المغرب في حسابات مدير مجلس السلام العالمي سؤال الشراكة والتبعية

المغرب في حسابات مدير مجلس السلام العالمي سؤال الشراكة والتبعية
هوية بريس – إبراهيم الطالب
في عالم السياسة الدولية لا مجال للحديث عن التحالف ولا عن الصداقة، فالعالم تحكمه المصالح، وتديره القوة لصالح من ينتجها، والقوة اليوم لها صورتان؛ صورة المارد الصيني وصورة الغول الأمريكي، أما باقي الدول فتتابع هذا المخاض الذي على الأرجح سينتهي بولادة نظام دولي جديد، ويبدو إن حصل ذلك، أننا سنرجع إلى ثنائية قطبية بين الـ”بريكس BRICS” الذي تقوده الصين، يقابله الكيان الذي سينتج قريبا عن مشروع ترامب الذي استهل بناءه في دافوس بما سماه مجلس السلام العالمي. والسلام هنا عند ترامب مرادف للأمن الذي كانت تنشره دول مجلس الأمن؛ الدول في العالم قبل اليوم، السلام والأمن هنا بمعنى تدبير استعمال السلاح والحرب لإنتاج سلام يوفر للشركات مناخا ملائما كي تستثمر أموالها بحرية كاملة، فلا استثمار بدون استقرار، والاستقرار لا يقتضي بالضرورة الأمن والسلام كما يفهمه البسطاء، لذا ففي أوج القتل في غزة يتحدث نتنياهو عن السلام والأمن.
لكن أن ترى المغرب يجلس في المقعد الأول في هذا المشهد، وتسمع إعلان البيت الأبيض أن المغرب كان أول دولة توقع على ميثاق “مجلس السلام” في دافوس، فهذا حتما ليس مجرد حدث عابر، بل رأى فيه الكثيرون أنه إيذان بمرحلة جديدة في العلاقات بين الرباط وواشنطن، مهد لها الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء في دجنبر 2020، وهذا المعطى يثبت أن إدارة ترامب الثانية تعتبر المغرب “شريكا محوريا” في رؤيتها لإعادة هندسة النظام الدولي.
غير أننا إذا استصحبنا ما سبق ذكره بخصوص القوة ومنطقها، فإن هذا التقارب المتسارع يُثير تساؤلات عميقة تتجاوز الاحتفاء الرسمي:
فما الذي يريده ترامب فعلا من المغرب؟
وما الثمن الذي سيدفعه المغرب مقابل هذه الشراكة؟
وهل تملك دولة مثقلة بالديون وتحديات التنمية أن تحافظ على استقلالية قرارها أمام قوة عظمى لا تعترف إلا بمنطق الصفقات؟
بخصوص السؤال الأول: أي دور للمغرب في استراتيجية ترامب؟
يمكن أن نتلمس الجواب من خلال اعتماد زاوية النظر الأمريكية إلى المغرب اليوم، لا شك أنها تختلف عن الماضي، وعلى الأقل عما كانت عليه قبل عقدين. فالتنافس الأمريكي-الصيني على أفريقيا بات يُشكّل أحد أبرز محاور السياسة الخارجية الأمريكية، ولا شك أن المغرب يحتل موقعا استثنائيا في هذه المعادلة. فهو البلد الذي يجمع بين واجهتين: متوسطية تُطل على أوروبا، وأطلسية تفتح أبواب القارة السمراء.
ويشهد لهذا المبادرة الأطلسية التي أطلقها المغرب لتمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط، فهذه المبادرة ليست مشروعا تنمويا معزولا، بل هي رسالة جيوسياسية واضحة مفادها أن المغرب يقدم نفسه كقاطرة للتنمية في منطقة باتت ساحة صراع بين القوى الكبرى، خصوصا مع التمدد الصيني في البنية التحتية الأفريقية.
خط أنابيب الغاز المغربي-النيجيري، الذي سيكون الأطول في العالم بامتداده على أكثر من 5600 كيلومتر، ليس مجرد مشروع للطاقة، بل هو شريان حيوي سيُعيد رسم خريطة التبعية الأفريقية للطاقة. وترامب، المهووس بالصفقات الكبرى والأرقام الضخمة، يجد في هذا المشروع ما يغري بالانخراط.
وأمام ما تعيشه دول العالم الإسلامي اليوم، فإن الحسابات الأمريكية تثبت لها أنه لم يبق غير المغرب في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ليلعب دورا طلائعيا في سياسة النظام الدولي الجديد الذي يطل برأسه من تحت طاولة مجلس السلام العالمي الذي يقوده التاجر الكبير ترامب؟
فمصر في عداد الموتى والمفقودين خصوصا مع قناة بن غوريون وسد النهضة الأثيوبي، الذي يهدد الحياة البشرية والحيوانية في مصر، أما ليبيا والعراق واليمن والسودان فلم يخرجوا بعد من الفوضى الخلاقة التي نشرها سلف ترامب الأسبق بوش الصغير، وأما الجزائر فهيكلها لا زال يعيش بين حجارة جدار برلين، ويصر على أن يركب حمار البوليساريو ليقطع الصحراء المغربية عرضا لتكون له واجهة على الأطلسي، إذًا لم يبق إلا المغرب الذي يحرص الغرب بشقيه والصين وروسيا على الإشادة بصورته الاستثنائية في كل شيء، فالجميع يدخره ليوم الصفو لاستخدامه بابا كبيرا للعبور إلى إفريقيا التي تُطرد فرنسا من بلدانها بلدا تلو الآخر.
بالإضافة إلى ما سبق ترى أمريكا في المغرب شريكا لفض النزاعات المزمنة في الشرق الأوسط الكبير والتي لا مجال لها في مشروع ترامب الاقتصادي، ليس لأنه يحب السلام ولكن لأنه يرى في استمرار الملفات القديمة إبقاء على زعماء وأفكار ومشاريع لا يعترف بها في مشروعه الدولي الذي ستقوده الشركات وليس الدول، والذي حتما ستكون له مشاكله وصراعاته الخاصة.
ففي مجلس السلام الذي أطلقه ترامب، والذي يضم دولا متنافسة أحيانا كتركيا والكيان الصهيوني ومصر وقطر، يمكن للمغرب أن يلعب دور الجسر بين المواقف المتباينة. كما أن غياب الحدود الجغرافية المباشرة مع بؤر التوتر يمنحه قدرة ووجاهة تؤهله للتحرك الدبلوماسي دون الانجرار إلى مستنقعات الصراعات.
أما بخصوص السؤال الثاني: لماذا هذا الاهتمام المتصاعد بالمغرب؟
فبالإضافة إلى ما سبق فإن من أهم الأسباب الكامنة وراء هذا الاهتمام المتصاعد بالمغرب تتمثل في قدَر المغرب الذي جعله يتربع على مفترق طرق استراتيجي لا مثيل له: مضيق جبل طارق الذي يمر عبره قسم كبير من التجارة العالمية، وواجهة أطلسية ممتدة تُشرف على طرق الملاحة نحو الأمريكيتين، وكذلك قربه من أوروبا يجعله أول محطة أفريقية للاستثمارات والمشاريع الغربية.
هذا الموقع الفريد يفسر جزءا كبيرا من الاهتمام الأمريكي، خاصة في سياق التنافس على النفوذ في أفريقي، فتحكم أمريكا والكيان الصهيوني في العالم سيكون انطلاقا من الممرات المائية، مثل مضيق جبل طارق، وكذلك مضيق باب المندب، الذي تسعى أمريكا والكيان الغاصب إلى تغيير الجغرافيا السياسية للمنطقة المحيطة به من أجل التحكم فيه مستقبلا، حيث نرى كل شيء يتم قلبه في البحر الأحمر، وفي فلسطين المحتلة وغزة الجريحة من أجل تحويل التجارة العالمية من قناة السويس إلى قناة بنغوريون التي دُمرت غزة من أجل شقها. هذه الممرات هي الشريان الجديد الذي سيوزع الحياة في جسم الجغرافيا العالمية في المستقبل القريب، حسب نظر ترامب وإدارته.
وبالإضافة إلى الموقع الاستراتيجي هناك عامل الثروات الاستراتيجية في عصر التحولات الكبرى، التي يمتلك المغرب بخصوصها ما يقارب 70% من احتياطيات الفوسفات العالمية، وهو عنصر حيوي في صناعة الأسمدة والأمن الغذائي العالمي. لكن الأهم اليوم هو الكوبالت والمعادن النادرة الضرورية لصناعة البطاريات والتكنولوجيا الخضراء، وبإلقاء نظرة على الاستثمارات الصينية الضخمة في هذا القطاع بالمغرب (تُقدّر بعشرة مليارات دولار) نكتشف أهمية المغرب في الاستراتيجيا الصينية التي تستهدف العمق الإفريقي، وهذه الحقيقة تثير قلقا أمريكيا، تدفع واشنطن للعمل على إحداث موازنة مع هذا الحضور المهم للمارد الأسيوي، ومن أراد أن يقرأ هذا فليرجع إلى حجم المبادلات التجارية بين أمريكا والصين مع المغرب.
دون أن ننسى في الأخير عنصرين مهمين وهما: الأول الاستقرار الذي ينعم به المغرب، والذي يعد رأسمال كبير لأي شريك أو وسيط في المرحلة القادمة، والثاني القوة التي تحظى بها الدبلوماسية الدينية في دول أفريقيا، وأهميتها في تمهيد المجال الإفريقي للاستثمارات الأجنبية خصوصا الدول التي ستنضم لمجلس السلام العالمي.
يبقى لنا السؤال الأخير والأهم: هل يمكن للمغرب أن يُفلت من قبضة الهيمنة؟
يقال إن الأرقام لا تكذب، غير أن ما تكشفه الأرقام الرسمية نفسها يضع أي حديث عن استقلالية القرار المغربي موضع مساءلة جدية. فالدَّين العمومي -حسب أهل الاختصاص-، وإن جرى تسويقه في حدود 67,7% من الناتج الداخلي الخام، لا يعكس سوى صورة مبتورة للواقع؛ إذ إن إدماج ديون المؤسسات والمقاولات العمومية والجماعات الترابية يرفع الكلفة الحقيقية للمديونية إلى ما يقارب 1.380 مليار درهم، أي حوالي 87% من الناتج الداخلي الخام.
وخارجيا، لا يتعلق الأمر بمجرد أرقام تقنية، بل بوضعية مالية تُظهِر أن التزامات المغرب تجاه الخارج تفوق أصوله بما يقارب 758 مليار درهم، وهو ما يعني عمليا اقتصادا مكبلا بمنطق الاستدانة الدائمة وشروط الدائنين وفروض الأسواق الدولية.
وغير خاف حتى على المتتبعين الصغار أن خدمة الدين مع الدول الكبرى المفترسة تتحول من أداة تدبير مالي إلى آلية ضغط سياسي واقتصادي، تلتهم جزء متزايدا من الميزانية العامة، وتُزاحم بشكل مباشر حق المواطنين في التعليم والصحة والتنمية، وفرض تطويرا قسريا للمجتمع المغربي، لذا فهي تسائل واضعي السياسات في المغرب: متى تستمر السياسات العمومية تُصاغ بمنطق إرضاء الدائنين لا بمنطق السيادة؟
نعم ولا جدال في كون الدولة المدِينة تجد نفسها ملزَمة بتطبيق إملاءات المؤسسات الدائنة، سواء كانت صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو الدول المُقرضة. والمغرب ليس استثناء من هذه القاعدة، فقد عاشه منذ مؤتمر الجزيرة الخضراء 1906، وهو اليوم يخضع على مدى العقود الماضية لبرامج التقويم الهيكلي وشروطها القاسية.
لكن يبقى السؤال الأعمق هو: هل يريد المغرب فعلا الإفلات من المنظومة الغربية؟ الجواب هنا لا يحتمل نعم أو لا؛ بل ينطق به الواقع، فالنظام المغربي بنى جزءا كبيرا من مصداقيته أمام المنتظم الدولي/الغربي على دوره كحليف موثوق للغرب، وأي تخطيط يروم الاستقلالية بعيدا عن أمريكا وسياساتها وملحقاتها ومؤسساتها، يحتاج إلى ما يشبه الحرب، وهذا ما رأيناه مع ماليزيا وتركيا، خصوصا وأن الشركات التي تشكل الاقتصاد الوطني هي مرتبطة أشد الارتباط بالمنظومة الرأسمالية الغربية، والمنطق يقضي بأن الواقع لا يرتفع إلا بصنع واقع آخر أكثر منه قوة وأكبر تأثيرا.
فهل سيستفيد المغاربة في الصحة والتعليم واقتسام الثروة في ظل هذا الحراك الكبير على مستوى الدولة وتكنقراطييها الذي خلق وضعا أقرب إلى تدبير المستبد المستنير للشأن العام منه إلى التدبير الديمقراطي الذي لم يعد حتى الاتحاد الأوروبي وأمريكا يحفلان به، فلم نسمع في دافوس سوى الحديث عن المال والأعمال مفصولا عن لغة الحقوق والديمقراطية، فالكل صار مقتنعا أن الديمقراطية وحقوق الإنسان أصبحت كائنات ميتة انتحرت في غزة وفلسطين قبل أن تغتصب في جزيرة إبستين فوق أجساد القاصرات.
وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.



