“التربية الإسلامية” بين مركزية الرسالة ومحدودية الحضور في المنظومة التعليمية

هوية بريس – د.سعيد الميش
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولنا الأمين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، وعلى من اتبع شريعته إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن المتأمل في واقع المنظومة التعليمية يلحظ مفارقة ظاهرة تتمثل في المكانة العظيمة التي تحتلها مادة التربية الإسلامية من حيث مضمونها ووظيفتها التربوية والحضارية، مقابل الحضور المحدود الذي تحظى به من حيث المعامل في المراقبة المستمرة وفي الموحد، والغلاف الزمني المخصص لمادتها العلمية في الأسبوع، وكذلك التمثيلية في الامتحانات الإشهادية، وعدد الأسئلة المخصصة لها مقارنة ببعض المواد الأخرى.
فلا يخفى أن التربية الإسلامية ليست مادة معرفية عادية تضاف إلى باقي المواد الدراسية، بل هي مادة تؤسس للهوية، وتصنع القيم، وتوجه السلوك، وتبني شخصية المتعلم بناء متوازنا يجمع بين العلم والإيمان، وبين المعرفة والعمل.
فهي من أهم المواد الدراسية في المقرر الدراسي لدى المملكة المغربية الشريفة؛ لأنها تتولى بناء الإنسان من جهة عقيدته وعبادته وأخلاقه ومعاملاته، وتسهم في تكوين شخصية متوازنة تجمع بين الإيمان والعلم والقيم والعمل، وفضلا عن بناء مهارات وتنمية وجدانيات…
غير أن المتتبع للواقع التعليمي يلاحظ وجود مفارقة مجحفة واضحة بين عظمة هذه المادة ومحدودية المكانة التي تخصص لها داخل المنظومة التربوية.
فالتربية الإسلامية هي المادة الوحيدة التي تجمع بين علوم العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات ومقاصد الشريعة، وهي بذلك تعد من «علوم الغاية» التي يقصدها المتعلم لذاتها، بينما تعد كثير من المواد الأخرى من «علوم الآلة» التي تخدم غيرها من المعارف. ومع ذلك فإن معامل المادة وغلافها الزمني لا يعكسان هذه المكانة المحورية.
والاستحقاق الوطني يكرس هذا الإشكال وضوحاً في الامتحان الموحد الجهوي (جهة فاس مكناس مثلا؛ 13 سؤالا في التربية الإسلامية لمدة ساعة ونصف، و10 سؤالا لساعتين) فيلاحظ أن عدد الأسئلة المخصصة للمادة وحجمها الزمني لا يوازيان حجم المضامين التي تتضمنها، ولا مقدار المسؤولية الملقاة على عاتقها في ترسيخ القيم ومواجهة الانحرافات الفكرية والسلوكية.
كما أن المقارنة مع بعض المواد الأخرى، وخاصة اللغة العربية، تكشف تفاوتاً كبيراً في عدد الأسئلة ومعامل التأثير في المعدل العام، رغم أن التربية الإسلامية تشكل المرجعية القيمية التي توجه مختلف المعارف والعلوم، علاوة على الدور المحوري والاستراتيجي التي تتولاه في بناء الإنسان المواطن للقيام بمختلف أنواع الاستخلاف الحضاري وطنيا ودوليا…
فالتربية الإسلامية مرتبطة بقضايا المجتمع الكبرى، كالأمانة والعدالة والإعلام وحقوق الطفل والمرأة والتكافل الاجتماعي وحماية الأسرة والأمن الروحي والسلم الاجتماعي…، وهي قضايا تمس حياة الفرد والمجتمع والأمة والأمم أكثر من كثير من المعارف النظرية المجردة والمحدودة الموجودة في مواد أخرى.
وهذا يدل على أن المادة ليست مجرد حفظ للمعلومات، بل هي بناء للإنسان وإصلاح للمجتمع.وإن تقليص الحيز الزمني للتربية الإسلامية أو إضعاف معاملها يبعث رسالة ضمنية بل صريحة إلى المتعلمين… بأن القيم والأحكام الشرعية أقل أهمية من غيرها من المعارف وهذا تنفير من المادة في وقت يعاني في المجتمع من أزمة قيم مستفحلة، وهو ما لا ينسجم مع هوية المجتمع المغربي التي ينص عليها الدستور، ولا مع الحاجة الملحة إلى تحصين الناشئة من الانحرافات الفكرية والأخلاقية، ولا مع الغاية الوجودية للإنسان المنشودة في نصوص الوحي؛ والمتماشية مع الفطرة والعقل والعلم تسليما متواترة لدى أمم الكون في إيجاد الإنسان المستقيم النافع.
ولذلك فإن الإنصاف التربوي يقتضي إعادة الاعتبار لمادة التربية الإسلامية عبر مراجعة معاملها، وتوسيع غلافها الزمني، وتعزيز حضورها في الامتحانات الإشهادية، بما يتناسب مع رسالتها في حفظ الهوية الدينية والقيم الأخلاقية، وتكوين المواطن الصالح.
إن اللغة العربية والتربية الإسلامية جناحان متكاملان لا متنافسان؛ فاللغة وعاء الرسالة، والتربية الإسلامية مضمون الرسالة، والوعاء لا يغني عن المضمون، كما أن المضمون لا يستغني عن الوعاء. غير أن الإنصاف التربوي يقتضي أن يُعطى كل منهما ما يستحقه من عناية وتقدير، وأن تُراجع مكانة التربية الإسلامية بما ينسجم مع دورها المحوري في حفظ الهوية وبناء القيم وترشيد السلوك، حتى لا تبقى مادة مركزية في رسالتها، هامشية في معاملها وحضورها التقويمي.



