“عمر بن الخطاب التنويري”.. وحلقة استنطاق المهداوي للعمري

22 مارس 2024 17:46

هوية بريس – نبيل غزال

أثارت استضافة الزميل حميد المهداوي للأستاذ ياسين العمري على قناته ردود فعل متباينة، فهناك من ثمن اللقاء واعتبره إيجابيا؛ لكن يوجد أيضا من انتقده وشنع على المحاوِر طريقة تعامله مع ضيفه، حيث اعتبروا اللقاء جلسةً للاستنطاق أكثر منها دعوة للنقاش حول ورش مهم وهو تعديل المدونة.

أسئلة من قبيل: هل لك زوجة ثانية؟

هل لك حساب في البنوك الربوية؟

ما حكم الشاذ في الإسلام؟

ما حكم الزاني؟

لو كنت رئيس الحكومة ماذا ستفعل في هذا الملف؟

ما اسم السورة التي وردت فيها هذه الآية؟

كم تحمل من النقود في جيبك؟

إلى غيرها من الأسئلة التي دفعت المتابعين، إلى الحكم على الحلقة بأنها كانت استنطاقا أمنيا بنكهة صحافية، أقرب منه لشيء آخر، لدرجة أن المحاوِر لم يفلت فرصة التعليق على ابتسامة الضيف، فاستوقفه سائلا: لماذا تبتسم؟ ليجيب عقب ذلك مباشرة بقوله: أعلم أنك تريد أن تمرّر رسائل للجمهور وأنت أستاذ للتواصل، “هايهاي”.

أظن أن كثيرا من المتابعين يتذكرون أن ذ.مهداوي سبق وشنَّ أكثر من مرة هجوما غير مبرّر على ذ.ياسين العمري، وذلك إبان ضجة “الشيخة”، اعتمادا على مقطع مبتور من سياقه، فهم منه مالك موقع “بديل”، دون أن يكلف نفسه عناء البحث، أن الداعية المغربي يرفض الخوض في الأمور السياسية والاقتصادية ومعاناة المواطنين.. والأمر على خلاف ذلك.

لكن؛ وعلى الرغم من هذا الهجوم القوي استجاب ذ.العمري بصدر رحب للمشاركة على قناة المهداوي للنقاش حول موضوع المدونة، غير أن وِفادته لم تكن بالمرة على الوجه المطلوب، أو على الأقل قريبة أو مشابهة للضيوف الذين سبقوا الأستاذ ياسين على “بلاطو” المهداوي، ما جعل من التبرير الذي يدلي به حميد، بكونه ينقل فقط أسئلة الطرف الآخر ليس إلا، غير مقنع، وهذا ما عبر عنه معلقون على قناته وعلى شبكات التواصل الاجتماعي أيضا.

لا يمكن أبدا إنكار التفاعل الإيجابي والمشكور الذي يقوم به ذ.المهداوي حين يتطرق لعدد من المواضيع المهمة والحساسة، لم يكن العدوان على غزة آخرها، فمساره يكون موفقا -على العموم- إن تعلق الأمر بالفساد السياسي وتصفية الحساب مع بعض المؤدلجين والمتعصبين للعرق، أو الدفاع عن قضايا المستضعفين، لكن إن تعلق الأمر بالهوية والدين على وجه الخصوص، فيظهر جليا أن زميلنا، وليقبلها مني بصدر رحب كما يكرر هو دائما، لديه فقر كبير في الاطلاع على الأمور الشرعية، وطريقة تفاعله معها تتماثل مع طريقة تلاوته للآيات القرآنية.

أقول وأكرر، ليس هذا تحاملا على المهداوي، فله مني كل الاحترام والتقدير، لكنه وصف حال فقط، وقد تُفهم مواقفه وتصرفاته المثيرة هاته، إن استحضرنا خلفيته اليسارية التي راجع كثيرا من مبادئها بعد خروجه من محنة السجن.

في هذا العمود، أود أن أشير باقتضاب يسير لموضوع احتجاج حميد المتكرر بالخليفة عمر، وبـ”أفكاره التنويرية”، وفق تعبيره وتعبير بقايا الرفاق في عدد من الندوات والخرجات الإعلامية، وأقول وأكرر أني لا أقصده فقط بالحديث ولا أستهدفه بالمرة، والغاية فقط، توضيح الصورة وتجلية الغاية من وراء هذا النوع من الاستدلال.

الجميع يعلم أن التيار اللاديني، الذي يطالب بإقصاء ما تبقى معمولا به من المذهب المالكي في المدونة، غايته إخراج مدونة مدنية تقطع مع ما يسمونه بالفقه التراثي القديم، سواء في الإرث أو الولاية أو الحضانة أو الطلاق، واقتسام أموال الزوجية، وزواج المسلمة من غير المسلم، والزواج من جنس واحد أيضا (اللواط/السحاق)، وذلك تنزيلا لما تنص عليه المواثيق الغربية في هذا الشأن، وهذا ليس تجنٍّ أبدا، فقد صرحوا بذلك أمام كل المغاربة، وأكثر من هذا فهم يطمحون إلى إرساء قانون جنائي “حداثي”، يرفع التجريم عن الزنا واللواط والخمر والإفطار العلني في رمضان… وهلم جرا.

فالمنتمون لهذا التيار لا يهمهم عمر -رضي الله عنه- ولا مرجعية عمر، وإنما هم يبحثون عن شرعية لمطالبهم من داخل الدائرة الإسلامية، كي يوهموا الرأي العام بأنهم ليسوا سقط متاع، وأن مطالبهم ليست شاذة ولا مؤدلجة، كما يحاول البعض أن يصورها.

وكم تمنيت لو كانوا صادقين في دعواهم هاته، وأخذوا صدقا وعدلا بمنهج عمر -رضي الله عنه- في تعظيم الوحي، وفهم النصوص والتعامل مع صحف أهل الكتاب والشرائع الأخرى، وردع أهل الأهواء والبدع والزيغ، والوقوف عند تفاصيل ما حرم الله وإجبار الرعية على ذلك، فلا أظنهم قد اطلعوا البتة كيف عالج عمر صبيغا الذي ألقى بين الناس بعضا من الشبهات التي يلوك مثلها “الحداثيون” اليوم على منابرهم وفي مجالسهم وهم يقهقهون ويتمايلون ذات اليمين وذات الشمال دون اكتراث.

أعود وأذكر بأن منهجية التوظيف الحداثي المتعسف للاجتهادات العُمَرية قديمة، وقد ألف فيها د. سلطان العميري، بحثا نفيسا تحت عنوان “التوظيف الحداثي للاجتهادات العُمَرية.. قراءة نقدية”، كما ألف في ذات الموضوع كل من محمد المدني (نظرات في فقه عمر الفاروق)، ومحمد بلتاجي (منهج عمر بن الخطاب في التشريع)، وغيرهم.

وخلاصة القول إن اجتهادات عمر -رضي الله عنه- لا تتوافق مع توصيفهم لها، وليس فيها شيء من تقديم المصلحة على النص الشرعي أو تجاوز لسلطته، وحول دعوى إيقاف عمر -رضي الله عنه- لحد السرقة في عام الرمادة أنقل ما ذكره د. سلطان العميري، في مؤلفه المذكور سابقا:

و”صورته عند الخطاب الحداثي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- خالف النص القطعي في قطع يد السارق، وهو قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة:38]، فلم ينفذ هذا الحكم في عام الرمادة لأجل المصلحة التي أوجبها التغير الطارئ على السياق الاجتماعي والتاريخي، وهو ما يقتضي عدم القطع، فها هو عمر يلغي الحكم القطعي لأجل المصلحة.

ونحن إذا رجعنا إلى التاريخ لنتحقق من حقيقة ما فعله عمر، ولنتبين مدى صحة تصور الخطاب الحداثي للواقعة، فسنجد الأمر مختلفا عن الصورة التي قدموها للحادثة.

وقبل أن نبيِّن ذلك لا بد أن نشير إلى أن عدداً من علماء الحديث قد ضعَّفوا الخبر الذي جاء فيه أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أوقف حدَّ السرقة في عام الرمادة (إرواء الغليل، الألباني: 8/80).

ولكن على فرض صحة القصة فإنه ليس فيها شيء مما تصوَّره الخطاب الحداثي؛ لأنه من المعلوم لدى كل المسلمين أن الحدود في الشريعة لا تقام على العبد بمجرد الوقوع في المخالفة الشرعية المترتب عليها الحد؛ وإنما لا بد من توفُّر شروط كثيرة وانتفاء موانع كثيرة كذلك حتى يمكن تطبيق الحد، وقد شددت السُّنة النبوية على ضرورة التأكد من تكامل موجبات الحدود، وحثت على درء الحد عن المسلمين؛ حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم؛ فإن وجدتم لمسلم مخرجا فخلوا سبيله”.

ومن الموانع التي تمنع من تنفيذ أي حد في الشريعة: حصول الشبهة، ولهذا فقد استفاض الخبر عن الصحابة: كأبي هريرة وابن مسعود وعلي وعائشة -رضي الله عنهم- بدرء الحدود عند وجود الشبهة؛ لأنهم رأوا أن من محققات الاحتياط في تطبيق الحدود حصول الشبهة أثناء فعل المخالفة الشرعية، وهذا الحكم من الأحكام المجمَع عليها بين علماء المسلمين، ولم يخالف فيها إلا الظاهرية فقط، وقد حكى الإجماع ابن المنذر وابن قدامة وغيرهما (المغني، ابن قدامة: 9/55)، وهذا المعنى يدل على أن الحكم في آية السرقة مقيد بقيود أخرى بُيِّنت في السُّنة النبوية.

فكان من رأي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن من الشُّبَه التي يُدرَأ بها حد السرقة: أن يسرق الرجل في حال المجاعة والاضطرار إلى الأكل، وهذا ما يدل عليه نص كلام عمـر؛ فإنـه حين جيء إليـه بالسارق في عـام الرمادة قال: (لا قطع في عام سَنَة)، فقوله هذا يدل على أن القطع حكم ثابت، ولكنه لا يطبَّق في وقت المجاعة لتعلُّق الشبهة بذلك.

فعمر -رضي الله عنه- إذن لم يُقِم حد السرقة لأنه لم يثبت أصلاً ولم تتحقق شروطه، لا لأنه يرى إلغاءه وتوقفه لاختلاف السياق الاجتماعي.

ومما يدل على ذلك: أنه امتنع عن إقامة الحد في مشاهد أخرى، غير ما حصل في عام الرمادة، ومن ذلك قصته مع غِلمَان حاطب ابن أبي بلتعة حين سرقوا بُلْغَة لرجل من مزينة، فأمر عمر -رضي الله عنه- أول الأمر بقطع أيديهم، ثم تأمل في حالهم، وأمر برفع الحكم عنهم، وعلل ذلك فقال: (لولا أنكم تجيعونهم حتى إن أحدهم أتى ما حرَّم الله لقطعت أيديهم، ولكن -والله- لئن تركتَهم لأغرِّمنَّك فيهم غرامة توجعك) (البيهقي في السنن:17749)، وهذه الحادثة لم يَرِد ما يدل على أنها كانت في عام الرمادة.

وهذه الوقائع تدل على أن عمر لم يخالف النص الوارد في حد السرقة؛ وإنما عمل بتقييداته التي جاءت في النصوص الأخرى. وعلى فرض أنه خالفه، فهو لم يخالفه لأجل تقديم المصلحة عليه؛ وإنما بناءً على نص شرعي آخر”.

فمنطلقات عمر -رضي الله عنه- إذن في كل الأحوال راجعة إلى النص الشرعي ولا ورود للمصلحة في هذه الحادثة، كما هو ظاهر، على خلاف من يعمل على تعطيل النصوص الشرعية وإلغائها، ويسوق لمرجعية دخيلة، ويحاول أن يفرضها على المغاربة وإن بالافترات على الدين والتلاعب بالنصوص الشرعية، قياما بخدمة لمؤسسات أجنبية يقتات من ورائها.

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M