إصلاح العدالة الأهلية بالمغرب (1931م)

03 يونيو 2026 19:12

هوية بريس – ذ.إدريس كرم

يبدو أن النقاش الدائر على مدى السنوات العشر الماضية، إن صح التعبير، حول إعادة هيكلة النظام القضائي الشريفي لمواءمته مع الوضع المتغير في المغرب، قد وصل أخيرا إلى مرحلة التنفيذ، أو على الأقل مرحلة التخطيط للتنفيذ، وتكتسب هذه القضية أهمية بالغة، إذ تمس مصالح عديدة ما يجعل التوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف مهمة شاقة، وقد نشرت (bulletin de l,afrique francaise) بالفعل عدة دراسات حول هذا الموضوع تناولت مختلف جوانب وتحديات هذه العملية.

ويتابع ذلك بطبيعة الحال عن كثب المسؤولون عن إقامة العدل (قضاة المحكمة الشرعية العليا، والقضاة والباشوات، والقياد) والجهات الرقابية عليهم (المراقبون المدنيون والعسكريون، والمفوضون الحكوميون)، والقضاة الفرنسيون الذين تتداخل أعمالهم أحيانا إن كانت موازية لأعمال القضاة المغاربة، والمحامون الذين يستقطبون إلى حد كبير موكليهم من المتقاضين الأهالي، الذين غالبا ما يُنْسَوْن من قبل أولئك الذين يسعون لتحقيق العدالة أنفسهم، في خضم رغبتهم الشديدة لمعرفة الكيفية التي ستُبْتَلَعُ بها المحارة المتنازع عليها.

على الرغم من اختلاف الآراء الناجمة عن تعدد وجهات النظر، فيبدو أن الجميع متفقون على بعض النقاط الواضحة، وهذا الاتفاق يشكل أساسا كافيا للإصلاح المقترح.

أولا– لا يشك في ضرورة هذه الإصلاحات كل من يتابع عن كثب عمل المحاكم الشريفة، يجب أن نُشيد بالجهود التي بذلها قضاة هذه المحاكم ومشرفوها الذين تمكنوا في كثير من الأحيان بموارد محدودة للغاية، من إرساء نظام قضائي في بلد يكاد يخلو منه قبل وصولنا، وحسَّنوه إلى درجة بات معها السكان الأهالي يلجأون إليه بشكل متزايد، تشهد محاكم القضاة على وجه الخصوص إقبالا كثيفا من المتقاضين الساعين إلى نظام قضائي أقل عيبا من غيره، ويقدم مزايا هائلة تتمثل في كونه حرا وسريعا.

لكن رغم هذه التحسينات التي لا يمكن إنكارها، فمن المؤكد أنه مع التقدم السريع في شتى المجالات، فإن هذا النظام القضائي لكي يواكب التطور الفكري للمغاربة، يحتاج إلى تعديل لا يمكن أن يعتمد فقط على إرادة القضاة، بل يجب أن ينتج بالضرورة عن إعادة تنظيم داخلي يفرضه المجلس التشريعي.

لا شك في ضرورة الإصلاح لكل من يُلِمُّ بالموضوع، ولكن هل سيُقدَّر هذا الإصلاح من قبل المستفيدين منه، أي المتقاضين أنفسهم؟

ألا يحتمل أن يُشوَّه هذا الإصلاح عمدا، من قبل أفراد ذوي نوايا سيئة، فيقابل برفض شعبي كما حدث مع بعض عمليات إعادة التنظيم القضائي الأخيرة الأقل فائدة، والتي جعلتها الدعاية المغرضة غير قابلة للتطبيق؟

للتساؤل عما إذا كانت هناك سياسة للسكان الأهالي، شاع إنكار وجودها باختزال جميع الصعوبات في مشاكل اقتصادية يقدم حلولها التقنيون، لكن هؤلاء التقنيين رغم حلهم للمشاكل على أكمل وجه، اضطروا إلى الاعتراف بأنهم لا يستطيعون جعل حلولهم مقبولة لدى سكان ذوي عقلية خاصة، ترفض على سبيل المثال فوائد بديهية كإيصال المياه إلى مدينة تعاني من نقص هذا العنصر الأساسي للحياة، تبقى أسباب هذه النزوات في رأي السكان الأهالي، غامضة بالنسبة للاقتصاديين الخُلَّصِّ.

لذا يجب أن يسبق أي إصلاح تهيئة الرأي العام في جميع الأوساط، وهي عملية يتولاها من يعرفون السكان الأهالي، ممن تربطهم علاقات وصداقات تعاطف، يستمدون منها سلطتهم ومصداقيتهم، ولا ينقصنا -لاسيما بين قيادتنا المدنية والعسكرية- رجال يتمتعون بهذا النفوذ، وتتيح لهم مناصبهم قياس الرأي العام، وتهيئته، وتوجيهه بما يضمن قبول أي إصلاح في الوقت المناسب، من قبل من لا يحملون ضغينة، أي من قبل الغالبية العظمى من المغاربة.

إذا عرض الإصلاح على الجمهور بهذه الطريقة، فسيكون من المستغرب ألا يلقى إعادة تنظيم النظام القضائـي الشريفي ترحيبا.

علاوة على ذلك، يمكن تكليف لجنة بدراسة آليات تنفيذه، تضم بالإضافة إلى كبار المسؤولين والقضاة الفرنسيين، والشريفيين المعينين، ممثلين عن المجتمع المغربي غير الرسمي المعروف بمعرفته القانونية ونزاهته.

يتعين على هذه اللجنة دراسة تعديلات تتعلق بشكل أساسي بثلاثة أجزاء من النظام المدني والتجاري، والعدالة الجنائية، والنظام الحالي: حيث يعاني القضاء الذي يديره القضاة حاليا من عيوب خطيرة، إذ تراقب عملياته في المقام الأول من خلال الشكاوى التي يقدمها المتقاضون إلى السلطات العليا بمختلف أنواعها، ونادرا ما ينجو من الطعون القضائية، لأن القضاة يصدرون أقل عدد ممكن من الأحكام، مفضلين التوسط في التسويات، لأنهم يجدون فيها فائدة أكبر، ويجبر المتقاضون على قبول هذه التسويات بسبب براعة القضاة في إطالة أمد الإجراءات باستخدامهم للثغرات القانونية في إقناع الأطراف، بأنه من الأفضل لهم قبول اقتراحات القاضي طوعا أو كرها، نادرا ما تنجح دعاوى المتقاضين في هذه المسألة، لأن القضاة اتخذوا كل الاحتياطات، مما يجعل من المستحيل إثبات ظلمهم وفسادهم.

يكمن الحل لهذه المشكلة في الإشراف المستمر، طوال جميع الإجراءات، من قبل وكيل فرنسي، يحضر جلسات الشريعة، كما يحضر المفتش جميع جلسات القاضي.

محكمة الباشا بالدار البيضاء

حتى يتمكن هذا العمل من إحداث تأثير فعال على القاضي، عليه أن يرفع تقاريره إلى أقرب وأقوى سلطة مدنية أو عسكرية، إما رئيس المقاطعة أو الدائرة في المناطق القروية، أو رئيس الإقليم في المدن، وبهذه الطريقة سيتمكن من ممارسة ضغط قوي على القاضي الخاضع لسيطرته، والذي سيحاول بالتأكيد التهرب من ذلك قدر الإمكان، ويمكن إيجاد الوسائل لتحقيق ذلك بسرعة إذا اقتصرت تقارير العميل الفرنسي على دائرة الشؤون الشريفة، إذ سيقتصر الأمر ببساطة في حال الخلاف، على أن يغرق القاضي خصمه بحجج مكتوبة، مليئة بالتفاصيل القانونية المعقدة التي سيكون حجمها وطولها، كفيلين بإرهاق كل الإدارة الشريفة، ووزارة العدل، فضلا عن الوكيل الفرنسي، علاوة على ذلك، لم يكن بإمكان الأخير الإفلات من رقابة السلطة، التي تمثل المقيم العام محليا، وفي ظل هذه الظروف، كان من الأفضل أن يكون تابعا لتلك السلطة في المناطق القروية، يكفي تعيين مساعد ثالث للمراقب المدني أو العسكري، مكلف خصيصا بمتابعة “الشَّرْع”.

أما في المدن التي تتطلب وجود مسؤول أكثر تخصصا وكفاءة، فإن المفوض الحكومي المسؤول عن مراقبة مَحْكَمَة القاضي، يرفع تقريره إلى رئيس الناحية.

يعاني نظام العدالة المدنية والتجارية الذي يديره الباشوات والقياد، والذي غالبا ما يكون على حساب سلطتهم، من اختصاصات واسعة النطاق تفوق مواردهم المحدودة، وتعمل محاكم القرى على وجه الخصوص دون قانون أو سجل أو محامين متخصصين، مما يجعل عملها بالغ الصعوبة، في القضايا المعقدة التي تنطوي على مصالح كبيرة.

إن أفضل طريقة لتوفير جميع الضمانات التي يقدمها نظام العدالة الحديث للمتقاضين، هي منحهم حق اللجوء إلى المحاكم الفرنسية، ولتحقيق ذلك يكفي النص على أنه في المنازعات التي تتجاوز مبلغا معينا (مثل 5000 فرنك فرنسي) يحق للمتقاضين اختيار المحكمة المختصة، شريطة موافقة الأطراف، على الأقل في المراحل الأولى من إعادة التنظيم، ولا يؤخذ هذا التعديل في الحسبان الأطفال الخاضعين للوصاية، والذين ثم إعدادهم مسبقا بالتسجيل، والذين يُعَدُّ اللجوء إلى المحاكم الفرنسية خيارا متاحا لهم، فضلا عن الالتزام المفروض عليهم حاليا، بإحالة قضاياهم إلى نظام العدالة الفرنسي، عندما يكون الخصم مواطنا فرنسيا.

لقد وفر نظام العدالة الجنائية بصيغته الحالية، قدرا كبيرا من الأمن للمغرب عموما، وفي لبْلادْ خصوصا، أمنا لم يتحقق إلا بصعوبة بالغة، وفي وقت لاحق في الجزاير ومع ذلك ينتقد هذا النظام لكونه مفرطا في القسوة والسرعة.

من المؤكد أن صلاحيات القضاة (وخاصة الباشوات التي تصل إلى حد فرض عقوبة السجن لمدة عام وغرامة ألف فرنك دون استئناف) تتجاوز بكثير ما هو ضروري، ويتفق عموما على أنه للحفاظ على مستوى الأمن الحالي، يجب أن يحتفظ القاضي المسؤول عنه بصلاحيات التصرف، دون تأخير أو عائق للقبض على المدنيين ومعاقبتهم.

لكن يبدو أنه بالسماح بالطعن في الأحكام التي تتجاوز السجن لمدة ثلاثة إلى ستة أشهر، وغرامة قدرها 500 فرنك، يمكن الحد من سلطة القضاة دون المساس بالأمن، مع توفير سبيل للمواطنين في الوقت نفسه، للانتصاف من الأخطاء الجسيمة أو الظلم، ويكفي زيادة عدد موظفي دوائر المحكمة الجنائية العليا، المكلفة بدراسة الطعون العددية، التي لابد من ظهورها، إذ لم تعد هذه المحكمة كافية بشكلها الحالي.

أخيرا يبدو أن هناك اتفاقا عاما على جدوى وضع مدونات صغيرة وبسيطة في البداية، لقواعد القانون العرفي، يلتزم بها الحكام من غير القضاة، وتعد التعاميم المتداولة حاليا نواة هذه المدونات، إذ تقدم أولى التوجيهات في هذا الشأن، وقد يكون من المستحسن أيضا الاستمرار في تنظيم هذا المجال المتطور، من خلال تعاميم بسيطة، إلى أن تثبت الممارسة والتجربة جدوى القواعد المنصوص عليها، وإلى أن ترسخها السوابق القضائية، إذ لا ينصح على الأقل في المراحل الأولى من إعادة التنظيم، بالمرونة المفرطة في هذا الشأن.

فجميع قوانين الإنصاف الرئيسية، مضمنة ضمنيا في القانون العرفي، وفي هذه المرحلة من تطوره التي لا تزال في بدايتها، يبدو من الضروري تشديد الرقابة على القضاة، وتوعيتهم بشكل أفضل، بالقواعد التي يجوز لهم مخالفتها.

أول قصر للعدالة أسس بالرباط.. واليوم هو مؤسسة المحافظة على التراث الثقافي لمدينة الرباط

المغاربة الذين انفتحت عقولهم -بفضل احتكاكهم بحضارتنا ونظامنا القضائي- على مفهوم أوسع للقانون، مما كان سائدا قبل وصولنا، يستشعرون بارتباك ولو بشكل مبهم، دعونا لا ننتظر منهم أن يطالبونا بتبنـي نظام يجعلنا في موقع المستسلم، بدلا من المُعطي بسخاء، بل دعونا نعرف كيف نُبرز عطاءنا من خلال عرضه على جمهور واع ومثقف، دعونا نعرف من خلال من يفهمون السكان الأهالي، ويجيدون التواصل معهم، كيف نمثل رأي جميع الطبقات الاجتماعية من الأرستقراطية والبرجوازية، ومن الحرفيين وغيرهم من البسطاء بدو وحضر، وكما يقول موريس لوكلاي “من السهول والجبال”.

J.L.L

ملاحظة: مع اقتراب موعد نشر هذا المقال، علمنا بتشكيل لجنة في الرباط لدراسة أداء المحاكم المحلية،

واقتراح أي تحسينات يراها جلالة السلطان مناسبة، عند الاقتضاء تتألف اللجنة من نخبة من فقهاء القانون المغاربة، بمساعدة ممثلين عن الإدارات المعنية في المحمية، وخبراء فنيين؛ الأعضاء هم:

الأعضاء المحليون: السيد الحاج محمد المقري

الصدر الأعظم، السيد محمد رندة وزير العدل، السيد بوشعيب الدكالي الوزير الفخري للعدل، السيد محمد مولين وزير الأوقاف، السيد محمد بن العربي العلوي رئيس محكمة الاستئناف الشرعية، السيد العربي الناصري رئيس المحكمة الشرعية العليا، السيد احمد عواد، السيد محمد ازويتن، قاضيان في محكمة الاستئناف الشرعي، السيد محمد معمري نائب مدير المراسيم.

الأعضاء الناطقون بالفرنسية: الجنرال نوكيس المدير العام لشؤون الأهالي، السيد غـي مدير الشؤون الشرعية، برونو رئيس نقابة المحامين بالرباط، السيد بينازيت مدير شؤون السكان الأهالي، كونتارد رئيس دائرة الرقابة المدنية، رينيه مفتش شؤون السكان الأهالي، كالديرارو رئيس قسم الترجمة الفورية في محكمة الاستئناف.

اجتمعت هذه اللجنة لأول مرة في دار المخزن بتاريخ 27 يونيو 1931 وأصدرت رأيا بضرورة مراجعة أحكام اللوائح الإدارية الصادرة في بداية الحماية، بشأن العدلية الأهلية، ولاسيما الظهير الصادر في 14 يوليو 1914 الذي ينظم العدالة المدنية الأهلية ونقل الملكية العقارية، بعض أحكام هذا النص التي كانت مبررة وقت صدوره، تبدو الآن متقادمة، على سبيل المثال، اشتراط تقديم “البِطَاقة” أو خطاب الاستفسار قبل قيام القاضي بإصدار أي عقد يُنشئُ أو ينقل الملكية، شرط يقيد حرية المعاملات، دون أن يقدم للأطراف ضمانات كافية، كما أن بعض الشروط الأخرى، لم تعد تتناسب مع الظروف المعيشية الراهنة، مثل جدول رسوم قضايا العدل، وهو جدول منخفض للغاية، وبالتالي لا يطبق عمليا، مما يؤدي إلى تجاوزات متكررة

لذا قررت اللجنة دراسة تعديل النصوص الإدارية المتعلقة بالعدالة الأهلية المطبقة حاليا، وتم تشكيل لجنتين فرعيتين لدراسة آليات ذلك، ولا شك في الأهمية البالغة لهذا العمل.

لكن من المؤكد أن الإصلاحات التي يمكن تصورها لن تنفذ إلا بمساعدة وكلاء متخصصين، يفوضهم المخزن لمراقبة تطبيقاتها بدقة، لذا سيتعين على حكومة المحمية، دراسة مسألة بالغة الأهمية، ألا وهي مراقبة القضاء الأهلي، إذ يبدو تحسينه أمرا لا غنى عنه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انظر La reforme de la Justice indigene au maroc

فـي: bulletin de L,afrique francaise 1931 pp 496-499

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
22°
22°
الجمعة
23°
السبت
24°
أحد
24°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة