تحييد المنبر هل يحمي الاستقرار أم يفرغ الدين من مضمونه؟

22 فبراير 2026 17:10

تحييد المنبر هل يحمي الاستقرار أم يفرغ الدين من مضمونه؟

هوية بريس – عبد الصمد ايشن

يطرح موضوع علاقة العلماء بالسياسة وقضايا الشأن العام بالمغرب نفسه بقوة في السنوات الأخيرة، خاصة مع تنامي وقائع تحييد الخطباء والعلماء عن الخوض في السجالات السياسية وقضايا الشأن العام، بدعوى الحفاظ على حياد المنبر والمسجد. غير أن هذا الطرح يثير أسئلة عميقة حول حدود هذا الحياد، ومشروعية عزل الخطاب الديني عن هموم المجتمع وقضاياه المصيرية.

لقد عرف المغرب تاريخيا تداخلا معتبرا بين دور العلماء ومجال الشأن العام، حيث لم يكن العالم مجرد واعظ في المسجد، بل فاعلا وموجها في الأحداث السياسية والاجتماعية الكبرى، يواكب التحولات وينبه إلى الاختلالات ويدافع عن مصالح الأمة. وكان هذا الدور يمارس في إطار الثوابت الوطنية والبيعة الشرعية، دون أن يعني ذلك انخراطا في بث الفتنة وإشعال النعرات.

وهنا لابد أن نستحضر مسيرة من الأحداث المجيدة التي برهن فيها العلماء أنهم القوة المجتمعية الصلبة التي تدفع قدرات الشعب والأمة نحو تحقيق أهدافها المشروعة. أقصد مسيرة المغرب في التحرر من الاستعمار ومقاومته. منذ الحروب الأولى مع جيوش البرتغال والإسبان إلى جيوش الفرنسيين بربوع المملكة الشريفة.

غير أن المرحلة الراهنة تشهد توجها متزايدا نحو إعادة توجيه الخطباء والعلماء من تناول قضايا سياسية ذات أبعاد صدامية في المجتمع، حتى وإن كانت بالفضاء العمومي بشكل مباشر. وقد ترتب عن هذا التوجه عزل عدد من الخطباء وتنبيه منظومة الحقل الديني بالمغرب لهذا التحول الحاسم.

وقد تجلى هذا التوجه بشكل لافت في قضايا مرتبطة بالمهرجانات الموسيقية والفنية، حيث أثار تنظيم تظاهرات كبرى مثل مهرجان موازين، وما رافقه من جدل حول استضافة فنانين مثيرين للجدل من قبيل طوطو، ردود فعل قوية من بعض الخطباء والعلماء. هذه المواقف، كانت في بعض الحالات سببا في تهميش خطباء وأئمة.

لكن هذه القرارات لم تمر دون ردود فعل، إذ عبرت فعاليات دعوية ومجتمعية عن رفضها لما اعتبرته اقصاء ممنهجا لكل خطاب ديني مستقل، ومحاولة لتدجين العلماء وحصر دورهم في الوعظ المجرد. واعتبر كثيرون أن منع العلماء من إبداء رأيهم في قضايا الشأن العام يفرغ المؤسسة الدينية من بعدها الإصلاحي والأخلاقي.

لقد أكدت هذه الردود أن المجتمع المغربي، رغم تنوعه، لا يزال ينظر إلى العلماء باعتبارهم مرجعية معنوية، وليس مجرد موظفين ملزمين بترديد خطاب رسمي. كما أن جزء واسعا من الرأي العام يرى أن الدفاع عن القيم والهوية والعدالة لا يمكن اعتباره تدخلا سياسيا مذموما، بل هو صميم وظيفة العالم في المجتمع.

ومع التوجه الجديد داخل الحقل الديني المغربي، شهدنا انتقالا تدريجيا للخطاب الشرعي من المنبر إلى شبكات التواصل الاجتماعي. فقد وجد عدد من الخطباء والدعاة في الفضاء الرقمي متنفسا للتعبير عن آرائهم ومواقفهم، والوصول إلى جمهور أوسع، خارج رقابة المنبر وضوابطه الصارمة.

هذا التحول الرقمي، رغم ايجابياته، يطرح بدوره تحديات، من بينها غياب التأطير المؤسساتي، وتفاوت مستوى الخطاب، وأحيانا احتدام النقاشات بشكل حاد. لكنه في المقابل يعكس حقيقة أساسية، وهي أن تحييد العلماء عن الشأن العام لا يؤدي إلى إسكاتهم، بل يدفعهم إلى البحث عن قنوات بديلة للتأثير والتواصل.

إن التجربة المغربية تظهر أن الفصل التام بين الدين وقضايا الشأن العام ليس أمرا واقعيا ولا مرغوبا فيه مجتمعيا. طبيعي أن نتفق مع التوجه الجديد في أن الخطيب لا يمكن أن ينخرط في أية نعرة للفتنة والتفرقة بين أبناء المجتمع الواحد، أو أن يبث أي دعاية حزبية ضيقة من فوق المنبر، لكن المطلوب تمكين الخطباء والعلماء  من ممارسة دورهم التوجيهي والنقدي البناء، في إطار المسؤولية والالتزام بالثوابت، وبما يخدم المصلحة العامة.

ختاما، فإن النقاش حول العلماء والسياسة وقضايا الشأن العام بالمغرب ينبغي أن يخرج من منطق المنع والعزل، إلى منطق الثقة والشراكة. فمجتمع بدون صوت علمائه في القضايا الكبرى، هو مجتمع معرض للفراغ القيمي والتأطير الخارجي، بينما المغرب في حاجة إلى كل قواه الحية، الدينية والفكرية والثقافية، لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل، كالإنحلال القيمي والتفتت المجتمعي..

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
22°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد
24°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة