حين يُمحى اسم الله من سيارة الموتى… من يجرؤ على العبث بثوابت المغاربة؟

هوية بريس – متابعات
لم يكن القرار الوزاري المشترك رقم 1250، الصادر عن وزارة الداخلية ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية، مجرد إجراء تنظيمي عابر يتعلق بتوحيد مواصفات سيارات نقل الأموات.
بل تحول إلى صدمة رمزية عميقة، بعدما نصّ صراحة على منع أي عبارات على هذه السيارات باستثناء شريطين أخضرين وعبارة “نقل الأموات” مع الإشارة إلى مالك المركبة.
بصيغة أخرى: لا “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، لا “إنا لله وإنا إليه راجعون”، لا أي أثر لفظي يُحيل إلى هوية المجتمع الذي تُنقل جثامينه.
هل نحن أما تنظيم إداري… أم إعادة تعريف صامتة للهوية؟
في بلد ينص دستوره بوضوح على أن الإسلام دين الدولة، ويقوم نظامه السياسي على إمارة المؤمنين، يصبح حذف الشهادتين من سيارات تنقل أموات المسلمين قرارا لا يمكن عزله عن سياقه الرمزي.
الدكتور رشيد بن كيران وضع الإصبع على الجرح حين كتب: “إنّ القرار الوزاري الذي يقضي بإزالة كلمة الشهادتين وعبارة “نقل أموات المسلمين” بدعوى الحياد لا يبدو حيادا بقدر ما يبدو إعادة تعريف صامتة لهوية المجال العام في بلد ينص دستوره صراحة على أن الإسلام دين الدولة. فالحياد الذي يُستدعى هنا ليس حيادا بين أديان متساوية في المرجعية الدستورية، بل حياد يُمارس تجاه الدين الذي يشكل الأساس الرمزي والثقافي للأغلبية الساحقة من المواطنين المغاربة”.
ويضيف متسائلا بمرارة: “حماية الأقلية الدينية لا تعني أبدا تجريد الأغلبية من رموزها التعريفية المشروعة، خصوصا حين يتعلق الأمر بخدمة مخصصة أصلا لأموات المسلمين”.
مرحلة خطيرة ونقض للثوابت
أما د.محمد عوام فذهب أبعد من ذلك، معتبرا أن القرار مؤشر على مرحلة “شديدة الخطورة”، تتمثل في نقض ثوابت المملكة وإقبار الخصوصية الإسلامية للشعب المغربي.
وكتب عوام: “قرار شطب الشهادتين وصفة المسلمين عن سيارات نقل أموات المسلمين يؤكد أننا دخلنا مرحلة خطيرة، بل شديدة الخطورة، تتمثل في نقض ثوابت المملكة المغربية المتمثلة في الإسلام”.
وتساءل: “ما الفائدة من صدور هذا القرار الآن؟ وما جدواه ما دام لكل طائفة دينية سياراتها وطقوسها وخصوصياتها؟”، كما حذر من “أن تفكيك الرموز الجامعة قد يولّد ردود فعل متطرفة، معتبرا أن التضييق على التعبير الإسلامي في الفضاء العام يقابله تساهل مع ما يصفه بـ”الانحرافات التي تمس الثوابت”.
أزمة النخب قبل أزمة القرارات
في سياق متصل، كتب د.يحيى اليحيوي، الأكاديمي والمتخصص في مجال الإعلام، “قرأت أن وزارة الداخلية أزاحت عبارة “لا إله إلا الله محمد رسول الله” ثم عبارة “نقل أموات المسلمين” من على سيارات نقل الموتى، بدعوى أن العبارة لا تشمل معتقدات باقي المغاربة… نعرف أن نسبة اليهود والمسيحيين بالمغرب ضعيفة للغاية، لهم طقوسهم ومقابرهم وكيفيات دفن موتاهم، ولا يحتاجون لا لسياراتكم ولا لمقابركم… وعليه فوزارة الداخلية تجيب عن سؤال لم يُطرح…”.
ثم وجّه اليحياوي خطابه مباشرة إلى وزير الداخلية قائلا: “لو كان فيك بعض من خير، اذهب وتفقد مقابر المسلمين، حيث يُعبث بالقبور ويتم التبول عليها والدوس فوقها… اذهب وقارن بين مقابر اليهود والمسيحيين المسيجة المنظمة، وبين قبور للمسلمين متناثرة بين الأحراش والأعشاب… اذهب لتتأكد أن “خير أمة أخرجت للناس” لم تنزل فينا… استحيوا على أعراضكم… لقد تجاوزتم في العبث”.
هل يخيفهم اسم الله؟
اللافت أن النقاش حول إزالة آية وكلمة التوحيد من سيارات نقل موتى مسلمي المغرب لم يكن حول تحسين خدمات نقل الموتى، ولا حول شروط السلامة، ولا حول كرامة الجثمان وندرة المقابر، بل انحصر في حذف عبارة دينية اعتادها المغاربة مذ كانوا.
هل أصبحت “لا إله إلا الله” عبئا بصريا لدى البعض؟
هل صار التذكير بالآخرة في الفضاء العام يُعتبر إخلالا بالحياد ويخيف دعاة التعايش؟
ثم ماذا عن تعبير اليهود والمتنصرين المغاربة عن فرحهم بهذا القرار؛ أليس هناك أي اعتبار لأحاسيس ووجدان جمهور المسلمين؟
اللعب بالرموز أخطر من اللعب بالقوانين
إن سيارة نقل الأموات ليست مجرد مركبة إدارية؛ إنها لحظة وداع أخيرة، تختصر رحلة الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وتجيب بالدليل والواقع عن الأسئلة الوجودية الكبرى {إنا لله وإنا إله راجعون}.
فحين يُمحى اسم الله من محطة الموت، ويتراقص اليهود والنصاري فرحا بالقرار، يشعر كثيرون أن الأمر قد تجاوز بكثير الطلاء والشريط الأخضر ودعاوى التعايش والتسامح.
إن المغرب ليس دولة بلا هوية، كما أن المغاربة ليسوا شعبا بلا ذاكرة.
قد يختلف الناس حول السياسة والاقتصاد والانتخابات، لكن العبث بالثوابت الجامعة يفتح أبوابا لا تُغلق بسهولة.
فاللعب بالمعتقد والرموز والذاكرة في مجتمعات متجذرة في تاريخها الديني، أخطر بكثير من تعديل مادة قانونية عابرة.



