البروبوليس: بين “إرث نيوميفاكين” وهوس “العولاما”؟

هوية بريس – د.محمد لكزولي
تحوّل “البروبوليس”، أو عكبر النحل، في السنوات الأخيرة من مادة صمغية مجهولة لدى عامة الناس إلى “ترند” صحي يجتاح منصات التواصل الاجتماعي. وقد استندت شهرته إلى أبحاث علمية للعالِم الروسي إيفان نيوميفاكين، الذي نشر في كتابه المرجعي “البروبوليس: أساطير وواقع” (2005). وهو ما يطرح تساؤلات ملحّة حول ما يروّجه “المؤثرون” المعاصرون: هل يستندون إلى معطيات وحقائق علمية، أم إلى مجرد تجارب المستعملين فقط؟ أم أننا أمام عملية “قص ولصق” انتقائية لوصفات مجرَّبة؟
يعتبر كتاب نيوميفاكين حجر الزاوية في التأصيل “العملي” للبروبوليس، فقد وضع الرجل، القادم من خلفية طب الفضاء السوفيتي، بروتوكولات دقيقة لتحضير المحاليل الكحولية والمائية، حيث اعتمد على قدرة البروبوليس التحفيزية للمناعة، واصفاً إياه بـ “درع حيوي” وقائي. قام بيوميفاكين باستخلاص البرووبيليس باعتماد الكحول وتصفيته ليكون مادة نقية قابلة للاستعمال الطبي، ونصح بمزج العكبر مع الدهون الحيوانية (كالزبدة) بنسبة 1 إلى عشرة. ويظهر من خلال الكتب المنشورة أن نيوميفاكين استند على أبحاث “سينياركوف” (Sinyakov) و”بوبرافكو” (Popravko) التي اشتهرت في سبعينيات القرن الماضي.
وعند تتبع المحتوى الرقمي الذي يقدمه المعاصرون مثل د.فائد ود.كريم علي، وغيرهما، نستنتج أنهم يقدمون البروبوليس كعلاج مطلق لكل الامراض المستعصية، بالمقابل شدد نيوميفاكين على جرعات محددة، وفترات راحة واحترام التفاعلات البيوكيميائية في الجسم، معتبرا إياه كمكمل غذائي وقائي ممتاز، وليس دواءا علاجيا، محذرا من خطر حساسية منتجات النحل التي قد تؤدي في حالات خاصة إلى صدمة تحسسية قاتلة.
إظافة إلى ما سبق، لا يشير المؤثرون إلى كون البروبوليس الأمريكي أو الروسي يختلف اختلافا كبيرا في تركيبه الكيميائي عن “البروبوليس الأوروبي” أو “الأطلسي المغربي”، مما يجعل تعميم النتائج العلمية خطأ علميا وتقنيا.
بالنظر إلى الدراسات السريرية المنشورة في قواعد بيانات مثل PubMed وScienceDirect حتى عام 2026، يمكن استخلاص النتائج التالية، البروبوليس مادة “بيولوجية نشطة”، تحتوي على أكثر من 300 مركب (حمض الفيروليك، الكيرسيتين، والأرتيبيلين ج) أثبتت الدراسات فعاليتها في علاج لويحة الأسنان، والتئام الجروح اللثة والفم والجروح العامة (الانتباه إلى الحساسية المفرطة على الجسم)ن والتعفنات الهضمية. بينما لا يظهر أي بحث موثوق أكد قدرته على علاج السرطان أو “تصلب الشرايين المتقدم” عند تناوله كعلاج طبي وحيد، وهي النقطة التي يبالغ فيها المروجون المعاصرون.
إن قدرة البروبوليس العلاجية حقيقة علمية، لكن الترويج له في “دكاكين اليوتيوب” هو مخاطرة علمية، أكدتها المراجع الأصلية لكتاب نيوميفاكين، مما يكشف لنا أن العالم كان أكثر حذراً وتواضعاً مما يحاول “تجار الأمل” تصويره اليوم. الصحة لا تُؤخذ من فيديوهات “مبتورة”، بل من بروتوكولات علمية تحترم التخصص الجزيئي والبيولوجي.



