن يخرج الإنسان قبل رمضان بقرارات عملية واضحة. أن يبدأ من الآن بالمحافظة على صلاته في وقتها، وأن يجعل لنفسه وردًا يوميًا من القرآن ولو كان قليلًا، وأن يحدد ولو ذنبًا واحدا يريد أن يفارقه ويعاهد الله على ألا يصحبه معه في رمضان. بهذه القرارات الصغيرة يمكن أن يبدأ التغيير الكبير.

إن رمضان لا يصنع المعجزات وحده، لكنه يفتح الأبواب لمن أراد أن يتغير. والتوفيق الحقيقي يبدأ من لحظة صدق بين العبد وربه، لحظة يقول فيها: يا رب، هذه المرة أريد أن أعود.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
21°
22°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد
24°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة