على مشارف الحياة المغربية (1950) (ج3)

19 سبتمبر 2020 18:43
على مشارف الحياة المغربية (1950) (ج3)

هوية بريس – ذ.إدريس كرم

نقدم الجزء الثاني من الفصل السابع من كتاب “على مشارف الحياة المغربية”، المعنون بـ”هم ونحن”:

من جهة أخرى نزيد الأمر سوء بخفة الشخصية، الذي يلحق بنا أضرارا في أذهان المغاربة، باعتبارنا أعيانا، عندما نرفع كل الكلف أيضا مع عمال المنازل، الحمالين، ونعاملهم كالتجار، نستخدم أحسن الأطفال، ونتمازح معهم لتجزية الوقت الخاص، ولا نلقي بالا لتلك النكات والمقالب التي نقوم بها فيهم، من امتعاض شديد مؤثر عند الجادين من الأفراد بشكل عام، المهتمين جدا بمكارم الأخلاق، أو عند الذين يأخذون كل تصرف على محمل الجد.

إذا كنا ما نزال نتعامل مع كل فرد، وفقا لتربيته ونحتفظ بالكلمات والمواقف التافهة لهؤلاء الأطفال البالغين، الذين هم من عامة الناس فإننا سنكون مبالغين في مزاحنا المعتاد والطبيعي.

عندما يتعلق الأمر مع المغاربة، يجب التذكير بأننا مؤثرون في من حولنا، لذلك يمكن للمرء أن يقول إن طرق التحدث والتصرف الصبياني الأليف الأكثر تحللا، يدفع بالعلاقات نحو سخرية مزعجة، دو أن ندرك أن النكات والسخرية تقدمان تقريرا، سرعان ما تؤخذ كأحكام إذا ما جاءت من غريب.

المغربي من جهته يرتكب أخطاء في الحكم غير منطقية، إذا كان محل تقديرنا، فهو مقتنع بصفة عامة بأن كل الفرنسيين بطبيعة الحال أغنياء، أقوياء، نافذين، قادرين، وبالتالي يمكن الاستفادة منهم، وفي نفس الوقت هناك فئة من جيران أولئك من غير المستفيدين منا يرون أننا غير متدينين ولا أخلاقيين، وقذرين، فوجب الابتعاد عنا.

يحدث أحيانا للمغاربة أن يسخروا منا، ولا يظهر عنا الغضب، لأنهم متأكدون أننا لا نلاحظ أبدا الوضع المضحك الذي نحن فيه لأننا نجهل معاييرهم في ذلك التصنيف.

باختصار نحن الفرنسيون أو المغاربة لدينا آراء مختصرة للغاية فيما يتعلق بالمجموعات الأجنبية تجاهنا، علاوة على ذلك، فإننا نخدع أنفسنا بالاحترام الذي نستحقه في ضمير شركائنا، لأننا ننسى أن مقاييس القيم الأخلاقية تختلف من شعب لآخر، على الرغم من الاحترام المشترك للمبادئ الأساسية التي سيستغرق الخوض في تفاصيلها وقتا طويلا للدخول فيها قصد توضيحها بالرغم من عدم جاذبيتها لذلك.

يجب أن نلفت الانتباه لحقيقة مهمة، وهي سبب الضجيج المتواصل، ونعني به التحيز للتفوق العرقي.

التحيز العرقي

يجب أن يقال على الفور بأن كلمة العرق يجب أن لا تؤخذ بالمعنى الذي يعرفه به عالم الأنثربولوجيا الذي يقيس الجماجم، ولكن بين مجموعات اجتماعية تعتبر عن حق أو باطل ثقافتها وعقليتها تختلف عن ثقافة وعقلية الجماعات الأخرى.

دعونا نعترف بأن الأهالي المسلمين واليهود والأوربيين يشكلون ثلاثة أعراق، لا يعتقد كل منهم أنه مختلف عن الآخر فحسب، بل يعتبر نفسه متفوقا وهي قناعة عميقة وطبيعية، لأنه إذا اعتبر أفراد العرق أن مجموعتهم أقل مرتبة من الناحية الأخلاقية، فإنهم سيتخلون عنها للانضمام للمجموعة المعتبر أنها متفوقة.

وبما أن مجمعات الأهالي تبقي نفسها منفصلة عن الأوربيين، ومن تلقاء نفسها، فيجب أن نستنتج أن المغاربة بعيدون عن اعتبار أنفسهم أدنى منا.

من أجل متابعة الحديث في هذه المسألة واستنتاج عواقب عملية أكثر أو أقل، يجب تباعا مخاطبة الأهالي المسلمين والإسرائيليين والأوربيين، لإفهامهم أن الجميع، لا يشاركونهم بالضرورة نوعية وجهة نظرهم الجيدة، التي يتداولها عرقهم.

من المحتمل أن يصبحوا متسامحين ويحافظون على علاقات أكثر ودا مع جيرانهم من الأعراق.

قد تكون هذه الدعوة المكونة من ثلاثة أجزاء طويلة جدا، لكن الأشخاص المتسامحين الذين نريد أن يحملوا الجزء الذي يهم الأوربيين يجب ألاّ يتعرضوا لما يجرح كرامتهم.

آراء خاطئة

نحن فخورون بحق بالعمل الذي أنجزناه في المغرب، يجب أن نؤمن أن هذا الفخر يتجلى ببراعة في الجميع، وفي كافة الأوقات، لأن كل زوارنا الأجانب، أو المحاضرين، أو قادة القوافل، يبدأون دائما محاضراتهم العامة باستخدام المقاطع التقليدية، التي تسعد المستمعين دائما، وتثني على المستعمرين وتفاني النساخ، وعلم البعض، وعمل الآخرين بـ(هذا الإنجاز الجيد للجهد الفرنسي المبذول بالمغرب).

المغاربة لم يتم استبعادهم من هذا الفعل، لأنهم عندما كانوا يريدون وضعنا في تفكيرهم الخاص، يستمعون لطلباتهم، يشقون الطرق، ويمدون السكة الحديدية، وينصبون القناطر، ويستخرجون الفوسفاط، إنهم لا يتكلمون دون إخلاص، إنهم يستسلمون عن طيب خاطر لما هو واضح، ويدركون أننا عمال ممتازون، وأننا أرقى منهم، في فتح طرق المواصلات، وتنظيم البلاد، وجباية الضرائب وتحريك القوات، واستغلال الموارد الطبيعية والتحكم في النفقات، نحن في عيونهم لا نضاهى، وأحيانا لا نطاق، ومن مدة جسدوا رأيهم في مثل يقول: (ما كاتروم غير في يد الروم).

لكن هذا التفوق تفوق العامل الذي لا يمكن مناقشته، كما يقول كوستاف لبون، يبقى في المجال المادي.

نقدم الجزء الثاني من الفصل السابع من كتاب "على مشارف الحياة المغربية"، المعنون بـ"هم ونحن":

يجب علينا معرفة ما إذا كان المغربي نعطيه نفس الثمن الذي يقدم لنا، وما إذا كان يعوض بنفس التعويض، عن التفوق الذي يمكن أن يقدمه في المجال الروحي.

يكفي إلقاء نطرة متكررة في بعض الأحيان ليدرك محميونا، كيف يستفيدون من الراحة التي حملناها لهم، دون أن يكونوا عبيدا للآلات.

لكننا نشعر أنه يمكنهم الاستغناء عن اختراعاتنا، وتنظيماتنا، بين اليوم والغد، حتى لو كان الندم عليها سيطالهم لاحقا.

البعض منهم لا يخفي الازدراء أو الاستنكار من الذين يحيطون بـ(الأخبار)، فكثيرون منهم لا يفهمون حتى الآن ضرورات الحياة الحديثة، ويريدون فقط التفكير في الصعوبات التي يضعهم فيها اضطراب عادات الأجداد، ومع ذلك: دعونا لا نسود اللوحة كثيرا، لا نه مع ذلك يتم إنشاء عادات جديدة على الرغم من الاتهامات الحتمية.

الجيل الجديد يتبنى أحيانا بكثير من الشغف التقاليد المطروحة من قبل التنظيمات الاقتصادية الحديثة، وكما أنه في الأساس يجد كل فرد فائدته من عصرنة الحياة المغربية، نتوقع أن المغاربة سوف يعترفون أكثر فأكثر بالتحسينات الواضحة التي نجريها على الكيان المادي.

إذا ما سمحنا لأنفسنا باستخلاص بعض الفخر لتفوقنا في المجال المادي فلأننا نستحقه حقيقة بعدما اكتسبناه بجهد طويل وصبر وعناد.

ومع ذلك فإن هذه الميزة بالتحديد لا تظهر في عين المواطن المغربي العادي.

هذا المغربي العادي السلبي التفكير لا يستطيع أن يستخلص بنفسه معتقداته الفلسفية، أفكاره، مفاهيمه.

فهو ينتظر دائما من الخارج معتقده، أسلوبه ينتظر دائما ثورات داخلية، يبقى إذن مقتنعا بأن مزايانا ومكاسبنا نوع من البركة، وميزة طبيعية بفضل الحظ الذي يمنحنا أحسن الابتكار.

هو يعتقد أن السيارة، السكة الحديدية، التلغراف، قد تم اكتشافها دفعة واحدة، وعلى هذا النحو من قبل أدمغة محددة سلفا.

أيضا لا شيء يفاجئه من قبلنا، ويظل حساسا لنتائج التجارب، على الحيوان أو النبات، ولكنه أكثر اندهاشا من وجود الطائرة أو الهاتف عندنا، لذلك نحن محظوظون في عينيه، لكن مع قليل من الجدارة بدون شك.

ماذا سيعمل؟ سيحتاج لتردد طويل على الأوربيين، وسيتعين عليه التعاون بشكل مؤلم لتحسين جودة الآلات، قبل أن يقدر قيمة اختراعنا، علاوة على ذلك فإن المغربي يتجاهل تماما جوهر حضارتنا، فهو لا يرى إلا الجانب التكنولوجي منها، الذي سمحنا له فقط برؤيته، ودفعه حتما للاعتقاد بأن هذا كل كنزنا.

فلو أنه عرف التاريخ القديم، فسيجيب بابتهاج عن فضيحة مقدرتنا التقنية المزعومة التي تدعي أن اليونانيين لم يكونوا على علم بتقنياتنا التي نفتخر بها، وعندها سيصل لأعلى مدارج الحضارة التي يجهلها، وهو معذور لعدم اكتراثنا باطلاعه على ذوقنا المثالي الأخلاق، وهاجسنا في ضرورة الانسجام والتوازن، والتطلعات السخية للروح الجماعية فينا، التي تتوق دائما للكمال وكل ما يصنع النبل في حياتنا الروحية.

فإذا أدرك المغربي -عن طريق الصدفة- النشاط المستمر لعقلنا، إذا علم أن نقدنا يمرر كل شيء من خلال غرباله، إذا أدرك أن الاستبطان النفسي، امتحان الضمير، أساس سلوكنا الأخلاقي، تأثر بشدة.

فهو بخلافنا يعيش في هدوء فكري مطلق، لأنه يجد في معتقداته الدينية، وفي تصوره للعالم، حلقة متكاملة منطقية، ومغلقة، لا يشعر بالحاجة للخروج منها.

ص167-171au seuil de la vie marocaine

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M