سيكولوجية “عالم العلماء” وتفكيك ظاهرة الشعبوية العلمية في المجتمع

25 مارس 2026 03:05

هوية بريس – د.محمد لكزولي

تعد ظاهرة “خبراء النت” نموذجاً صارخاً لما يمكن تسميته بـ”الشعبوية العلمية”، حيث يتجاوز التأثير مجرد نصائح غذائية ليصل إلى تفكيك الثقة في المنظومة العلمية والمؤسساتية. يعتمد هذا الخطاب على استراتيجيات نفسية واجتماعية مدروسة تؤدي إلى إحداث شرخ في الوعي الجمعي، واحتقار لكل ما هو مؤطر بضوابط العلم؛ كيف يمكننا تحليل هذه الظاهرة على المستويات النفسية، العلمية، والاجتماعية؟ والبحث في مخاطرها على الوعي العام للمتلقي؟

يعتمد الخطاب “التوعوي” الشاذ على سيكولوجية “العارف بالأسرار”، وجهل المخالف، وامتلاك السلطة المعرفية، وغيرها من السلط، وهو أسلوب يجذب الفئات التي تشعر بالتهميش أو عدم الفهم للمصطلحات الطبية المعقدة، حيث يتم تصوير الطب الحديث والشركات العالمية ككيانات “تآمرية” تهدف للربح فقط، مما يمنح المتابع شعوراً بالضحية، وأن “الدكتور” هو المنقذ الوحيد الذي يمتلك الجرأة لكشف المستور، إضافة على أنه يخاطب الحنين إلى الماضي (Nostalgie) والعودة للطبيعة، مما يلامس عواطف الناس الذين يثقون فطرياً في كل ما هو “طبيعي” ويخافون من كل ما هو “كيميائي”.

ويستعمل رواد هذا الفن لغة حادة وتسفيها للخصوم من الأطباء والباحثين محليا -بل في أمريكا وأوروبا- مما يمنح أتباعه شعوراً بالاستعلاء، “كمن تتعنى بشعر ضُرَّتِها”، وكأنهم يمتلكون “علماً لدنياً” لا يفهمه أصحاب الشهادات الأكاديمية.

يمارس هذا الخطاب عملية “هدم المرجعية”، وهي أخطر من الخطأ العلمي نفسه، عبر تصوير الأمراض المستعصية (كالسرطان والفشل الكلوي والمناعة الذاتية وغيرها من الأمراض) على أنها مجرد “نقص في استهلاك أعشاب معينة” أو “تراكم السموم” وغيره مما يعلم من أساسيات الطب. أما على المستوى المنهج، فيعتمد المؤثر على “التجربة الذاتية” أو “الاستنباط من النصوص” كبديل عن الدراسات المخبرية والطب المبني على الدليل، عبر الادعاء بأن “خبير التغذية” يفهم في الفيروسات، واللقاحات، والكيمياء الحيوية، والطب السريري أكثر من المتخصصين، مما يمحو الحدود بين المجالات العلمية ويخلق فوضى معرفية.

على المستوى المجتمعي، أدت هذه الظاهرة إلى نتائج كارثية مست السلم الاجتماعي والصحي، وأدت إلى فقدان الثقة في المؤسسات، وتخوين الطبيب والمستشفى والباحث العلمي، ودفع المواطن إلى ما يسمى ب”العلاج البديل” العشوائي، مما أدى وسيؤدي حتما إلى زيادة معدلات الوفيات في حالات كان يمكن علاجها لو تم اكتشافها مبكراً.

أثبتت تقارير غير رسمية من داخل أقسام المستعجلات والمستشفيات الجامعية في المغرب تزايد حالات التسمم الكبدي والقصور الكلوي الحاد نتيجة اتباع وصفات عشوائية بتركيزات عالية، أو توقف مرضى مزمنين عن تناول أدويتهم الحيوية (الأنسولين، أدوية الضغط) ظناً منهم أن “النظام الغذائي” المقترح كافٍ وحده لعلاج مرضهم.

أدى هذا المنهج إلى خلق طائفة من “المؤمنين” بالوصفات المنزلية في مواجهة “العقلانيين”، الشيء الذي يفسر الهجوم غير مبرر داخل وسائل التواصل الاجتماعي على الأطباء والمعالجين المعتمدين (على الرغم من أن العديد منهم لا يستحق أن يكون طبيبا)، وبدلاً من الرقي بالمجتمع نحو التفكير المنطقي، تساهم هذه الظاهرة في العودة إلى “فكر الحَلْقَه” حيث يُعتقد أن خلطة معينة قادرة على إحداث المعجزات، وهو نكوص حضاري واضح.

إن مواجهة ظاهرة التاثير السلبي للنصائح الطبية لا تكون بالمنع فقط، بل بتفعيل الذكاء الجمعي للأطباء والعلماء والأساتذة والباحثين من خلال ملء الفراغ الذي يتركه الإعلام الرسمي، عبر خطاب قريب من الناس وبمنهجية صحيحة، والتربية على التفكير النقدي عبر تعليم الأجيال كيفية التمييز بين “المغالطة المنطقية” والحقيقة العلمية.

إن المعركة مع هذا الخطاب هي معركة وعي وهيبة نظام علمي وطبي مضبوط، فالعلم هو الحصن الأخير الذي إذا سقط، سقط معه المجتمع في براثن الشعوذة المقنعة بعباءة اللايكات.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
19°
21°
الجمعة
23°
السبت
25°
أحد
24°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة