فضائح إبستين وجرائم الرؤساء.. حين تسقط أسطورة الأخلاق الغربية

01 فبراير 2026 19:40

فضائح إبستين وجرائم الرؤساء.. حين تسقط أسطورة الأخلاق الغربية

هوية بريس – هوية بريس

انتشرت خلال الساعات الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي رواية جديدة منسوبة إلى ما بات يُعرف بـ«ملفات إبستين»، تزعم تورط شخصيات أمريكية نافذة، من بينها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، في ممارسات اغتصاب وطقوس شيطانية على متن يخت الملياردير الراحل جيفري إبستين. ورغم خطورة المزاعم وحدّتها، فإن تدقيقا أوليا في مصدرها يطرح أسئلة جوهرية حول حدود الوثيقة، ومسؤولية التداول، والفارق بين وجود شكوى وثبوت جريمة.

في هذا السياق، نشر الباحث والكاتب أحمد دعدوش تدوينة مطولة سعى فيها إلى التحقق من أصل الرواية المتداولة، بعيدا عن منطق الإثارة والتسليم السريع بما يُروَّج في الفضاء الرقمي. ويوضح دعدوش أن الوثيقة المشار إليها تحمل رقم EFTA00147661.pdf، وهي تقرير داخلي صادر عن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) بتاريخ 28 غشت 2019، أُفرج عنه ضمن ملايين الوثائق التي كشفتها وزارة العدل الأمريكية في إطار Epstein Files Transparency Act، وتحديدًا ضمن Data Set 9.

وبحسب ما ورد في التدوينة، فإن الوثيقة لا تتضمن إدانة ولا اعترافا رسميا، بل تلخص بلاغا تقدم به شخص لم يُكشف عن اسمه، ادّعى أنه كان ضحية أو شاهدًا على تلك الوقائع. اللافت، كما يشير دعدوش، أن المشتكي حضر إلى مقر الـFBI رفقة مايكل مور، مؤسس موقع True Pundit المعروف بترويجه لنظريات المؤامرة، وله سجل جنائي سابق، وهو ما سجله المحققون ضمن ملاحظاتهم.

ويضيف التقرير، وفق التدوينة نفسها، أن المشتكي تحدث عن «ذكريات مكبوتة» قال إنها استُرجعت بعد خضوعه لعلاج نفسي ابتداءً من سنة 2016، وأنه لم يقدم أي أدلة مادية أو شهود يمكن التواصل معهم. بل خلص المحقق، حرفيًا، إلى أن الشخص «بدا غير متزن عاطفيًا»، وأنه «لا يُنصح بتخصيص أي موارد تحقيق إضافية لمتابعة هذه الادعاءات».

بكلمات أخرى، نحن أمام وثيقة إدارية داخلية بقيت حبيسة الأدراج لسنوات، كُشف عنها حديثا ضمن إفراجات جماعية، دون أن تترتب عنها متابعة قضائية أو تحقيق معمق. أما ما راج عن «سحب الوثيقة» أو «تراجع وزارة العدل عنها»، فليس سوى شائعة، إذ لا تزال متاحة ضمن الأرشيف الرسمي.

ولا ينفي هذا السياق أن ملفات إبستين كشفت، في مستويات أخرى، وقائع خطيرة موثقة تتعلق باستغلال جنسي لفتيات قاصرات، وتورط شبكات نفوذ ومال، وهي قضايا ثابتة بأحكام قضائية واعترافات رسمية. غير أن توسيع دائرة الاتهام، دون دليل، ليشمل شخصيات بعينها، يفرغ مطلب العدالة من مضمونه، ويحوّل قضية أخلاقية وقانونية خطيرة إلى مادة استهلاك شعبوي.

ويلفت أحمد دعدوش، في ختام تدوينته، إلى أنه رغم اهتمامه البحثي بموضوع الطقوس الشيطانية وكونها «موثقة تاريخيا»، فإن الأمانة العلمية والشرعية تفرض التمييز بين الاحتمال والحقيقة المثبتة، وبين الشكوى والقرينة والدليل. فوجود ادعاء، مهما كان صادماً، لا يرقى وحده إلى مرتبة الإدانة.

غير أن الإشكال لا يقف عند حدود التضليل الرقمي أو سوء توظيف الوثائق، بل يتجاوزه إلى أزمة أخلاقية أعمق تكشفها الوقائع المتراكمة داخل مراكز القرار الغربية نفسها. ففضائح إبستين، وما سبقها وما تلاها من ملفات موثقة، لم تعد حوادث معزولة، بل مؤشرات على انحراف أخلاقي بنيوي داخل نخب رفعت طويلا شعارات الدفاع عن المرأة وحقوق الإنسان، بينما تورطت عمليا في أبشع أشكال الاستغلال الجنسي وتجارة البشر.

لقد أظهر الواقع الملموس أن الخطاب الحقوقي الغربي، حين يتعلق الأمر بمصالح النخبة والنفوذ والمال، يتحول إلى قناع انتقائي يُستدعى للضغط الخارجي ويعلَّق داخليا عند أول اختبار أخلاقي حقيقي. وفي هذا التناقض الصارخ، لا تسقط فقط مصداقية الأفراد المتورطين، بل تنكشف هشاشة منظومة قيم ادّعت طويلا احتكار الأخلاق، بينما فشلت في حماية أبسط حقوق الضحايا داخل عقر دارها.

آخر اﻷخبار

التعليق


حالة الطقس
19°
21°
الجمعة
22°
السبت
24°
أحد
23°
الإثنين

كاريكاتير

حديث الصورة