الطريق إلى حيث أنا (ح1)

10 أكتوبر 2015 19:55
الطريق إلى حيث أنا (ح1)

الطريق إلى حيث أنا (ح1)

ابراهيم ايت ابراهيم

هوية بريس – السبت 10 أكتوبر 2015

شرب المسؤولية قسرا وهو قاصر لم يتجاوز الرابعة عشر من عمره، يرى وجهه الشاحب على سطح قطع الزليج المزركشة ألوانه طوال النهار، تآكلت أصابعه من كثرة احتكاكها مع الإسمنت ودهنها كثير المرات في عز البرد بقطع من زيتون أخضر وتوجه الى ضفاف النهر هربا من ألم واستغلال. غنى على إيقاعات الفراغ العاطفي وبكى بحضور العزلة والوحدة.

في التلفاز موائد مستديرة وكلمات مؤثرة وزهور بلاستيكية؛ علينا أن لا نقبل بالواقع المرير الذي تعيشه الطفولة.. لم يرى ذلك فالتلفاز ضرب من الخيال وإن حضر زاد الخيال.

لم يضع الطب في لائحة أحلامه الغابرة، أكثر فترات نومه كوابيس وأفاعي وحيوانات متوحشة، يستيقظ منها بنبش أو بركلات مجهولة، يتقدم به العمر في النهار عكس كل كائن حي ينمو في صمت الليل، هو تشيخ ملامحه ومعنوياته من شروق الشمس الصفراء الى غروبها. يتلون جسده بلون الحر أحمر طينيا، ليس كالحرباء تعتاد وتكذب على نفسها الى أن تموت دهسا فوق طريق معبدة.

كان يرى بنصف عين، كل ما حوله لا خراب ولا شيء غير تراب، يتأمل ونظراته الى السماء بين كل ذلك السحاب تناقض مسموح يغري بزخات مطر، وحركاتها تندر بعاصفة خطر، هكذا ينظر بنصف العين. طبيعة تقاوم الثبات ولا تمل التغييرات، تختل الموازين ففي حياته الثبات ومع اليأس ترعرع والتغيير داخله مات!!

لم يعرف عن الحياة إلا كونها نقيضا للموت، ضمن البقاء على قيدها والعيش تحت رحمتها وعذابها، يسمع دقات قلبه تدق ناقوس الخطر كلما اقترب من الخطر، يستمر نبضه بشدة أقل ولا يسكت، أما الدم عنده فمصدر ألم، وسبب انتقام، ما البال لو عرف عن دورانه من الرئة الى كل أعضاء الجسم، الحياة بالنسبة إليه صوت الطير والحيوان بين تلال العزلة، صوت المطر وضوء الشمس والهلال. يوم أراد أن يتعرف على الحياة وجدها خائنة تتقن الخيانة وتسمح في كل من اعتاد البساطة ويهرب من الكمال.

لم تبنى المفاهيم أنذاك أو بالأحرى لم تصل بعد الى الناء، كونه إنسان ليس إلا قدرته على الضحك نفاقا، أو ركوب تلك الدواب المسكينة لقضاء المآرب البعيدة، لا حق الإنسان عرف ولا معاناة ذلك الحيوان الأليف، تربى بين أحضان عالم لا أخضر ولا يابس.

يوم أدخله أبوه الى قاعة الزنك التي يحيط بها سياج طبيعي من الشوك، تأكد من أن أشواك الحياة لن تبتعد عن مساره، فوق تلة معزولة كتبت أول حروف الجهل الذي سيلازمه، كانت أولى أيام شتنبر القديمة ورائحة العرق تنبعث من أجساد تلاميذ المستويات الستة، قاعة زنك وقصدير نحتت بها رسوم عشوائية رسمتها أمطار الحمض القليلة التي تطل ليلا وبطريقة مفاجئة لتسرق القطيع، وتترك الزمن لعقلية القطيع، لا أريد أن أدرس هكذا قالها ودموعه اللزجة لا تكاد تصل الى وجنته حتى تترك آثارا بيضاء على تقاسيم وجهه البريء.

تعلم من الحروف ما يلهيه وينسيه، جلس فوق حصائر الصوف التي تآكلت من خشونة الصخور الجبلية، نسجتها الأم المسكينة بعد مواسم وفصول، لا يستوي ظهرها من الشقاء طوال اليوم، تلك الأشواك التي تم وضعها كحاجز يحدد المستقبل، مرت على ظهرها واحد واحدة حتى تراكمت هناك، من حين لآخر يتصاعد دخان الفرن الطيني في السماء معلنا عن بداية يوم لا ينتهي، تشعله النسوة منذ الصباح ويستمر حتى مغرب الشمس، منه تنبعث رائحة التراب والدخان، منه يصنع خبز القمح والذرة، وقربه تتعالى الأهازيج وترتفع الأصوات، ألما وأملا من واقع واقع.

لا يكتب اسمه، يسعى الى التيه والنسيان، لا ينادي بالأسماء ينكر ويتنكر، ليس بفمه إلا أنا وأنت وأمي الحنونة، وذلك الذي لا يعرفنا إلا في أوقات الشقاء، بين منزله الأزلي والحياة مسافات يقطعها ليجلب قطرة ماء، تتبخر هي والأحلام في طريق العودة الى القفار، رسم في ذهنه تصميما آخر كي يرتاح ويريح من حوله، فشل في الابتعاد عن الأصل، لم يكن له إلا أن يتبسم في وجه الكل حتى تظهر البداية.

ليس الشخص الوحيد في القرية، الذي تربى في أحضان التقاليد، نعم هي التقاليد، متوسط عمر الأبناء لا يتجاوز الثالثة عشر، بين ولادة وأخرى بضعة أشهر حفاظا على التقاليد، تمر السنة فينسى الإبن الأصغر لكونه لم يعد كذلك، الأسرة تهيء لعقيقة قديمة جديدة حفاظا على التقاليد، يكبرون كلهم في نفس ظروف النسيان التي كبر فيها آباؤهم، لا تعلم من يكبر الآخر، درجة الذكاء هي الفارق ومن فطن أصبح للتجارة ممارسا، هو أيضا أخلص للتقاليد، لم يكن ذكائه بالقدر الكافي الذي يجعله متميزا في سنواته الأولى ، فكان منسيا بين البقية، يسمع الكبار ويبكي مع الصغار…

أخذ الحياة على محمل البساطة، أو بالأحرى لم يكن يستطيع فك ألغازها المعقدة، لم تضبط مواعيده بمنبهات، لم يشرب الكافيين للبقاء يقظا، ينام أينما وجده الظلام، وفي غالب الأحيان، بين جدران حجرة تتوسط محيط إطارهم الشرعي الذي ما فتئت الأم المسكينة تحيزه بحزم الأشواك كل صباح، في أحضان تلك الغرفة التي تبدو كتلفاز خشبي قديم، لا يتخيل نفسه في الأبعاد الثلاثة للفضاء، يغلق عينه على الأبيض والأسود ويملأ الفراغ بالألوان داخل قرارة الأحلام، بماذا يحلم يا ترى؟ ليس مهما فهي أحلام النوم فقط وللأبد لن تتحقق، يستيقظ في الصباح الباكر، تنبعث أشعة الشمس الحارقة من ثقوب الحائط تتلطخ بالرماد، تكون الرؤية بعدسة عين واحدة، إنه يوم آخر تبخرت فيه الألوان وتبعثرت الأحلام.

https://www.facebook.com/SamyrAlnhar

آخر اﻷخبار

التعليق

اﻷكثر مشاهدة

حالة الطقس
18°

كاريكاتير

حديث الصورة

128M512M